

رجال من وطني.. محمد يونس السبعاوي “١٩١٠ – ١٩٤٣” (6)
ا . د عدنان البك
لقاء السبعاوي – عبد الاله:
بادر الوصي عبد الاله ومنذ وقت مبكر من وصول السبعاوي ورفاقه الى ابي غريب بمقابلتهم، كل معتقل منهم على انفراد، وعندما قابل السبعاوي بادره بلهجة استهجان واستفزاز قائلا: (هكذا تتركني وتتعاون مع رشيد عالي الكيلاني؟ فاجابه يونس: انك الذي تركتني وكنت قد أوضحت لسموك وجهة نظري في ضرورة الوقوف ضد الانكليز) في حين أجابه الوصي، قائلا: (لو كنت عملت برأيك لجاء بي الانكليز مكبلا مثلك).

ومع ذلك أكد السبعاوي للوصي خلال اللقاء عدة مسائل منها: تأكيده على ان استقلال العراق لم يكن منحه من قبل الدول الاجنبية وانما (نال ما ناله من حرية واستقلال نتيجة التضحيات التي قدمها لا منحة من الاجانب). وأكد له ان رفاقه كانوا لا يميلون الى الى الاضطهاد حتى خصومهم السياسيين وانهم كانوا (شديدي الحرص على الجبهة الوطنية الواحدة ضد التدخل الاجنبي) كما أكد له (نحن لم نضطهد الرجال فكيف بالنساء ..؟). وأوضح السبعاوي للوصي أن القائمين ب (الثورة) لم يكونوا خوما شخصيين له ولا للبيت الهاشمي، بل على النقيض من ذلك كانوا من أقرب الناس اليه، بدليل قيامهم باستخدام قوة الجيش في (تأييد تنصيبكم وصيا للعرش رغما عن معارضة كثير من الرجال بترشيحكم ولم يكن الكيلاني عدوا لكم في كل الاوضاع). وأوضح للوصي انه ليس له أي أغراض شخصية دفعته للاشتراك في الثورة، وخاطب الوصي قائلا: (لقد كنت من المتحمسين للترشيح للوزارة وكنتم تقولون ان من الضروري أن تتاح له الفرصة ليخدم البلاد من مركز المسؤولية)، وأضاف موضحا موقفه ورفاقه الذين كانوا يرون من مصلحتهم أن يخدموا البلاد وهم يتمتعون برضى المقام الأعلى في الدولة، وبين ان الخصام الذي نشب بينهم وبين الوصي منشأة الاختلاف في وجهات النظر السياسية، وتطور هذا الاختلاف بالشكل الذي أدى الى النتائج المعروفة. واختتم السبعاوي حديثه بالقول: (ان الانسان لا يلقى إلا ما قدر له وعلي أن أحتمل بكل صبر وجلد كل تضحية في سبيل فكرتي).

لقد كشف السبعاوي في لقائه هذا بالوصي ان دوافع الثورة كانت دوافع وطنية وقومية بعيدة عن التعصب ونزيهة عن الأغراض الشخصية والاحقاد٬ وإنما قامت من أجل ضمان استقلال العراق وباقي الأقطار العربية. لأن صروح مجد البلاد لا تبنى إلا بالتضحيات كما فند الكثير من المزاعم التي ادعى بها الوصي في خطابه من الإذاعة في حزيران ١٩٤٢ لعل أهمها ان الثورة لم تكن موجهة ضد البيت الهاشمي ولم يكن لأغراض شخصية.
وقيل ان السبعاوي لما رأى الوصي ومصوره الخاص (أرشاك) مع آلة التصوير يقوم بتصويرهم٬ قال للوصي: “أرجو أن تعلقوا صورنا في الشوارع العامة وواجهات المباني فليس في هذا ما يخجلنا لأننا قمنا بواجباتنا اتجاه الوطن العزيز والكل يعلم ذلك والتاريخ يسجل هذا”.

محاكمة السبعاوي:
أخذت حكومة جميل المدفعي الخامسة بعد تشكيلها في ٣ حزيران ١٩٤١٬ على عاتقها القيام بعدة مهام أهمها: إعلان الأحكام العرفية في بغداد وضواحيها وتشكيل مجلس عرفي لهذا الغرض في ١٧ حزيران ١٩٤١ ٬ برئاسة العقيد مصطفى راغب وعضوية كل من: المقدم ناجي عبد الرزاق والمقدم طاهر محمد عضويين عسكريين٬ فضلا عن الحاكمين محمد فهمي الجراح ومصطفى عزت عبد السلام عضويين مدنيين. كما أصدرت الحكومة مرسوما ملكيا خول بموجبه المجلس العرفي العسكري اجراء المحاكمات والتعقيبات القانونية بحق الثوار اللاجئين الى ايران والذين أبعدتهم السلطات البريطانية الى جنوب أفريقيا.
وفي أعقاب حكومة جميل المدفعي جاءت حكومة نوري السعيد السادسة في ٩ تشرين الأول ١٩٤١٬ فباشره بإجراء الترتيبات اللازمة للانتقام من أقطاب الثورة، بل كان الوصي عبد الاله ونوري السعيد من أشد المتحمسين لذلك. فقد شرع المجلس العرفي العسكري في ٢٤ كانون الأول ١٩٤١ بمحاكمة السبعاوي ورفاقه غيابيا وصدر عليهم الحكم في ٦ كانون الثاني ١٩٤٢ وقد حكم على محمد يونس السبعاوي ورشيد عالي الكيلاني وعلي محمود الشيخ والفريق أمين زكي والعقداء صلاح الدين الصباغ وفهمي سعيد ومحمود سلمان وكامل شبيب بالإعدام شنقا وعلي ناجي شوكت بالأشغال الشاقة لمدة خمسة عشر سنة ومحمد صديق شنشل لمدة خمس سنوات وعلي محمد حسن سلمان لمدة سنة واحدة. ولكن عندما أعاد الإنكليز السبعاوي ورفاقه الى العراق أعادت حكومة نوري السعيد محاكمتهم من جديد في ١٧ آذار ١٩٤٢ واستمر الى ٤ أيار حيث صدرت الاحكام بحقهم مجددا. ففي ١٣ نيسان ١٩٤٢ قدم السبعاوي إفادته أمام المجلس العرفي العسكري٬ وفي ٢١ نيسان ١٩٤٢ قدم السبعاوي دفاعه التحريري امام المجلس المذكور.

لم يتراجع السبعاوي في قاعة المحكمة سواء في افادته أو دفاعه عن التمسك بالمبادي التي يؤمن بها٬ رافضا الرضوخ للوصي واستجداء عطفه٬ ويذكر ان الوصي طلب من السبعاوي ان يقدم اعتذاره عما بدر منه في الاشتراك في الثورة إلا ان السبعاوي جابه الوصي بالرفض على الرغم من معرفته بأن ثمن ذلك هو الموت. وقد قيل بأن هذا الرفض أدى بالوصي الى الإصرار على إعدامه. في الوقت الذي كان السبعاوي على استعداد لمواجهة الموت في سبيل مبادئه وقد جاء في افادته أمام المجلس العرفي: “… حين يقع نظري على امة قريبة مجاورة كتركيا مثلاً تعتز كل عائلة بعدد ووفرة الشهداء الذين ذهبوا في سبيل امتهم٬ في مثل هذه الحال أتمنى أن يكون نصيبي الاستشهاد وأن أرى كل عائلة واسرة من اسر هذه البلاد لا تفتخر بشيء كفخرها بعدد الشهداء الذين جادت بهم في سبيل كيانها..”.
حاول السبعاوي في افادته ودفاعه التحريري المقدم للمجلس العرفي العسكري٬ تبرير قيام الثورة وتوضيح أهدافها والدفاع عنها وتفنيد ما الصق بها من تهم ومفتريات٬ لا سيما المزاعم التي قالت بأنها (استهدفت اغتصاب الحكم بقوة) أو ان للقائمين بها (أغراضا شخصية بحتة) أولها (ارتباط بدعايات دول المحور) بل كشف بوضوح الدوافع الوطنية والقومية التي دفعته ورفاقه للقيام بها.
كما حلل السبعاوي في افادته المذكورة طبيعة القوى السياسية ومواقفها وأدوارها في التأثير على مجريات السياسة العراقية وأوضح ان هناك ثلاث قوى رئيسة هي (العشائر والأحزاب والجيش) غير ان قوتي (العشائر) و (الأحزاب) غير مرشحتين في اعتقاده لان (ينهضا بالدور الرئيسي في مجرى الاحداث السياسية في العراق وذلك لان القوة العشائرية قوى غير منظمة وغير قابلة للتنظيم بسبب ولائها وتكوينها القبلي وخضوعها للزعامات الكثيرة والمتنافرة) لذا (ليس من السهل تأليفها أو اجتماعها في كتلة سياسية منظمة).
أما الثاني (الأحزاب) فهي – على حد تعبيره – ليس لها وجود بالأساس- وغير مسموح لها العمل ضمن الساحة السياسية العراقية وان وجدت فان (الامر الواقع هو ان الأحزاب ليست قوة سياسية في العراق).

ومن هنا فقد رشح السبعاوي (الجيش) ليقوم بالدور الرئيسي وذلك لما يتمتع به من التنظيم الذاتي وخلوصه من الفوضى التي تميزت بها غيرها من القوى٬ كما ان الجيش بمجموعة (كتلة تمثل الامة فهي تجمع خير أبناء هذه الامة ضمن نظام ثابت وميولها قومية. وتأتلف مع سلامة كيان المملكة من العبث الداخلي والخارجي معا). لذا وجد (السبعاوي) ضرورة تدخل هذه القوة في السياسة٬ على أن لا يكون التدخل بصورة دائمية ومستمرة بل مؤقتة ريثما يتم إيجاد: (هيئات سياسية محترمة ووطنية تكون فاهمة لميل البلاد وتسعى لتحقيق أهداف العراق القومية …).
كما تطرق السبعاوي في أثناء محاكمته الى اجتماع مجلس الامة (الاعيان والنواب) في ١٠ نيسان ١٩٤١ حيث نفى استخدام الضغط أو الاكراه أو التهديد بحق أعضاء مجلس الامة لغرض اجبارهم على حضور تلك الجلسة٬ ان الاجتماع (وقع بمحض اختيار المجتمعين ولم يلحق أي ضرر أو سوء بمن لم يحضر الاجتماع) وساق مثالا على ذلك في حضور النائب حسن السهيل تلك الجلسة وجلوسه في مقاعد المتفرجين دون أن يكون هناك ضغط عليه لحضور هذه الجلسة والمشاركة فيها. وأضاف ان ما حصل في (نيسان – مايس ١٩٤١) يعود الى تصادم وجهتي نظر: “الأولى تطلب الاستسلام والثانية تأبى الاستسلام وتحرص على ان تحفظ لهذه الامة ثمار كفاحها وجهادها ولا تسمح بالقضاء على أمانيها”. كما أشاد السبعاوي الى ان الثورة حفظت للامة: “صفحة مشرقة في كفاحها٬ حاول كل فرد من أبنائها أن يقوم بواجبه الوطني لا كرها بأحد ولا تعصبا لأحد بل تمسكا بإيمانه في حقه في الحيا الحرة المستقلة٬ واذا كان العراق قد سبق أن اضطر لرد الاعتداء ولم ينجح٬ فليس هذا بالعار الذي توصم به الامة٬ بل إباءها الذل مفخرة لها”.
– تنفيذ حكم الإعدام بالسبعاوي:
لقد جرت محاكمة السبعاوي ورفاقه وسط إجراءات أمن مشددة٬ في الوقت الذي كانت فيه العناصر الوطنية والقومية قد أبدت معارضة شديدة لمحاكمة السبعاوي ورفاقه وأخذت تصدر المنشورات السرية بهذا الشأن. فقد نشرت (جمعية اليد البيضاء) منشورات بعنوان: (الى الإنكليز الطغاة) ضمنته إنذارا للإنكليز إن اقدموا على اعدام (زعماء العرب وهم يونس السبعاوي وجماعته) وطالب المنشور بإطلاق صراحهم بعد أن ساعد (الخونة) على القبض عليهم٬ كما هدد المنشور الإنكليز قائلا:(اذ قتل أحد منهم فسوف نقتل عشرة من أكبر شخصياتكم بدلا منه٩\. بل خاطبهم قائلا: (إذا كان عندكم عهود ومواثيق يجب عليكم أن تقتلوا (الخونة) الخارجين عن العروبة والإسلام الذين باعوا ضمائرهم بثمن بخس). كما عثر على منشور مشابه للمنشور هذا يحمل توقيع (جمعية دعاة الحق) أكدوا على ضرورة اصدار العفو عن السبعاوي ورفاقه وإطلاق صراحهم.
في ٤ أيار ١٩٤٢ صدر حكم الإعدام على محمد يونس السبعاوي والعقيدين محمد فهمي سعيد ومحمود سلمان٬ وقد كان الوصي عبد الاله من أشد المتحمسين لتنفيذها٬ بأسرع وقت ممكن٬ وبالفعل أصدرت الإرادة الملكية المرقمة (٢٥٥) لسنة ١٩٤٢ والقاضية بتنفيذ حكم الإعدام بالسبعاوي والعقيدين محمود سلمان ومحمد فهمي سعيد. كما حاول الامتناع عن مقابلة عدد من الشخصيات السياسية العراقية تهربا من التأثير عليه لغرض تخفيف هذه الاحكام. ويبدو ان إصرار الوصي عبد الاله هذا لم يكن نابعا عن حقده على قادة الثورة وإشفاءً لغليله منهم فحسب٬ وإنما كان تنفيذا لرغبة بريطانيا خاصة٬ لضرب رموز الثورة٬ ولإحباط الروح الوطنية والقومية ورفض الاحتلال لدى نفوس الشعب العراقي.
وفي ليلة تنفيذ الحكم عليهم لم يسمح للسبعاوي ورفاقه الاجتماع بأهلهم إلا لفترة وجيزة٬ وينقل الأخ الدكتور ذاكر محيي الدين عبد الله في رسالته الموسومة (محمد يونس السبعاوي ودوره السياسي) عن (أحمد النيلة)٬ ان السبعاوي في ليلة إعدامه كان يصبر والدته ويحثها على عدم الجزع عليه لما سيلاقيه من مصير٬ وكان يقول لها: (إن فقدت ولدك الوحيد فاني تركت لك ولدين محلي ..) ويقصد هنا ولديه (هاني وياسين)٬ كما أوصى زوجته (بالاهتمام بتربيتهما تربية خاصة تقوم على حب الوطن ..).

في الساعة الثانية بعد منتصف ليلة ٥ أيار ١٩٤٢٬ اخرج السبعاوي ورفاقه الى ساحة تنفيذ الحكم٬ ويقال انه حين تقدم الامام لتلقينهم الفروض الدينية٬ رفض السبعاوي٬ وقال له: (لا حاجة لأن تلقنني واني مسلم وأعلم أمر ديني). ويقول علي محمود الشيخ علي واصفا هذه اللحظة في مؤلفه الموسوم (محاكماتنا الوجاهية)٬ ص ٩٥ ٬ لحظة خروجهم الى ساحة الإعدام بقوله: كانوا (يرسلون خطاهم إرسالا كأنه ليسوا سائرين الى الموت٬ وإنما لتأدية واجب فرضه عليهم وطنهم …). وهناك من يرى ان السبعاوي عند صعوده الى منصة الإعدام بدت عليه علائم الثقة بالنفس. وخاطب الحاضرين قائلاً: (انه على حق وانه عمل لأجل خدمة بلاده …)٬ وقد ظل السبعاوي محتفظا برباطة الجأش حتى تمت إجراءات إعدامه. ودفن السبعاوي ورفاقه في مقبرة الشيخ معروف ببغداد.
وهكذا طويت حياة السبعاوي السياسية بعد أن اختارها بنفسه لتكون مليئة بالبطولة والشجاعة والاستعداد للتضحية كما كان يتمناها وهو لا يتجاوز الـ (٣٢) ربيعا٬ لذا أضحى السبعاوي ورفاقه مثلاً يحتذى به من أجل التحرر والاستقلال.
– ردود الفعل الوطنية إزاء اعدام السبعاوي:
كان لإعدام السبعاوي ورفاقه٬ وقعه المؤلم في نفوس الشعب العراقي الذي كان مثقلاً حينئذ بمشكلات الحياة وهموم العيش في ذلك الوقت العصيب. كما نشطت العناصر الوطنية والقومية من طلبة المدارس والكليات للعمل على مهاجمة السلطة القائمة آنذاك. وذلك من خلال نشاطهم في تنظيمات سرية٬ منها جمعية (دعاة الحق) وجمعية (دمعة العرب) وجمعية (اليد البيضاء)٬ وكذلك جمعية (العروبة الفتاة)٬ بتوزيع المناشير التي تهاجم السلطة والانكليز وتدعوا الى الحرية والاستقلال وتحقيق وحدة البلاد. ولم تقتصر ردود الفعل على الرجال فقط٬ بل ان السلطات الحكومية فشلت في منع احدى الثانويات للبنات في بغداد من ارتداء الملابس السود للتعبير عن الحداد. فضلا عن ذلك تناقل الناس القصائد التي كتبها شعراء العراق ومنها قصيدة الشاعر معروف الرصافي المعنونة “الأفول المشرق” والتي رثا فيها السبعاوي ورفاقه٬ ومما جاء فيها:
“أيها الانجم التي قد رأينا عبراً في أفولها كالشموس
إن هذا الأفول كان مشروقاً في دياجير طالع منحوس
شنقوكم ليلا على غير مهل ثم دسوا جسومكم في الرموس
وستبقى الذكرى لكم ذات رمز هو تعظيمكم بخفض الرءوس
برأت ذمة المروءة منا أن نسي يوم شنقكم أو تنوسي”
كما رثى الشاعر بدر شاكر السياب السبعاوي ورفاقه في قصيدة له بعنوان: (شهداء الحرية) ومما جاء فيها:
شهيد العلا لن يسمع اللوم نادبه وليس يرى باكيه من قد يعاتبه
طوى الردى فالكون للمجد مأتم مشارقه مسودة ومغاربه
فتى قاد أبناء الجهاد الى العلا وقد حطمت بأس العدو كتائبه
فتى يعرف الأعداء فتكة سيفه وقد فتحت فتحاً مبيناً مضاربه
فتى ما جنا ذنبا سوى إنه انتضى حساما بوجه الظلم مالان جانبه
كما رثا إبراهيم الواعظ السبعاوي ورفاقه بقصيدة بعنوان (ما أحلى الممات) ومما جاء فيها:
رخصتم في النضال لنا مثلا بعزم في مقارعة العداة
حملتم في جهادكم لواءً يرفرف في أعالي الرابيات
وقد تم امة لنوال مجد وكنتم خير قواد ثقات
نصبتم للبلاد عماد عز وصنتم أنفسا من كل عاتي
وحزتم في ضمير الشعب مجدا رفيعا لا يضاهي بالحياة
فلا ضير فموتكم حياة وما أحلى الممات من الحياة
وهكذا نرى (محمد يونس السبعاوي) ان المبادئ الوطنية التي آمن بها وعمل من أجلها لابد أن تقترن بالتضحية والعقل السياسي الشجاع الى الحد الذي غدا فيه الموت لديه وسيلة اعتيادية في سبيل تحقيقها حتى ساعة إعدامه.
أما الوصي عبد الاله الذي يقال انه حضر ساعة إعدامه مع نوري السعيد من باب الشماتة به وتشفيا لحقد دفين في نفسه٬ فانطبقت صورة هذا المنظر في ذهنه وأخذ شبح السبعاوي يلاحقه مدة من الزمن يؤرق نومه ويقض مضجعه فتراءى امامه منتصباً مهدداً بحيث كثيرا ما يفيق من نومه مذعورا خائفاً٬ ولم يسترجع هدوءه الا بعد مدة من الزمن استعان فيها بما قدمه الأطباء اليه من أقراص وأدوية تهدئ اعصابه وتبعد عنه شبح السبعاوي. ومن يدري لعل هذا الشبح تراءى له مرة أخرى وانتصب أمامه في آخر ساعاته وهو يواجه مصيره في صباح يوم ١٤ تموز ١٩٥٨٬ لتعلق جثته (عبد الاله) على باب وزارة الدفاع بعد مرور (١٦) عاما على اعدام السبعاوي ورفاقه.
وأخيرا نرى ان محمد يونس السبعاوي مارس دور البطولة عبر مراحل حياته٬ مارسه على خشبة المسرح (ممثلا) وعلى منابر الخطابة (سياسيا) وقام به (مجاهدا) في ميدان القتال يواجه رصاص المحتلين الطغاة٬ ومثله (متهما) أمام المجلس العرفي٬ وأخيرا لم يتخل عن هذا الدور وهو يتقدم الى المشنقة بخطوات ثابتة٬ فكان بطلا في كل المواقف واسطورة رائعة في تاريخنا الحديث والمعاصر تستحق من العراقيين عامة التقدير وتستأهل الاعجاب …

























