رد على رد انتفاضة القصيدة المفقودة

رد على رد انتفاضة القصيدة المفقودة
حيدر عبد الرضا
منذ ايام قليلة قرأت ما تنشره صحيفة الزمان الحبيبة مقالا قد جاء ردا على مقالي بخصوص ثلوج مجوسية لهاشم لعيبي. في الحقيقة لم أكن ارغب في الرد على ما كتبه صاحب المقال، بحق قراءتي لمجموعة خواطره السهلة و المنسية، لولا الحاح بعض من اصدقاءنا المبدعين في القصيدة، وعلى هذا الامر وحده اعتزمت كتابة هذا الرد، ليس لرد اعتباري الشخصي حصرا، و لكن من أجل ذكر ما لم اذكره في مقالي الاول، و ذلك خوفا مني على مشاعر الأخ هاشم لعيبي .. بادىء ذي بدء عندما و صل لي ديوان ثلوج مجوسية في الحقيقة لم أكن ذا رغبة في الكتابة عنه، وذلك لسبب بسيط، هو أنني لم أجد فيه ثمة استجابة موضوعية وشعرية في ذائقتي، ولأنني وجدت فيه القصيدة عبارة عن حالة من حالات الافتراق القصدي والدلالي مع عضوية الفكرة المركزية، ولدرجة أنني وجدت الديوان بشكل عام عبارة عن فرقعات ، كأنها تعود لمن يحاول الوصول الى مسمى ما في كتابة الرسالة الى حبيبته.. وتبعا لهذا لم أشعر بأي رغبة في الكتابة عنه.. و لكن عندما التقيت صديقي جبار النجدي، راح يذكرني دائما بصورة قصائد الديوان، ويشد من عزيمتي في محاولة أعادة النظر فيه و أليه.. و وفقا لطلب جبار النجدي وحده رحت في مراجعة تلك القصائد ثم الكتابة عنها وبطريقتي المعهودة، التي احبذ فيها الابتعاد عن فضاء المجاملات ونزعة الأخوانيات والمصالح الشخصية، بيد أنني كنت حزينا وجلالة السماء، عندما رحت ادفع بالمقال بعد اكتماله الى الصحيفة، أي كنت بعبارة أخرى مترددا في موضوع نشره، بدليل أنه ظل زمنا طويلا محفوظا على قرص سيدي في مجر مكتبتي يغلفه الغبار والخجل من سبيل نشره.
عزيزي هاشم كما قلت لك سابقا من الافضل لك مراجعة ما تكتبه من نصوص قبل نشرها، حاول مراجعة ومقارنة نصك بما يكتبه اقرانك من شعراء اليوم، أي بمعنى هل تكتب القصيدة أنت كما يكتبها المبدعين من الشعراء، غير ان ما ضحكني أكثر في مقال لعيبي هو قوله الآتي صاحب المقال استسهل النشر وغياب الرقابة على ما يكتب فأصبح يكتب دونما ضابطة مستغلا حالة الفراغ النقدي . في الواقع أنا أنشر ما أكتبه من مقالات منذ زمن صحيفة القادسية وصحيفة العراق و صحيفة الجمهورية ومجلة ألف باء، و منذ زمن محمد الجزائري و طراد الكبيسي وحميد سعيد وسامي مهدي، وقد تلقيت من بعضهم كتب الشهادة والتقدير والاحترام والتزكية مقابل مقالاتي النقدية التي تنشر عند صحفهم حينذاك، وأنا في الواقع فخورا بذلك في دخيلة نفسي و قرارة ذاتي الشخصية.. فأنا ياصاحبي لعيبي لم أظهر في هذا العهد ناقدا ينشر في الصحافة يتشبث بإرضائه فلان وفلان من الناس لمنصبه الاعلامي في محافظة البصرة، بل أنا ومنذ ذلك العهد أكتب المقال وبكل دقة وجرأة و صراحة وعنفوان ودون تزلف و اخوانيات…. يقول الأخ صاحب المقال في فقرة ما من مقاله ، من أنه و أصدقائه، لا يفهموا لغة مقالات حيدر عبد الرضا، وذلك لكونها لا تنتمي الى لغة مباشرة أو لغة مراجع و مصادر و ذكر اسماء نقاد و فلاسفة، على حد قوله في أحد فقرات كلامه الموقر، و تبعا لهذا الامر فأنا لاأجد بدوري ثمة صعوبة ما في لغة مقالاتي على من هو أهلا للثقافة الادبية والنقدية الجادة، ولاسيما على المتخصص في حقل النقد السيميائي والبنيوي تحديدا.. فقول أنا لا أفهم؟ ما هو ألا خزيا على كل من يدعي لنفسه بأنه كاتبا و شاعرا أو قاصا أو حتى ساقيا للشاي في مقهى الادباء؟ كما ليس هناك في طرحة وجهة النظر النقدية، ثمة حالة من حالات التسامح أو التعاطف أو الصداقة، وذلك لأن عملية الكتابة النقدية عن نصوص الآخرين، ما هي ألا مسؤولية ومحنة ومخاطرة إزاء ما يطرح في الرأي العام الثقافي بشأن نصوص هذا الشاعر أو ذاك الروائي أو القاص، كما الحال معي عندما أحاول الكتابة حول نص ما، فتراني أواجه حالة عظيمة من الرعب و الاختبار والامتحان مع نفسي و مع صاحب النص و مع المقال نفسه.. فكيف أمام كل هذا يريدني الأخ هاشم لعيبي؟. بالمناسبة هناك فقرة غريبة وردت في مقال الأخ هاشم، حيث يقول فيها كلام يصعب أثباته وتقويمه وتوثيقه و تصديقه، ولدرجة بات يساورني الظن بأنه من أحد أفراد أسرتي، وهذا القول المتجني ينص على أنني أكتب تحت تأثير المسكرات والمخدرات و الكحول، أي بمعنى أكتب المقال وأنا ثمل، وعلى هذا الادعاء بأنني ممن يتعاطى الكحول في حياته الكتابية والشخصية، سوف أوجه ثمة دعوة الى جميع الشعراء والنقاد والصحفيين كذلك، الى قراءة نصوص ثلوج مجوسية حينذاك من يكن فيهم قد قنع بأن ما فيها من نصوص ما هي ألا الشعر الحقيقي، يكون عندئذ هذا الشاعر أو الناقد حكمه وذائقته سارية تحت تأثير مفعول المسكرات والكحول، لأن من يكتب حول نصوص ثلوج مجوسية بطريقة مادحة وبطريقة التزكية العالية، ما هو ألا من رواد أصحاب مجالس الخمور و الغفلة و موائد الاخوانيات والمآرب الدفينة .. و الى هذا الحد من الايضاح و السهولة في تبسيط لغة المقال، من أجل فهم و أفهام شخص الأخ هاشم، حول ما يدور عليه موضوع تفاصيل الكلام و الرد.. والى هذا الحد من كلام مقالنا أيضا أقول مجددا، ان ما جاء به صاحب المقال من هذيانات انفعالية واضحة، ما هي ألا جملة ردود فعل فجائي سابق وبهذا الفعل المأساوي الذي تعرض له صاحب المقال، لا أملك سوى هذه الباقة العطرة من هذا القول الجديد.. ان عملية كتابة القراءة النقدية بالنسبة لي عن عمل أدبي ما، كمثال قاعة تصحيح الدفاتر الامتحانية النهائية، أي بمعنى أنني لا أطالع أسم المؤلف ودرجة علاقتي الودية معه، بقدر ما أطالع منظومة مقومات النصوص ذاتها و درجات جماليتها الخطابية القصوى، وتبعا لهذا الامر تراني لا أخضع لأي مؤثر وجداني ما وأنا أكتب المقال، خصوصا أني لست من المواظبين في المجيء و الذهاب الى أماكن عشق وصداقات الأدباء و حضور مقاهيهم بروائح التزلف والنزول الى مقامات اللاثقافة واللااحترام.
عزيزي صاحب المقال لعلك صائبا في قولك السابق من انه ليس هناك رقابة ثقافية بشكلا كاف، وهذا الكلام بدوره يعكس حقيقة وضعك الكتابي لمشروع ثلوج مجوسية فصدقني لو كانت هناك رقابة أدبية جادة لما تسنى أي ظهور لمجموعتك اللاشعرية، ولما تسنى لك و لغيرك قراءة قصيدة واحدة في مهرجان ثقافي.. وفي الختام أقول للأمانة فقط و للتذكير بأن تجربة ثلوج مجوسية نصوص تقترب من عوالم صناعة الخواطر و الهذيانات الشيئية والشخصية، التي مع الآسف لم يستوعبها صاحب النصوص، الشيئية أقصد بها أنها مجرد تصويرات تكوينية ناتجة عن مدركات حسية السيرورات الصورية في النص، لذا نرى الشيئية في نصوص الديوان قد حلت بروح غير منظمة وغير شاغلة لأي هم كياني قبولي مؤثر بعيدا عن صوت الشاعر نفسه.. يا سادتي القراء والأدباء أن ما جاء به الأخ لعيبي في مقاله، لربما لا يتوقف في حيز حدود الموضوعية والاهتمام الجاد في تشخيص حالات الضعف في مقالاتي النقدية، بل نراه قد جاء محملا بأصوات الخيبة و ردود الافعال المخذولة من جراء موقفه العسير في إراد منظومة ابداعية نصوص مجموعته الشعرية.. لذا فأننا سوف نعد و نحصي صوت مقاله وما قال فيه من كلام الى كفة جهة محسوبية معايير انتفاضة القصيدة المفقودة؟ والى كفة جهة ترسانة الاحقاد الضغينة على ما يكتبه حيدر عبد الرضا من مقالات عديدة حول نصوص الشعراء و القصاصين والنقاد.. يا سادتي القراء ان حيدر عبدالرضا ما هو ألا متذوقا دقيقا لنصوص الآخرين، و كل ما في الأمر أنه يرفض و يأبى أصول و قواعد المجاملات وطوارق الاخوانيات، في حين ان الآخرين قد اعتادوا على لغة التصفيق والمديح و المجارات النقدية والخطابات الرخيصة الكاذبة بحق نصوصهم الواهنة فهل يا ترى هو هذا النقد المنهجي الذي يتحدثون عنه كبار النقاد في مدارسهم النقدية المزيفة ؟ هل ياترى هو هذا النقد الذي يريدوه الأدباء وهاشم لعيبي وهو مجرد صفقات نفعية واكاذيب و مراوغة واقنعة و موائد خمر مقابل مقالات رخيصة ناتجة عن كتاب لا يجيدون سوى قراءة الصفحات الثقافية في الصحف والجلوس الطويل لشرب الشاي في مقاهي الأدباء الواشية .
نكتفي برد حيدر عبد الرضا في هذا الموضوع بعد ان نشرنا رد هاشم لعيبي المحرر
/5/2012 Issue 4211 – Date 28 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4211 التاريخ 28»5»2012
AZP09