سفر تاريخي يتناول الموصل في ثلاثة قرون
أجواء مدينة عراقية في ظل الإمبراطورية العثمانية
قراءة سامر الياس سعيد
بترجمة حاذقة يستلهمها المترجم يحيى صديق يحيى من سبره لأغوار القصة وحبكتها الدرامية يعمد الى ترجمة سفر تاريخي يسلط الضوء على واقع مدينة الموصل في كتاب حمل عنوان الدولة والمجتمع الإقليمي في الإمبراطورية العثمانية ..الموصل 1540 1834 حسب رؤية كاتبته دينا خوري والكتاب المعرب صدر مؤخرا بمراجعة وتقديم الدكتور جزيل عبد الجبار الجومرد فيما صدر الكتاب بطبعته الأولى عن جامعة كامبردج عام 1997 ضمن سلسلة دراسات كامبردج في الحضارة الإسلامية .. ويبسط الكتاب المعرب محاوره على ثمانية فصول فضلا عن فصل مخصص لهوامش التي وردت في الكتاب فضلا عن الملاحق التي تشير الى أوضاع المواطنين في الحقبة المذكورة بالإضافة لمعجم مصطلحات أتاحهما المترجم توخيا للأمانة العلمية في تقديم كتاب مهم وبارز يضاف الى المكتبة العربية من اجل إثراء المثقف والأكاديمي على حد سواء فضلا عن الأمانة العلمية التي تقتضي الدقة في نقل وجهة نظر المؤلفة كما يشير المترجم في سياق مقدمته والتي تلي مقدمة المراجع الدكتور جزيل عبد الجبار الجومرد الذي أشار في كلمته الى عمل المترجم الى ترجمة كتاب ذو لغة غير سهلة وذو موضوع متخصص في ميدان دراسة التاريخ الحديث وذو منهج تحليلي عسير التوصيف أحيانا وصعب العرض حتى وهو بقلم مؤلفته ، كما تطرق المراجع للمعوقات التي اعترضت عمل التعريب والترجمة ومنها استعراض الخيارات المتاحة للتعبير واستصواب أسهل النظائر في الترجمة فضلا عن محاولة استحضار بعض المصادر العربية رغم صعوبة ذلك كما يشير المراجع حيث كانت الباحثة خوري قد جالت على مكتبات عالمية لم تتيسر للمترجم والمراجع ان يحظيا بفرصة المرور بها باستثناء حالات خاصة كما وصفها المراجع أتاحت لهم قراءة نصوص أساسية باللغة العربية ككتاب الدر المكنون لياسين العمري كما قدمت نسخة الترجمة لتحقيق الأمانة العلمية للأستاذ الدكتور خليل علي مراد احد أهم المختصين بالدراسات العثمانية في العراق لإبداء ملاحظاته حيث صوب وأصلح الكثير مما رآه بحاجة الى ذلك من مكونات النص المترجم ومنها تصحيحه الكثير من المصطلحات وتقويم نطق وكتابة مسميات عثمانية..
إما المترجم يحيى صديق يحيى فتطرق في مقدمته الى الكتاب بوصفه دراسة تاريخية اقتصادية سياسية اجتماعية شاملة لمدينة تقع عند حدود المحيط الشرقي للإمبراطورية العثمانية مشيرا بان نسخته الأصلية وردته مصورة عن طريق زميله الفنان الاثاري جنيد الفخري إثناء رحلة للأخير الى عمان عام 2008 وشرع يحيى بترجمتها وتحدث عن صعوبة الترجمة عن نص الكتاب المصور مما حدا به الى مد جسور التواصل مع المؤلفة عن طريق الانترنت للاستفسار عن احد الفقرات غير الواضحة جراء التصوير كما تابع بان الكتاب كان حصيلة عمل المؤلفة لمدة عشر أعوام من البحث والتأليف فيه مشيرا بان المؤلفة تجشمت عناء السفر الى مدينة الموصل ومراجعة مؤسساتها القضائية والوقفية ولقاء مثقفيها بالإضافة لمراجعاتها لدائرة أرشيف رئيس الوزراء في اسطنبول ومن وحي الجهد المتميز لهذا العمل فقد حصد العديد من الجوائز أهمها جائزة فؤاد كوبرلو نصف السنوية للدراسات التركية عام 1988 وجائزة الصداقة الكويتية البريطانية من الجمعية البريطانية لدراسات الشرق الأوسط عام 1998 بالإضافة لعد الدراسة رسالة دكتوراه تولت إصدارها جامعة كامبردج البريطانية ..
في صفحة تالية تقدم المؤلفة شكرها وتقديرها لمن أسهم في دعمها لإخراج هذا الكتاب كثمرة عمل متواصل معربة عن أسفها لانقطاع التواصل مع الشخصيات التي التقتها لانجاز الكتاب وذلك منذ عام 1990 وعبر الفصل الأول الذي يتولى مهمة تقديم الدراسة بشكل مسهب تتطرق المؤلفة البيئة السياسية التي كانت تعيشها الإمبراطورية العثمانية كما تحدثت عن موضوع العلاقات بين الدولة والمجتمع في تلك الفترة كما تم تخصيص مساحة موسعة لتحقيق دراسة مجهرية جمعت الدولة والمجتمع بالنسبة للثقافة السياسية في بواكير التاريخ الحديث للموصل مشيرة بان التاريخ الاجتماعي والسياسي للموصل في القرن الثامن عشر هو تاريخ عائلات ..
أما الفصل الثاني فتحدث عن نشأة الاقتصاد الإقليمي المدينة ،الضياع، والدولة 1540 1700 حيث تولى القسم الأول الحديث عن مدينة الموصل من خلال تدرج نشأتها وبالحديث عن فتحها وضياعها على أيدي العثمانيين بينما اتسم القسم التالي والذي حمل عنوانا فرعيا الضياع في إشارة الى المناطق القريبة من المدينة وذلك في القرن السادس عشر وتخصص بالحديث عن أوضاع الزراعة في القرى القريبة من مدينة الموصل وأوضاع الفلاحين وطرق تسويقهم لمحاصيلهم كما تم مقارنة هذا الأمر بالتوسع السكاني بما حدث لتلك القرى التي تذكر منها قرة قوش معتبرة أنها اكبر قرية وتقع على طرق التجارة من والى اربيل واشتهرت بين سكان المنطقة بنوع معين من القماش القطني كما تحدثت عن قرى أخرى مشيرة الى برطلة وبعشيقة اللتان شكلتا مراكز تسويق لمجاميع كثيفة من القرى الصغيرة التي انتشرت على جبال بعشيقة ومناطق جبل مقلوب.
المصالح المتقاطعة
كما تطرق القسم التالي لأوضاع المدينة حيث وصف قرن السادس عشر بأنه قرن الأزمات من خلال تغلغل ومركزية البنى الإدارية العثمانية والذي جعل موضع جدل كبير اما الفصل الثالث فاتخذ من الحرب والمجتمع الإقليمي موضوعا رئيسيا له حيث تطرقت فيه المؤلفة الى تأثيرات الحرب على المجتمع الموصلي فضلا عن تأثيرها على الاقتصاد المحلي كما تحدث هذا الفصل عن تحطم التحالف المنعقد بين الدولة والمتعهدين في النصف الثاني من القرن الثامن عشر اما الفصل الرابع فتخصص بالالتزام والمجتمع الإقليمي مشيرا الى تصرفات العثمانيين وتحليلا لما قاموا به حيث حمل هذا الفصل عنوانا رئيسا يشير الى عندما اكل العثمانيون الفتات وتركوا الخبز وراءهم حيث أشار هذا الفصل للالتزام واقتصاده السياسي فضلا عن التطرق لتاريخ ملكية الالتزام مدى الحياة في الموصل وتأثيرات ذلك على تصنيع طبقات من المصالح المتقاطعة كما اضاءت المؤلفة الى القانون العثماني وحقوق تحويل الملكية فيما تحدث الفصل الخامس بين الخاصة والعامة متطرقا الى نخب عامة الموصل في القرن الثامن عشر وبواكير القرن التاسع عشر حيث تم الاشارة الى ما كان يجري في هذا القرن من فاعليات الحراك الاجتماعي وابرز ظواهرها المتمثلة ببيع المناصب كما تم الاشارة في هذا الفصل الى عوائل النخبة في موصل القرن الثامن عشر وتاثير تركز الموارد السياسية والاقتصادية من خلال الامراء والاغوات والحرفيون كما تحدث الفصل الخامس عن التجار وعوائل النخبة فضلا عن اشاراته التي تخصصت بالسادة والعلماء والافندية اما الفصل السادس فتخصص بلغة السياسة مشيرا الى اراء للسلاطين وتحدث عن الفساد وضرائب الارض حيث من جملة ما احتوى هذا الفصل كان اشارة الى لغة المعارضة تجاه السلاطين والعوائل السياسية والشرعية السياسية كما بين حدود سلطة الدولة في فرض الضريبة فضلا عن حقوق اصحاب الملكية اما الفصل السابع فاشار الى الحياة السياسية بادئا اشارته تلك من واقع ممارسة السياسة في المجتمع الريفي الى سياسة الرفض والقبول متطرقا الى ما كان يجري في قرى قرقوش وتلكيف فضلا عن الاشارة للثقافة التنظيمية للقضاء المدني كما تحدثت المؤلفة في سياق هذا الفصل الى الارستقراطية والتجار في مواجهة الاسر بينما تحدث الفصل الثامن عن خلاصة لما تناوله الكتاب في فصوله السابقة واحتوى الجزء الاخر من الكتاب على هوامش موسعة تناولت الهوامش التي احتواها كل فصل بمعلومات مفصلة وموسعة تميط اللثام عن كل المعلوةمات المبتسرة التي جرى الاشارة اليها في سياق الحديث فيما احتوى الجزء المخصص بالملاحق على ملحق اول تناول اوقاف العوائل الجليلية فيما تناول الملحق الثاني دخل الفلاح في 1852 وفقا لسجلات الميراث الخاصة باقليم الموصل كما احتوى الملحق الثالث على وثيقة تيفزي الخاصة بتوزيع الضرائب المفروضة على الاصناف الحرفية 1835م 1521هـ كما احتوى الملحق الرابع على وثائق تيفزي الخاصة بالضرائب المفروضة على قرى الموصل..الكتاب يمثل سفر تاريخي مهم لحقبة عانى من خلالها الموصليين وعانوا ما عانوه من خلال الواقع الاقتصادي المزري الذي كانوا يعيشونه مع قيمة الضرائب المفروضة عليهم وتناول الكتاب التراجع الذي لحق بالمدينة فضلا عما لحق بالمكونات الاخرى من خلال اشارته لابناء الضياع والقرى والنواحي القريبة من مدينة الموصل واذ كانت فرصة مطالعة الكتاب تمثل اضاءة لمشهد الموصل في حقبة سالفة من الزمن كان فيه وهج المدينة يتذبذب بسبب اوضاعها التي كانت تعيشها بالرغم مما لتاثير المدينة من اشعاع فكري وحضاري لكن المفارقة ان المؤلفة وفي بداية كل فصل كانت تستعين بالامثال الموصلية للحديث بشكل مختصر عما يتناوله الفصل حيث كانت الامثال التي انبثقت من مجتمع يتمتع بتصوير الحالة وضمها في مفردات تترجم هذا الواقع بصورة كبيرة خصوصا حينما ابتدا الفصل الثالث بمثل موصلي شائع ومعروف يقول شيء الما نضوقوا خلي العسكر يسوقو وهو كناية عن الشي الذي لم يصل لمتناول اليد فعلى العسكر الاستحواذ عليه حيث تخصص الفصل المذكور كما اسلفنا على اوضاع المدينة ابان الحرب كما ترجم المثل الموصلي اصدر حكما عثمانيا وامرني بمساعدته على سرقتي الذي تراس المدخل للفصل الرابع الاجراءات العثمانية في الالتزام وبيع المناصب فضلا عن فرض الضرائب وفي هذا المجال ووفق ظاهرة بيع المناصب استعانت المؤلفة بمثلين موصليين للاشارة الى النخب والعامة في المجتمع الموصلي وذلك في سياق الفصل الخامس والمثلين هما ان كنت انا اميرا وانت امير فمن يسوق الحمير والاخر لاتقعد ويقوموك ولاتحكي ويسكتوك كما تخلت المؤلفة عن الامثال في سياق الفصل التالي لتستعين باراء السياسيين حيث اتخذت مقولة لعلي بن ياسين العمري والتي اشارت الى عقوبة السيف لمن اراد ان يفرق امر هذه الامة فضلا عن مقولات اخرى للمذكور كلها اجتمعت لتكون انموذجا للغة السياسة التي كانت العنوان الرئيسي للفصل السادس كما تناول الفصل السابع من خلال مستهله مقولة لياسين بن خير الله العمري حيث صور من خلالها ما كانت عليه الحياة السياسية وهو المدخل الذي تناوله الفصل المذكور
/5/2012 Issue 4209 – Date 26 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4209 التاريخ 26»5»2012
AZP09
























