سامي هادي.. يقظة حلم الشاعر ولوعة ذكرى المكان**

سامي هادي.. يقظة حلم الشاعر ولوعة ذكرى المكان**
شاكر مجيد سيفو – الموصل
من جماليات استعراض القراءة النقدية والحفر في نصوص شعرية لأي شاعر أن تتوفر للقراءة وعدساتها اللاّمة المكبرة، نصوصاً شعرية متعددة وبعنونات تثير ضوء النصوص وتفرعات إقاماتها في الذاكرة والمخيلة، من المتحف الشعري الشخصي.. ونحن بحكم توفر كتاب مثل أرواح في العراء والموسوم هكذا، وبتجنيسه الأركولوجي أنطولوجيا الشعر الكردي، أقول بحكم توفر عدد من النصوص الشعرية فيه، نرى إلى ذلك، قناعة المعد والمقدم والمترجم الاديب المبدع عبد الله طاهر البرزنجي، نرى إمكانية قراءة نص شعري مكثفٍ بذاته كتجربة لشاعر، نص ممتليء وإشكالي ترى في اشتغاله القراءة ما يحقق لها أن تلصق عدساتها وتدخل بفرجالها إلى الداخل لتتمكن من حفر واستكناه طبقاته وأستدعاء مرموزاته وحكايا شخوصه…
نحن الآن أمام نص شعري للشاعر سامي هادي إذ عَنونَهُ بـ لا منزل هناك يشبه البحر إذن يبدأ الشاعر بتركيب النص وبنيانه على استهلالية النفي في تصدير آداة النفي… لا… من بنية العنونة، لكن سرعان ما تتجلى فيه فعاليات مستعادة من تاريخ الذاكرة الشعرية الكردية في العزف على الرومانسية الغنائية والصوفية وانعكاسات الطبيعة ومكوناتها ومركبات التخييل الخيميائية الخارجة من الوصف الداخلي للعناصر والاشياء والموجودات الحياتية بحساسية شعرية متقدة تركت آثارها على المناخ العام للنص في حمولات ملفوظاته الدلالية، فالشاعر هنا حريص لإقامة بنى شعرية من التمثل والتذكر والتعزيم على اللفظة لتسطّر جملتها الشعرية، إذ يتحد الوصف بالذكرى، وتتأجج الحال الشعري في رهج الحكاية أو الحادثة النصية في حالٍ من أحوال الوصف الشعري المتوهج في معانيه ودلالات التغاير والتجدد للملفوظة النصيّة ]كانت كمنجة تحادث المرآة» وتبصر رقص ترنيمة» في ليل أهدأ من نافذة» تحكي لشمعة ذكراها..» شمعة لا أكثر خلل ظلام حالم، تصغي اليها،» وتعنى بالأوراق الهاجدة، لأحرف، قبل ثوان تحدثت عن تحجر الزمن. ص314[ من الكتاب ــ أرواح في العراء ــ
تسير خطاطة الدوال باتجاه كتابة الغياب والمحو، التضاد الذي يغلفّ جوانية النسيج النصي في مقتربات لغوية لأزاحة المعاني في استعاراتها المفتوحة ــ رقص ترنيمة تحكي لشمعة ذكراها ــ تتمظهر توهجات التغاير الدلالي في انتقالات الحال الشعري وتحولاتها في استدعاء ما يشبه الاداءات الطقسية للمنظومة اللفظية التي تتلمس وهج الفاعلية التخيلية للذات الشاعرة، بين منحنيات التذكر والتوحش في اللحظة الشعرية في لغة تكتشف لعبة الأنسنة وقراءة فضاءاتها المفتوحة ]الوحشة من ذلك الحدث ترمي التحايا» والألوان المتناثرة لا تلملمها كمنجة» رويدا رويدا»، تلوم الامواج،» المطر خلل طقس هامد» يخبر الفانوس.. يتبدّى المشهدي الشعري في نص الشاعر في مساحته التصويرية ولعبته المشهدية. في سياق تحولاتها المفتوحة في عمارة النص وبنيانه وغواية التعالقات والأَشكال لمساكنة الوجود على طريقة ــ هايدغر حيث يسكن الشعراء العالم من خلال اللغة، حسب تعبير الناقد علي الفواز يتسلط موّجه الأسلوب في مهيمنة المفردة وتوهجها الشعري الرؤيوي العميق مع الحركة اللغوية الشعرية أمام لعبة منفتحة في اندفاعاتها الشعرية وكشوفاتها للأبعاد التصويرية وأنشغالات الذات الشاعر اللجوجة الحسيّة التي تمثل عوالم قلقة تتراكم في المخزون الذهني وأجتراح موشورات للمفارقة من التوليفات المتناقضة في شرك المكان ومرجعياته وتعالقاته مع الزمان وما يجوس في ما وراء العلاقة اللغوية لا أجد ورقة، لتمنحني أغاني الغاب» وترى في ضباب الشوارع السحب شجرة أثمرت طفولتنا.» طفولتنا.. أيّة أحاديث هي لا تخجل منها المرآة» ولا تدفئها لوحة متشحّة بالسواد.[
تنكشّف رغبات الذات الشاعرة في تدوين ما يشبه الوجد الصوفي في ارتسامات الصور الشعرية عبر لغة وصفية تشتق من أيقونة الطفولة عوالمها السحرية التي تبحث عن نقائها المكبوت في استعادة المرئي المتمثل بـ المرآة ، إذ تتكرر هنا توليفة الرغبة المحمولة على الفعل ــ أثمرت ــ لترسم تاريخ كتابتها اللوحة المتشحة بالسواد في توليدها الأستعاري وافتراض اللذة وحلول سريرة المكان وتحولاّته في ما يشبه المكبوت أو المسكوت عنه في عالم نص الشاعر سامي هادي لأنسان الحمائم» ألم يحن أوان العودة بعد؟» أقول للصخر أولدتَ هنا أم الريح جرفتك عنوة؟» سأقول لـ ملكندي ثمة شجرة رمان تشبه عينها أنفاس ته يراوا ألا تعرفينها؟ وأقول لـ صابو نكران » وهذه النافذة،» تشبه مياه خانقا ألا تعرفينها؟ وأخبر عصافير أبراهيم باشا ، لقد أطاحت العواصف بأزاهير اللبلاب فلم يعد لها أثر.» فلمن، إذن أزف النبأ» ومَنْ أحاور ؟[ تمثل الأنساق الشعرية لهذا الكشف التصويري أبعاداً رؤيوية تتمثل عوالم المكان الضاجة بأسئلة الشاعر ومحاوراته مع الاشياء والكائنات وعناصر الطبيعة، واسماء الأمكنة المتخيلة في حضورها الأنطولوجي ومزاج الشاعر الذي يبدو مفتتناً جداً بها، إلى حدّ التلوع والنيرفانا، ليعود من جديد إلى البدء إلى تأمل كل طقوسه الشخْصية في كتابة نصه الشعري، ليعود يصرّح بالنفي، في رغبة منه لأستعارة جنون الرغبة وذوبان طقوسه وخلوتهِ ورحلته، إلى النزوع الصوفي بحساسية شعرية عالية يتضاد فيها التعبير والتدوين وطقس الرغبات وتحرير المكبوت في تذّكر الطفولة وانبحاسات التأمل والحلم وفلسفة المكان ومَنْ أحاور نزهاتي مع طلعت طاهر» أم أزقة ذرفنا عليها الدمع ذات يوم» فلم تكف عن التأمل في المطر قائلةً» استمحيكم العذر، لا منزل هناك يشبه البحر.[ ص315

/8/2012 Issue 4265 – Date 1 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4265 التاريخ 1»8»2012
AZP09