
سفينة الحمقى والمغفلين – عبد الكريم يحيى الزيباري
هاورد زن: ” تاريخِـيّاً، أكثَر الأمور فظاعةً كالحُروب، المجَازر الجماعيّة والاسْتبداد، لَـم تحْدث بسبب العِصيان والتَّـمرد، بل بسببِ السّمع والطَّاعة”.
من يكون العامة إذا لم يكونوا أصحاب الأهواء؟ ينعقون مع كلِّ ناعق، ويميلون مع كلِّ ريح، ومن يكون العامة إذا لم يكن أحدهم يأخذ دينه من أول الرجال؟ ويترك الحق وراءه ويدور مع الرجال، فيصبح لكل جماعةٍ رجلٌ يقدسونه أعلى مكانَةً من الحق، يدور الحق حيث يدور، يقول الإمام علي لرجلٍ في المعركة شكَّك في موقفه (إنك لمبلوس عليك، إن الحق والباطل لا يعرفان بأقدار الرجال، اعرف الحق تعرف أهله، واعرف الباطل تعرف أهله). والناس يغرهم كثرة الهالكين في طرق الباطل، وثراءهم وقوتهم وسلطتهم وجبروتهم، ويوحشهم قلة السالكين درب الحق، وفقرهم وزهدهم وتقشفهم وعزلتهم.
(قال ثمامة بن الأشرس: كان المأمون قد همّ بلعن معاوية وأن يكتب بذلك كتاباً في الطعن عليه، قال: ففثأه عن ذلك يحيى بن أكثم وقال: يا أمير المؤمنين العامة لا تحتمل هذا… والرأي أن تدع الناس على ما هم عليه ولا تظهر لهم أنك تميل إلى فرقة من الفرق فإن ذلك أصلح في السياسة… فلما دخلت عليه فقلت: يا أمير المؤمنين والعامة عندك في هذا الموضع الذي وضعها فيه يحيى؟ والله لو بعثت إليها إنساناً على عاتقه سوادٌ ومعه عصاً لساق إليك منها عشرة آلاف! والله يا أمير المؤمنين ما رضي الله عز وجل أن سوّاها بالأنعام حتى جعلها أضل سبيلاً.
فقال تبارك وتعالى: (أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً “).
وضربَ ثمامة بن الأشرس مثلاً برجلٍ معتزلي، وأضربُ مثلاً حكايةً قرأتها ذات كتاب عتيق، لا أكاد أقلِّبُ صفحاته، أنَّ وزير خارجية بريطانيا أرسل دانييل ديفو (1660-1731) إلى استكلندا وهي تموج غضباً على بريطانيا، ليبذر في قلوب الاسكتلنديين فكرة الانضمام إلى بريطانيا العظمى، واستطاعَ أنْ يحصر حديث العامة عن تجارة بريطانيا ومستعمراتها وسيطرتها التامة على الهند وأطماعها في الصين، والرفاهية المأمولة من الوحدة، ليتم بعد ذلك توقيع معاهدة الوحدة عام 1703 ولتظهر إلى الوجود تسمية بريطانيا العظمى، وانحلَّ البرلمان الاسكتلندي وسافر البرلمانيون الاسكتلنديون الخمسة والأربعون إلى ويستمنستر لينضموا إلى البرلمانيين الإنكليز، وشيئاً فشيئاً اختفت لهجتهم المحلية والكثير من عاداتهم وتقاليدهم.
(توصل تقرير لوزارة الخارجية الأمريكية صدرَ عام 1937 إلى استنتاج يقول: إنَّ الفاشية تناسب روح إيطاليا، وقد جلبت النظام بعد الفوضى، والانضباط بعد التسيب، والوفرة بعد الإفلاس..
كل ذلك في فترة زمنية قصيرة جعلَ اتخاذ جملة من التدابير الصارمة أمراً ضرورياً). نعوم تشومسكي- ردع الديمقراطية- ترجمة فاضل جتكر- دار كنعان- 1993- دمشق- ص46.ربما كان التقرير بمثابة إعلان مدفوع الثمن من السيد موسوليني، وربما كان لكاتب التقرير رأيٌ مماثل بالسيد هتلر وأفضاله على ألمانيا، ولو أنَّ كاتب التقرير رأى إيطاليا وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية…
في الجزء السادس من كتاب الجمهورية، يصف أفلاطون على لسان سقراط في حواره مع أديمانتوس: تخيّل أنك في سفينة ضخمة تشقُّ عُبَابَ البحر، مَن تريد أنْ يقود السفينة؟ أيُّ شخصٍ كان، أم العالم بفصول السنة وحركة النجوم والرياح المتمرس الخبير بقوانين الإبحار؟ يرد أديمانتوس: العالم طبعاً.
لماذا تعتقد أنَّ أيَّ إنسان بالغ له حق القرار في اختيار الشخص الذي يحكم البلاد؟
ماذا ستفعل إذا قرَّر المسافرون قرروا اتباع نظام ديمقراطي في قيادة السفينة، وخسر القبطان وطاقمه في الانتخابات؟
ماذا ستفعل إذا قرَّر المسافرون اغتيال القبطان أو تخديره ورميه في البحر مع طاقمه؟
ماذا ستفعل إذا رأيتهم يهدرون المؤونة والأرزاق في يومٍ واحد؟ هل من المنطقي أنْ تنجو سفينة الحمقى والمغفلين وتصل إلى هدفها المنشود؟
وفي البحر عِدَّة سفن للحمقى، تتسابق إلى الهاوية.
وإذا كان سقراط قد تسمم بقرار ديمقراطي، فإنَّ برتراند راسل لم يكتشف سر السعادة- بتقبل بشاعة العالَم- إلا بعدما اقتنعَ بالكف عن محاولات التغيير، بعد سجنه وملاحقته لوقوفه ضد الحرب العالمية الأولى، فسجن عِدَّة شهور، وفصل من الجامعة، ومنع من السفر للتدريس في جامعة هارفارد. قد أقسم الله لي في سورة البلد، بأنه خَلَقَ الإنسانَ في كَبَد.
والمقصود بالإنسان الإنسان العاقل المفكر: ذو العقل يشقى في النعيم بعقله، وأخو الجهالةِ في الشقاوة ينعمُ.


















