من أيام زمان
رسالة حب بالبريد المستعجل
في ايام زمان.. يوم لا وجود للأنترنت او الموبايل ووسيلة الاتصال كانت عن طريق الهاتف الارضي. وعبر ارسال الرسائل بواسطة مكاتب البريد التي كانت منتشرة في احياء بغداد كافة وكذلك في المحافظات وقصباتها..
وانذاك كانت للمراسلة نكهة خاصة لما فيها من شفافية وصدق المشاعر.. لأن العلاقات في حينها ولاسيما العاطفية منها هي علاقات روحية اكثر مما هي عليه اليوم.. من علاقات لا تنتمي الى الحب في شيء.. وكثيرا ما تكون بعيدة عن المصداقية وفيها الكثير من الزيف والخداع.. والغاية منها اشباع الغريزة والرغبات.. الا البعض منها ممن لا يزال اصحابها يتمسكون بتلك القيم التي تربوا عليها.. ومن المؤكد لكل منا ذكريات لا تنسى عن تلك الايام ايام الشباب..
وكانت من هواياتي المراسلة.. وكان لي اصدقاء وصديقات من لبنان ومصر والمغرب واليمن والكويت.. وكانت تصلني يوميا رسالتان او ثلاث واحيانا اكثر بواسطة بريد الصالحية.. وكان موزع البريد انذاك السيد شاكر محمد الجنابي وكان شابا دمث الاخلاق، مرحا سريع البديهية.. محبوبا.. واصبح صديقي فيما بعد لما لمسته به من التزام واحترام لمعنى الصداقة.. وهو من محافظة بابل – المدحتية.. ويسكن منطقة حي العامل.. ودامت صداقتنا طويلا حتى انتقل الى محافظته للزواج وكما تغير عنواني فلم اعد اعرف اخباره بعد..
كما واتفق اني سافرت الى الشام انذاك لقضاء فترة الصيف.. وكانت لي بهذه السفرة ذكريات جميلة لا زالت محفورة في ذاكرتي..
حيث تعرفت على عائلة مصرية تسكن الاسكندرية.. وبالأصل هم من سوريا.. وقد هاجر جدهم الى مصر واستقر به المقام هناك.. وكانت هذه العائلة تتكون من حفيد الجد وهو اكبر مني بخمس سنوات وزوجته سورية الاصل ايضا ولديه طفلة صغيرة تخطت سنتها الاولى وشقيقته سعاد وكانت تكبرني بثلاث سنوات ووالدتهم.. انما الأب فانه متوفي.. اما الابنة سعاد.. قد جمعت جمال سوريا ودلع مصر.. وكان جمالها خلابا فعلا.. شقراء هيفاء وقد تخرجت توا من الجامعة وحصلت على شهادتها في الاداب.. وفوق كل هذا.. فان حجابها قد زادها جمالا على جمال وكانت اذا مرت من امامك او من جانبك فلابد ان تدير رأسك حيث تكون لرؤية جمالها والتمتع به.. وكانت علاقتي بهم حميمية وارتاحوا لي جدا.. وكان الاخ احمد هو رب الاسرة.. والمسؤول عنها.. وكان شابا جادا ملتزما هادئا مثقفا احاديثه دافئة حلوة شفافه.. لا يخلو حديثه من المداعبات والانتقادات وكنا نقضي اكثر سهرتنا معا حتى سفراتنا من منطقة الى اخرى واعتبروني واحدا من العائلة والغوا الرسميات كافة بيني وبينهم.. فاحترمت ذلك وكنت اهلا لثقتهم..
وكنت قد دعوتهم لزيارة بغداد فضحك احمد وقال: اذا اردنا زيارتكم فسيكون ذلك في الشتاء.. لأن صيفكم لا يرحب بالضيوف..
فقلت له بعد ان ضحكنا: انه يشرف باي وقت شاء.. وكان قلبي قد فتح ابوابه (لسعاد) لتدخل اعماقه متوجة ملكة لحياتي.. الا اني لم اعبر عن حقيقة مشاعري.. مع ان تصرفاتي وعيني كانتا سباقتين في فضح امري..
كما انني احسست بانها تبادلني نفس المشاعر.. وكان ذلك واضحا لي كل الوضوح.. وطالما كانت لنا احاديث معا وتكلمني عن تطلعاتها وآمالها المستقبلية.. وسألتها ذات يوم عن زوج المستقبل والمواصفات التي تحب ان يكون عليها.. فقالت بغنج: وهل يمكن ان يكون اكثر مما انت عليه.. وهنا تشجعت وقلت لها: وهل تقبلين بي زوجا.. وهنا وقد احمر وجهها خجلا وما رأيت في حياتي جمالا مثل جمالها تلك اللحظات.. وابتسمت من دون ان تقول شيئا.. وعدت لا قول لها: وهل السكون علامة الرضا كما يقولون وهزت رأسها علامة الايجاب.. وغمر قلبي شعورا لم اعرفه من قبل وهنا وبلا ارادة مني قد تناولت يدها الرقيقة لاطبع عليها قبلة اودعتها كل احاسيسي ومشاعري..
وكانت جولاتنا في سوريا لا نعود منها إلا في ساعات متأخرة من الليل.. وقد اوشكت زيارتهم على نهايتها فقررت العائلة النزول الى الاسواق لشراء بعض الحاجيات والهدايا..
وخلال جولاتنا شعرت بان العائلة كانت تنتظر مني مبادرة ما.. وكان ذلك جليا من خلال احاديثهم فانتهزت فرصة وجود الوالدة في الكازينو لوحدها.. بينما الآخرون ذهبوا لشراء بعض احتياجاتهم من الاسواق المجاورة..
وقد لملمت شجاعتي وطلبت يد سعاد منها فانبسطت اساريرها.. وافادت بانها لا مانع لديها واثنت على اخلاقي وكياستي وتهذيبي.. وطلبت مني مفاتحة الاخ بذلك..
وعند عودتهم من شراء حاجياتهم.. فوجئت بشرائهم لي بعض الهدايا التذكارية.. وكانت سعاد بالذات قد قدمت لي سيتا يحتوي على ساعة يد وولاعة وربطة عنق.. وكان ذوقها رفيعا جدا.. وشكرتهم على ذلك.. وطلبت من الاخ احمد ان يسير معي لتبادل الحديث.. وقمنا معا وهو ممسك بيدي ولاحظت ان الام قد ازفت الخبر للبنات.. وحادثت احمد بالأمر وبدا متفهما جدا.. ولم يعارض الا انه قال بأن الأمر سيكون فيه تكاليف كثيرة بالنسبة لي.. فاجبته بان الحال ميسور والحمد لله.. واتفقنا على التفاهم بالتفاصيل ليوم غد في البيت.. وفي اليوم التالي كنت عندهم قبل العصر.. وقبل ذهابنا للاسواق.. واتفقنا على شراء حلقة فقط لسعاد كنيشان مكتفين بذلك على ان اهيء امري في بغداد وقرأنا الفاتحة واتفقنا على صداقها.. وتعالت زغادريد زوجة الاخ وسط التهاني وكنت اشاهد سعاد وهي تكاد تطير فرحا..
ونزلنا الى السوق ولأول مرة سعاد تسير الى جواري وتحادثني بحرية.. ويدها بيدي.. واخترنا حلقتين واحدة لها والأخرى لي.. واشتريت لها ايضا قلادة تحمل آية الكرسي.. اضافة الى بعض الملابس واشترت العائلة ما تحتاج له من الاغراض والهدايا وعدنا الى البيت.. ودعوتهم لتناول العشاء في احد المطاعم وهي آخر ليلة لنا في سوريا.. وكانت سهرة حالمة بكل ما فيها وتحدثت الى سعاد واطلعتها على حقيقة مشاعري اتجاهها وكم انا عاشقا لها.. بينما هي راحت تقص علي احلامها وتمنياتها من يوم تعارفنا..
وانتهت سهرتنا بأني فزت منها لاول مرة بقبلة وضعت فيها كل حبي واشواقي..
وفي اليوم التالي ودعتهم في المطار وكانت لحظات قاسية مريرة ولم تستطع سعاد ان تخفي دموعها التي انطلقت بغزارة .. وانا اصبر عليها بان بقاءها سيكون خلال فترة شهرين..
وكانوا يلوحون لي بايديهم واخيرا اخذتهم الطائرة وغابت بهم بعيدا رجعت واخذت حقيبتي واتجهت صوب شركة النقليات لاعود الى بغداد بالسيارات وانا احس بوحشة غيابهم..
ما ان وصلت بغداد حتى ارسلت لهم برقية اعلمهم بوصولي.. كما كنت قد استلمت منهم برقية مماثلة وكانت تصلني من سعاد يوميا رسالة ولم تترك شيئا دون ان تخبرني به من اخبارهم.. اضافة الى احاسيسها ومعاناتها من الفراق وبعدي عنها وكنت قد كرست جهدي في التحضير لاسقبالها وكنت ابعث لها برسائلي بواسطة البريد المستعجل وكانت النداءات الهاتفية هي ان تطلب الاتصالات المكالمات الخارجية وتعطيهم الرقم للاتصال به ومن ثم يتم تحويل المكالمة للاتصال وغالبا ما ياخذ ذلك اكثر من ساعة واحيانا لمدة ثلاثة ساعات.
ولقد كانت لرسائلها وقع خاص في نفسي وروحي كما وانها ارسلت صور عدة بالبريد المسجل ولقد افرحتني صورها وقد استطعت ان اكون فكرة حول المكان الذي تعيش فيه.
ولقد كانت حقا تلك الفترة من اجمل فترات الحياة.. حيث لا تجد الا ما تحبه النفس وتهواه.. وكل شيء صافيا صفاء السماء.. واحلى ما في ذلك تلك المشاعر الحلوة السامية التي كانت سائدة.. حيث يعيش الجميع باجواء المحبة والاخاء والتسا مح.
واجمل ما في الوجود عندما يجسد الانسان مشاعره ولواعج نفسه على صفحات الورق.. مشاعر صاقة نابعة من اعماق القلوب المتلهفة الى لقاء الاحبة.. وستبقى تلك الذكريات الجميلة مرسومة كالوشم في قلوبنا.. لا ننساها ما حيينا. اما سعاد .. حبيبة عمري.. فلقد عاشت معي باحلى قصة حب بعد ان جمعنا القدر تحت سقف واحد.. ونرشف من ينابيع الحب كل ما طاب لنا ولذ.
محمد عباس اللامي – بغداد






















