زغب خفيف مغطى بأحلام محبوكة بمروج الروابي

زغب خفيف مغطى بأحلام محبوكة بمروج الروابي

صبري يوسف

اسرعَتِ الدَّلافينُ تبحثُ عَنْ صغارِها

تخشى أنْ تبلعَها أنيابُ الحيتانِ

جميلٌ نقّارُ الخشبِ

يعطي بهاءً لشقائقِ النُّعمانِ

لتغريدِ الطُّيورِ

لحفيفِ الأغصانِ

ابتسمَتْ براعِمُ النَّسرينِ لمهجةِ اليراعِ

انبعثَتْ قُشَعْريرةُ انتعاشٍ

في خفقةِ شاعرٍ

حلّقَ عالياً مثلَ نسرٍ

حالِماً أنْ يكتبَ شعراً

فوقَ وميضِ الشَّفقِ

دبَّ حنينُ الرَّوضِ

في أرجوحةِ غربتي

لَمْ أجدْ أجدى مِنَ العبورِ

     في مروجِ الآسِ

أشتمُّ عبقَ السَّوسنِ

فارِشاً قلبي فوقَ أسرارِ اللَّيلِ

تألَّقَ الحرفُ مِنْ بهاءِ نضوحِ البحرِ

موجةٌ تعلو خدَّها أقراصُ العسلِ

استرخى طائرُ اللَّيلِ

     على ضفيرةِ الوردِ

تمايلَتْ أزاهيرُ الغاردينيا

     فوقَ أجنحةِ فراشاتٍ

حطّتْ لتوِّها على شفاهِ الحنينِ

تعرَّشَ اللّبلابُ فوقَ أسوارِ

حوشي العتيقِ

مرشرشاً شوقَ القصيدةِ

فوقَ أجنحةِ السِّمرمرِ

ما هذا النَّحلُ الغائصُ

في تويجاتِ العوسجِ؟

ينمو الإنسانُ على الأرضِ

كما تنمو أعشابُ البراري

يرحلُ تاركاً خلفَهُ أسراراً

موغلةً في الغرابةِ والإدهاشِ

تُجْفِلُ مرابعَ الألقِ

وحدُهُ الشِّعرُ قادني إلى خزامى

تبهجُ القلبَ

تنعشُ خمائلَ البدنِ

حلَّقَ باشقٌ فوقَ غابةٍ

مكلَّلةٍ بالكينا وأريجِ الكرومِ

حطَّ طائرُ البَلَشونِ بعدَ رحلةٍ طويلةٍ

     فوقَ قرنيِّ غزالةٍ برّيةٍ

عبرَتِ الغزالةُ في أعماقِ الأدغالِ

توقَّفَ بلبلٌ عَنْ تغريدِهِ

عندما رأى طيراً فوقَ قرنَيِّ الغزالِ

نامَ طفلٌ تحتَ ظلالِ الدَّالياتِ

تعرَّشَتْ أغصانُها في تلافيفِ التِّينِ

نحلةٌ في أعلى الغصنِ

تنتظرُ امتصاصَ حنينِ الغربةِ

ضلَّتِ النَّحلةُ عَنْ نكهةِ الرَّحيقِ

تاهَتْ بينَ خيوطِ الغسقِ

تفرّعَتْ وريقاتُ البابونجِ

متمايلةً فوقَ أعناقِ زهورٍ ورديّةٍ

مرتسمةٍ على شكلِ هلالٍ

     في قبَّةِ السَّماءِ

تهفو إلى تجلِّياتِ شاعرٍ

يكتبُ بماءِ البحرِ

قصيدةً من وحي خيوطِ الشَّفقِ

يرسمُ بوحاً مِنْ وحي ابتسامةِ طفلٍ

لعبَّادِ الشَّمسِ

تخبِّئُ تويجاتُ الزَّهرةِ بينَ تلافيفَهَا

مهاميزَ بوحِ القصيدةِ

خيوطَ الشَّوقِ إلى مروجِ الحياةِ

تخبِّئُ أسرارَ همهماتِ اللَّيلِ

بياضَ الرُّوحِ لخيراتِ السَّماءِ

ما هذا الدَّبقُ المشرشرُ على ساقِ الوردةِ

هل زارَها عاشقٌ يركنُ حولَ دنانِ العسلِ؟!

بزغَ عنفوانُ أغصانِ التُّوتِ

حبَّاتٌ مقطّرةٌ ببخورِ الحياةِ

تشمخُ عالياً

كأنّها تناجي نوارسَ البحرِ

تزدادُ ألقاً متجذِّرةً

في جذعٍ مقمّطٍ بعروقِ قنّبٍ

كأنّهُ منبعثٌ مِنْ أرخبيلاتِ القمرِ

هربَتْ غمامةٌ موشّحةٌ

     بدخانِ جسدِ المدائنِ

غطَّتْ مساحةً مِنَ الأنينِ

المنبعثِ من آهاتٍ موغلةٍ

في جبينِ السِّنينِ

عبرَتْ نسمةٌ منعشةٌ في تخومِ الوادي

غطّتْ أوراقَ الدَّالياتِ المتدلدلةِ

على أزاهيرَ الغاردينيا

توغَّلَ طيبُهَا عميقاً

في أسرارِ الأرضِ

لإشراقةِ الشَّمسِ فرحُ الولادةِ

انبعاثُ شهيقِ الأملِ

زغبٌ خفيفٌ مغطَّى بأحلامٍ محبوكةٍ

     بمروجِ الرَّوابي

     بجموحِ حرفٍ

يرتسمُ مثلَ بهاءِ النَّفلِ

     فوقَ خدودِ الشِّعرِ

ترعرعَتِ المحبَّةُ في اشراقةِ القصيدةِ

زرقةُ البحرِ تهفو إلى أجنحةِ السَّماءِ

تدبَّقَتْ أجنحةُ جرادٍ هاربٍ

     على قارعةِ الأنينِ

تدبّقَتْ مِنْ نضوحِ نضارةِ الصَّباحِ

طبيعةٌ متعانقةٌ مَعَ مرمى الكائناتِ

هَبَطَتِ العصافيرُ

تلتهمُ حبَّاتِ القمحِ

تناثرَتْ بتلاتُ وردةٍ

فوقَ أجنحةِ الجَّرادِ

شمسُ المودّةِ

تسطعُ فوقَ شِغافِ الرُّوحِ

صواري القلبِ تعلو

فوقَ أسرارِ البحرِ

تمايلَ نهدُ العاشقة فوقَ شهوةِ الموجِ

غيمةٌ حُبلى بأريجِ العناقِ

تهاطلَتْ فوقَ مرامي القلبِ

ترعرعَتْ تفَّاحةُ الرُّوحِ

     في ذروةِ حبورِ الحَصَادِ

تعرَّشَتْ جذورُ الأوكاليبتوس

     في طراوةِ الأرضِ

تاركةً نسيمَ اللَّيلِ

ينعمُ بركاتَهُ على أوجاعِ الكونِ

تذكَّرَتْ عاشقةٌ باقاتِ الياسمينِ

تلمَّسَتْ خدّها الغارقِ

في أحلامِ الشَّرقِ

مراراتٌ مخبوءةٌ في عيونِ العابرين

خشونةٌ طافحةٌ في ظلالِ المكانِ

هجرتِ السّنونو أعشاشَهَا

قبلَ انتعاشِ الرَّبيعِ

عبرتِ القنافذُ في تخومِ الأدغالِ

     على ايقاعِ شخيرِ اللَّيلِ

تكوَّرَتِ الثَّعابينُ في جحورِها

مرهفةً السَّمعَ إلى شدوِ البلابلِ

خرجَتْ إحداها متوغِّلةً بهدوءٍ

في وريقاتِ الخبّيزِ

استرخَتْ فوقَ أعشابٍ

تبرعمتْ مِنْ حفاوةِ الأرضِ

تبدَّدَتْ طلاسمُ اللَّيلِ

مِنْ هيبةِ العتمةِ

قمرٌ مِنْ قبّةِ اللَّيلِ يرنو

إلى بتلاتِ الأوركيدِ

بتلةٌ تغفو فوقَ أخرى

حطَّ عصفورُ الجنّةِ

فوقَ أغصانِ الفلِّ

غارَتْ براعمُ النَّسرينِ

مِنْ تغريدِ البلابلِ

تداخلَتْ شجيراتُ الشَّوكِ

مَعَ أعشابِ القنّبِ

تدلَّتْ أغصانُها الصَّغيرة

تستقبلُ هفهفاتِ النَّسيمِ

كأنَّها عناقيدُ فرحٍ معلّقةٌ

في أغصانِ السَّماءِ

رسمَ طفلٌ في طورِ الحبورِ

زهرةً منقَّطةً بازرقاقٍ شفيفٍ

ذاتُ بتلاتٍ صغيرةٍ صفراء

ضاربةٍ إلى نصاعةِ البياضِ

طفلٌ محاطٌ ببهاءِ النَّفلِ

رسمَ نفسَهُ طائراً

يرفرفُ فوقَ أجراسِ الرَّحيلِ

حالِماً أنْ يغفو تحتَ أشجارِ اللَّوزِ

حولَهُ سلَّة مملوءة

بعناقيدَ عنبٍ مكوَّمةٍ

فوقَ وُريقاتِ التِّينِ

وقفَ البحرُ متأمِّلاً في أسرارِ العتمةِ

فارشاً محارَهُ في خفايا اللَّيلِ

غزالةٌ جامحةٌ

تناثَرتْ نقاطٌ بيضاء فوقَ صدرِها

جنحَتْ عَنِ القطيعِ

قاصدةً عذوبةَ البحرِ

شربَتْ خلسةً

ملتحفةً بأجنحةِ اللَّيلِ

بعيداً عَنْ غدرِ التَّماسيحِ

… … .. …

{ أديب وتشكيلي سوري مقيم في ستوكهولم

[email protected]