سالم يعلن إيقاف مخيلته الجامحة
لم نكن نتوقع غياب الكاتب كمال لطيف سالم عن تواجده في المقاهي التي تجمع شلة من الأدباء وقد علمت ان الكاتب كمال لطيف سالم سبق وان اختار العزلة في غرفة متواضعة يطل شباكها على ساحة التحرير في الباب الشرقي حيث تطل جدارية فائق حسن شاخصة أمامه في كل وقت وعندما زرناه في غرفته متوحدا مع لوحاته وصوره وكتبه كان المرض باديا على ملامح وجهه ولكنه شعر بسعادة مفاجئة بوجودنا معه فكانت الأسئلة التي في ذهني تتوزع بين دائرة الثقافة والفن والتراث الشعبي وهي سمات بدت واضحة في كتبه التي ألفها خلال مسيرة حياته ولكن السؤال الذي ألح في داخلي هو لماذا اختار هذا الكاتب التوحد مع نفسه مع أنه يمتلك بيتا وأبناء كبار .
كانت إجابته جاهزة لأنه توقع ذلك حيث قال وغلالة من الحزن تكتنف المكان.. قال :
– التوحد هو هاجسي منذ البداية وكنت ولاازال اكره الزحام والضوضاء والصخب حيث عشقت منذ الطفولة صمت البساتين التي عشقتها في قرية بهرز التابعة لمحافظة ديالى حيث كانت بساتين جدي مرتعا خصبا لمخيلتي وسلوكي في الحياة فقد عرفت في تلك البيئة الحب مبكرا والمدهش ان التي كنت أحبها تكبرني سنا وقد علمتني أشياء لم يكن بمستطاع طفل مثلي ان يدركها وكانت الفاجعة ان أنقذتني من الغرق في نهر ديالى ولكنها بعد سنين ماتت محترقة وكنت أود حينها لو غرقنا سوية.
{ واضح ان ذلك انعكس في قصص مجموعتك الاولى الرحيل على جواد ادهم ؟
– عندما كبرت وغادرت بهرز واختفت بساتين جدي في جيوب المحتالين لم يبق عندي سوى ذكريات جمعتها وافرغتها في قصص مجموعتي الاولى وقد ظل شبح بهرز وناسها وابطالها في كافة الميادين يطاردني واكتب عنه وقد فقدت مخطوطة رواية “المنتريس” وهي منطقة تقع على نهر ديالى بعد ذلك اصدرت مجموعة “الاحراش” وخيمة من رمال ثم اعقبتها بروايتين العملاق ورحلة العقد المظلم وهي تصور التاريخ المظلم الذي مر به العراق خلال الحرب العراقية الايرانية .
{ هل استمر معك المنحى الادبي ام عرجت على شؤون اخرى ؟
– لا انكر ان عملي في الصحافة اكل جرفي الادبي حيث عملت في السبعينيات في مجلة الاذاعة والتلفزيون مع رئيس تحريرها الشاعر زهير الدجيلي كما عملت في جريدة الراصد مع الزميل عادل العرداوي بعدها عملت في الاذاعة والتلفزيون والتقيت مع اكثر المطربين والمطربات بحكم عملي كرئيس قسم المنوعات في الاذاعة ومجموعة اللقاءات مع هؤلاء تمخض عن كتاب “مغنيات بغداد” والذي ترجع حاليا الى خمس لغات ضمن مشروع بغداد عاصمة الثقافة العربية 2013 عن دار المأمون للترجمة والنشر .
يصمت الكاتب كمال لطيف سالم ليزيح ثقل الحزن والذكريات عن نفسه حيث قال :
– شاء القدر ان اكون مسؤلا عن برنامج المقام العراقي في التلفزيون وكان اكثر قراء المقام وجودا على قيد الحياة ومنهم يوسف عمر حمزة السعداوي عبد الرحمن خضر وهاشم الرجب وكانت الحصيلة ان الفت كتابا بعنوان المقام العراقي ورواده كما التقيت بأكثر مطربي الريف داخل حسن ناصر حكيم عبد محمد جبار الدراجي وغيرهم فألفت كتاب الوان الغناء الريفي وحفزتني هذه الكتب على ان التقي بمعاصري المرحوم ناظم الغزالي ومنهم مدير الاذاعة سابقا عبد الرحمن فوزي وشخصيات اذاعية اخرى منهم محمود المعروف عبد الحميد الدروبي محمد علي كريم حافظ القباني وغيرهم فألفت كتاب بعنوان “ناظم الغزالي سفير الاغنية العراقية” وقد طبع هذا الكتاب اكثر من مرة ونال جائزة اوسكار الاغنية العربية في الامارات العربية المتحدة عام 1996 وللاسف لم استلم الجائزة لمعوقات منعتني من السفر وبسبب ذلك احلت على التقاعد براتب ضئيل جداً جعلني اعيش ضائقة مادية حتى يومنا هذا .
{ نعرف بأنك من بيئة شعبية بغدادية هي محلة بني سعيد فهل تركت تلك البيئة اثرا في نفسك ؟
– في خضم الحياة التي عشتها رحت اكتب في الجوانب التراثية التي تتعلق بالحياة البغدادية ونشرت العديد من المقالات في مجلة التراث الشعبي وقد جمعت مانشرته في كتاب “صور بغدادية” .
{ مدة طويلة مرت دون ان يطل علينا كتاب جديد يضاف الى ما الفته سابقا فما هو السبب ؟
– جسامة الحوادث وهول ما حدث وعدم الاستقرار جعلني افقد اكثر مصادري الخطية اهمية وقد تبعثرت كتبي وصوري هنا وهناك ولم يعد لي سوى ما اختزنه من بقايا ذاكرتي فما كان مني الا ان اجمع قصصي المتناثرة واطبعها بمجموعة بعنوان “صمت المكان” وفيها تركت بصمات كل ما حدث لي من صدمات واشجان واحزان هي بقية مما تركنه بي ممن احببتهن ولم يحبونني ومن اختيارات خاطئة ومصادفات غريبة جعلتني احط كالطير الغريب في هذا المكان الحزين .
{ الا تفكر بعد ذلك بكسر هذه العزلة بعد ان تقدم بك العمر ؟
– اعتقد بأنه آن الآوان ان اترك مخيلتي الجامحة جانبا واتيقن بان العمر فعل فعله في جسدي حيث راحت الامراض والاوجاع تفتك بي من كل جانب ولكن شفيعي ما قدمته خلال سنوات المشقة والتي لا تخلو في بعض الاحيان من الحلاوة .
ستار كريم مظلوم – بغداد
AZPPPL
























