رباعيات لحارث طه الراوي

رباعيات لحارث طه الراوي
إلى ناقد قل ما تشاء ولا تحابي
قراءة محمّد رجب السامرّائي
فنّ شعر الرباعيات أحد فنون الشعر العربي التي تدلّ على جماليَّات اللغة العربيَّة، وشمولها وتنوّع أغراضها، وهذا الفنّ الشعري له العديد من الهواة والمُعجبين سواء من الشعراء أو من القرَّاء والمُتذوقين، وقد أبدع فيه الشعراء أيَّما إبداع، فنظموا عدداً من الرباعيَّات الجميلة ذات المعاني السامية، والأهداف النبيلة.
رباعيات الخيّام ترنيمة حزينة تنعى إلينا زوال الإنسان وهيمنة الزمن وقهره للموجودات وانقلاب لحظات المتعة شقوة وانقلاب أيام الإنسان مجرد ذكرى شأن الجذوة تشع ناراً ونوراً ثم تخبو رماداً والإنسان لا حول له و لا قوة أمام هذا القهر الكوني المتجلي في الموت الذي يطال بسيفه الإنسان ثمرة الوجود ومكمن العبقرية وسرّ الحياة ومستودع المشاعر فيغدو ذلك الكائن رهين اللحد والظلام الأبدي كأن لم يكن بالأمس ذلك الشاعر أو العالم أو الحاكم أو الفقيه أو الثري الذي ملأ الأسماع و الأبصار، وتغدو لحظات صفوه و أنسه مجرد ذكرى فما الذي ينقذ الإنسان من هذا المأزق الوجودي.
وترجمت رباعيات الخيام إلى اللغة العربية من قبل شعراء ودارسين عرب منهم الشاعر العراقي جميل صدقي الزهاوي، وإبراهيم العُريض من البحرين، ومحمّد صالح القرق من الإمارات. كما كتب في شعر الرباعيات شعراء منهم الشاعر المصري صلاح جاهين الرباعيات، والشاعر يوسف العظم، وغيرهم الكثير، وآخرهم الشاعر والباحث حارث طه الراوي في ديوانه الجديد رُباعيات الراوي .
سيرة و77 رُباعية
تضمن رُباعيات الراوي حارث الرّاوي… سيرة ذاتية، وسبع وسبعون قصيدة رُباعية، تناولت العديد من الأغراض الشعرية العربية، وهي أنا والشعر، أيها الإنسان، الأديب وخُلود ذكره، إلى شاعر، النقد والناقد، بضاعة الشاعر، الصديق، إلى من كان صديقاً ، إذا ضاق صدري، صبر العاقل، عجبتُ لمن يأبى المحبة، لا تصدق مِن قبل أن، ذكرتُ إلهي، أعندك ما عندي؟، قُبلة على رصيف هنغاري، لهؤلاء تصفو الحياة، إلى المُرتشي، هوامش على ورقة يا نصيب، يا لَعشٍ، في العيد، إلى عجوز مُتصابية، غياب الأحبة، ألمي لقومي، أخلصت فامتعضوا وغابوا، ضراعة، بين التفاؤل والتشاؤم، أين الخبر، عندما لا يُسمع الحقّ، الشعر، جراد الأدب، إلى انتهازي، حسبي الله، يا أمتي، واصلت صومي، إلى مُنافق، إلى عريف حفل، مجالس حُبّ الظهور .
كما ضم الديوان رُباعيات أخرى وهي بقربي ولكن، لا تسألوني، وثقت بنفس حُرّة، يريدون إغرائي، وطني، هل أرى لبنان يوماً؟، دموع التماسيح، كُن كالسحابة، لا تمنع الخير، إلى ولي الدين يَكن، نكبة الشعر، أرفض الزيف، ذو الأدب العالي، لو أمكن الصبر، كُن مثل جدّك، تذكرت أحبابي، في حفلة عُرس، ذنبي، في الهاتف، بليتُ بعنكبوت آدمي، قُلّ لصبري، سفحت دمي، أبعد الذي جربت؟، آباؤك، ياجاهز العذر، سؤالك عني، بكيت على الأطلال، إلى شاعر، التائه، يا دموع الخنساء، عَلَم عومل مثل النكرة، جنحنا إلى سِلْمٍ، زحزح آبائي، لو أهنت اليراع، وأوجع ما يلقى الأصيل، تذكرت.. يا أمي، صديقي، الدّمع، لا وأخيراً تسأليني اليوم عن حلتي .
إلى شاعر وناقد
ويقول الشعر حارث طه الرّاوي في رُباعيته المعنونة إلى شاعر
قايض الناسَ وفاءً بوفاء
وتظلّم حين يبدون الجَفَاء
كُن عدّواً للتعالي، إنّهُ
يُبْعدُ الفذّ ويدُني الجُهلاء
يقتضي الإنصافُ أن نكبحها
حين تدعونا لزهوٍ كبرياء
ويُذمُ الفخرُ بالنفسِ إذا
حطّ مِن قَدْرِ نجومٍ في السّماء
ومن رُباعية الشاعر، إلى ناقد التي يرسم فيها خلاصة تجربته في المشهد التراثي والثقافي، ليسدي نصيحته من تراكم خبرته إلى الناقد، يقول فيها
قول ما تشاءُ ولا تُحابِ
بعد الإحاطةِ بالكتابِ
إنّي لأزهدُ بالثنا
إذا تبرّأ مِن صوابِ
لا تركب التأويل ما
أجدى التعلّلُ بالسَرابِ
قُلْ، بعد فَهْمٍ كاملٍ
وأزهدْ بشُكري أو عتابي
ألمي قومي ووطني
وها هو الرّاوي في رُباعية ألمي قومي يشعر بالألم حين يرى أبناء قومه يعيشون بين الأنياب والشتات ويدعوهم إلى التضامن من أجل وحدة الوطن، فيقول
ألمي أن يعيش قومي بذُلٍ
بين أنياب فُرقةٍ وشَتاتِ
إن دعاهم إلى التضامن داعٍ
وصمُوه بأبشع السّيئاتِ
أو نَهاهُم عن الشتائمِ ناهٍ
نبذوه ظلماً كنبذِ النواةِ
ولأني أردتُ خيراً لقومي
ضاعَ صوتي في ضجّة الأصواتِ
ثم يتغنى الشاعر برباعية وطني الممتد من المحيط إلى الخليج، حين كان فيه طيراً يُغرّد بين مروجه وأفنانه، لكنه اليوم يناجيه على جمرٍ لجوج، من وراء الحصار المضروب عليه، يقول
وطني بين محيط
أطلسيّ وخليجِ
كنتُ فيه مثل طيرٍ
غَرِدٍ بينَ المرُوجِ
وأنا اليوم أناجِيْـــه على جَمْرٍ لجُوجِ
خلفَ أسوار حصارٍ
حجبَت كلّ بهيجِ
الأخيرة لا تسألوني اليوم عن حالتي
ومن رُباعيته لا تسألوني اليوم عن حالتي آخر رُباعيات الرّاوي التي ضمنها أنثيالات وضعه وهو يربو على السبعين خريفاً وهو يبحث عن إبرة تدعى وفاء الرّجال، فقال بحسرة وألم
لا تسألوني اليوم عن حالتي
فقد يجيبُ الموت هذا السؤالْ
القلب في سبعينه مُتعبٌ
والرِّجْلُ تخطُو وهي رهنُ انحلالْ
والضيق في الأنفاس لا ينتهي
كأنّ صدري تحت ثقل الجبالْ
في وحشةٍ أبحثُ في ليلها
عن إبْرةٍ تُدعى وفاء الرِّجالْ
/4/2012 Issue 4176 – Date 17 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4176 التاريخ 17»4»2012
AZP09