سبكتر يرسم آليات الإسقاط والتعويض – فنون – احمد عبد المجيد

السينما والدعاية.. إستثمار الأسطورة

سبكتر يرسم آليات الإسقاط والتعويض – فنون – احمد عبد المجيد

كان فيلم البحيرة الذهبية آخر الافلام التي شاهدتها في بغداد. وهو من بطولة النجمة الهوليودية جين فوندا ووالدها هنري، والاسطورة الهوليودية كاثرين هيبورن. لقد عرض في صالة المنصور الباذخة بعد افتتاح ساحة الاحتفالات الكبرى منتصف الثمانينات من القرن الماضي.

وظلت ذكرى هذا الفيلم راسخة في ذهني انسجاماً مع موقف فوندا من حرب فيتنام، التي كانت تتقدم حشود التظاهرات المنددة بالتورط الامريكي في هذا البلد الأسيوي.

وانقطعت بغداد عن الفن السابع كما انقطع هو عنها وتحولت نتيجة ذلك دور السينما الى خشبات للمسرح المسمى (تجاري)، وأصبح من المتعذر على العوائل ارتيادها وتكرست قطيعة آخرى مع سيد الفنون. لكن خلال زيارتي الى الشارقة مؤخراً، عزمت على ارتياد السينما لرؤية أحد افلامها.

وفي مبنى شاهق مؤلف من عدة طبقات تقع سلسلة من دور العرض يبلغ عددها ثمانية.

وكانت المفاجأة ان أحداها يعرض الحلقة الاخيرة في سلسلة افلام جيمس بوند بعنوان (سبكتر) الذي أثار عرضه في دور السينما الامريكية والأوربية موجة من التحليلات والتأويلات.

وكان الفيلم قد حطم في أول يوم عرضه في بريطانيا الارقام القياسية في الايرادات وعد أيضاً اكبر ايراد على الاطلاق بتاريخ السينما البريطانية.

ايرادات عالية

والفيلم الذي يقدم رحلة (العميل ( 007  ويؤدي دوره النجم دانيال كريج حقق أيضاً ايرادات فاقت المليار دولار في أول اسبوع من عرضه في دور السينما العالمية.

وقال المخرج سام منيدنير ان هذا الجزء من افلام جيمس بوند هو الاضخم انتاجاً حيث تجاوزت كلفته 200  مليون دولار. وهي ميزانية فاقت نظيراتها في رخصة للقتل والعين الذهبية والغد لا يموت ابداً في يوم آخر الذي يعكس الفهم الهوليودي لمعسكر الشر ولاسيما كوريا الشمالية. وليس من الصعوبة اكتشاف الابعاد السياسية والنفسية لافلام جيمس  بوند، كما لا يتعذر على لبيب ربط الاسطورة التي تدور حولها قصة الفيلم، وهي تندرج ضمن شخصيات (سوبرمانية) أو خارقة لنواميس الطبيعة، بالبيئة العالمية التي تمخضت عن الحرب الباردة وما رافقها من صفحات بدءاً من أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 وانتهاء بالهجوم الذي استهدف برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك أو ما بات يعرف بهجوم 11 أيلول 2001.

ان هذه الحادثة التي هزت العالم كانت دافعاً لحربين جرت وراءهما ويلات كبرى هما حربا افغانستان والعراق. ويسعى فيلم (سبكتر) الى نوع من التعويض النفسي عن مشاركة بريطانياً في الحرب على الأرهاب ومحاولة قواها الخفية رسم معادل موضوعي على الأرض يوحي بعظمة الارادة الامبراطورية التي لا يعوضها شيء عن فعل أي شيء.ومنذ نحو عقدين سعت بريطانيا الى تعويض انكساراتها الداخلية ومنها اقتصادية وهزائمها الخارجية باستخدام قدرات السينما والترفيه في انقاذ  ما يمكن انقاذه من صورتها لدى الرأي العام الدولي.

وفيما يتعلق بالجانب الأول الذي تسببت أحدث وقائعه في تراجع شعبية العائلة المالكة أو قصر بكنكهام إثر حادث مصرع الأميرة ديانا، دأبت ماكنة الدعاية البريطانية على تعويض الأثر النفسي والشعبي باقامة حفل الزفاف الاسطوري للأمير وليام عام 2011. فالمؤسسة الملكية كانت تعمل على تكرار حكاية سندريلا التي تزوجت من أمير. لقد حدث هذا مع الامير تشارلز، قبلها عندما تزوج من الأميرة الراحلة ديانا التي تعد من عامة الناس، لكن فشل التجربة الفضائحية لم يمنع تكرار هذا النسق مرة أخرى.

وكانت آليات الدعاية قد اشتغلت باقتدار واستثمرت باحكام لتحويل هذا الزواج الى حكاية خرافية في اذهان الجمهور (1). ففي فضاء التعددية والاحتدام السياسي تتداخل كثير من وظائف الدعاية مع الاعلام والاعلان، كما يستعير كل نشاط أو عمل منها أساليب الاستحواذ على الجمهور، من خلال بعض القوانين التي تهدف الى استمالة الجمهور أو اقناعه.

لقد ادت بي بي سي البريطانية بقنواتها واذاعتها ومصادر أخبارها دوراً محورياً في جعل حدود هذا الحدث تختلط مع الاخبار والمعلومات بل وتستحوذ على آليات تسليع وتحويل كل مظهر من مظاهره الى سلعة تدر ايرادات مالية للشركات ومنذ عام 1925 أصبحت السينما عملاً تجارياً واسع الانتشار ومجالاً استثمارياً كبيراً كما تم لأسباب مختلفة توظيفها في اعمال الدعاية وتحريك الجماهير ومحاربة الخصوم مما استدعى ان تدخل في دهاليز التضليل ((2.

لقد افاد الوضع الاقتصادي الحرج للمملكة من هذا العرض الباذخ فقفزت مبيعات التذكارات وانتعشت السياحة واتجهت  الفتيات الى تعليق بدلة زفاف كاثرين وبيعت  كل نسخة منها بـ 300 دولار.

وكان لافتاً للنظر ان الملكة اصطحبت عائلتها لرؤية فيلم (سبكتر) في عرضه الافتتاحي، انها عملية مثالية للترويج للفيلم ودعوة غير مباشرة الى الجمهور لمشاهدته، وهو اسلوب غير مسبوق تم اعتماده لاظهار الاهتمام الاستثنائي بالفيلم الذي جرت وقائع تصويره في المكسيك والمغرب وانكلترا ودول أخرى كان العميل الاسطوري يهاجم فيها اعداءه (في الحقيقة اعداء الامبراطورية) اكثر مما يهاجم اعداءه المحليين، تحت ذريعة كونه يريد انقاذ العالم منهم واصلاح الوضع الدولي الراهن، وبوصفه خيراً مطلقاً في مقابل الشر المطلق. ويذكر في ذلك بحوار على لسان احد ابطال فيلم  king dom of Featve   ومؤداه (ان صلاح الدين والملك (يقصد ملك فرنسا) قادران على جعل العالم أفضل. ان الترجمة الحرفية لعنوان الفيلم لا تخفي أيضاً رمزية الارقام في الدعاية، ففضلاً عن مضمونها الايحائي تعمد الدعاية الى جعل الارقام أداة للتهويل والتأثير المخيف.

وتستخدم أفلام الجاسوسية، التي يعد سبكتر أحد ألوانها الفاقعة، الأرقام كدلالة موحية عن اقتدار وعظمة وخارقية وذهول.

ومن هنا تم اعتماد مفردتين ملحقتين في عنوان الفيلم الأولى تعني شبحاً والثانية تؤدي الى تفسيرات لا حصر لها تقاس بمدى تفاعل كل مشاهد مع احداث الفيلم ومدى فهمه للوظـــيفة المفـــــترضة للمنـــقذ.

 ان هذا الفيلم خضع لدراسة علمية عشية عرضه بدور السينما، وقدمت حلقات نقاشية نظمت في بعض عواصم أوربا خلاصات تفسيرية وتنظيرية بشأنه، فمنها ما عدت جيمس بوند بطلاً جيوبولوتيكياً ومنها ما تابعت روابط علاقة الفيلم بالحلقات السابقة لتدارك أي احتمال يرد بشأن تراتبيته أو رتابته وذلك بهدف تفعيل عناصر المعالجة النفسية واحكام السيطرة على المؤثرات اللونية والايقاعية والصوتية.

فهناك دائماً كثير من المطاردة وهتك الاسرار، مثلما يوجد دائماً كسر للعظام وتحطيم للجماجم وتدمير للمركبات والمباني.

اداء البطل

ولتحقيق قدر اعلى من الربط بين القوة الاسطورية الناجمة عن اداء البطل وهول الواقع الناجم عن افعاله غير المنطقية، زيدت الى نحو عشرة اضعاف طاقة الصوت في الفيلم الى حد ان المشاهد كثيراً ما يصاب بالصدمة أو يقع فريسة المفاجأة الناجمة عن انفجار او ارتطام او سقوط قتلى.ان أصوات الانفجارات تسبب احياناً شعوراً بانهيار المكان باكمله أو تكسر رؤوس من يشملهم العنف الدموي من خلال مشاهد صادمة كلياً.وأيضاً تم تكريس افعال في الجو عبر طائرات مروحية وفي الارض بواسطة سيارات أسرع من قاذفات القنابل، وتوضع بين يدي البطل أجمل نساء الأرض وأرقهن سواء باعتبارهن عشيقات أم باحثات عن فارس الاحلام، وهو هنا يستطيع كامبراطور أو أمير ان يوفر  لهن كل شيء، العطور النادرة والأمان المفقود والجنس على فراش من إستبرق وشراب مارتيني.

لكن بوند الذي أمتهن القتل (المشروع)

يجسد الغرب المنتصر كما يصفه الكسندر أدلر. ((3

ويبدو لي ان عرض هذه النسخة من سلسلة افلام جيمس بوند، على نطاق واسع في صالات العرض العالمية يتعدى المردود التجاري المالي الى تقديم رسائل سياسية كونية ذات طبيعة ستراتيجية يمكن ان ترسم خارطة او اكثر وسيناريو أو اكثر للصراع بين الغرب وخصومه، وهو المبدأ الذي قامت عليه صناعة فكرة من هذا النوع واستوعب قادة تاريخيون مغزاها خلال العقود الخمسة الماضية فوجهوا انتقادات حادة وعلنية له.

ولربما يمهد سبكتر الى خارطة عالمية جديدة طالما ان أحد أبرز مسارحها وقفت عليه أقدام امبراطورية بوند وقواه الحديدية التي لا تضاهى ولا يشق لها غبار.

وبرغم كميات الدم التي أريقت في الفيلم ومشاهد القتل اللامحدود الذي رافق عمليات العميل  007 في الخارج، فان المشاهد لا يشعر الا بالرضا وهو يتابع البحث عن المجرم الأصلي الذي جرى تبشيع صورته وافعاله الى حد ان المشاهد لا يكف عن التمني بتسريع القبض عليه أو انزال غضب الاسطورة عليه، هو نوع من شرعنة القتل بشقيها النفسي والتنفيسي، الأول عبر اسقاط داخلي والثاني عبر ممارسة تتصل بمهنة تتصف بكثير من البشاعة والمطاردة وملاحقة المجهول.

الهوامش

1- تواصل- هيئة الاعلام والاتصالات- بغداد، العدد 52  تشرين الثاني 2012 ، ص 23  وما بعدها.

2- ذياب فهد الطائي، التضليل الاعلامي من صناعة الخبر الى صناعة السينما، دمشق، دار الينابيع، 2011  ص .156

3-الصباح- العدد 3544  في  25  تشرين الثاني 2015  ص 28.