ديوان أبوابك شتّى ملامح من سيرة شعرية لفاروق شوشة – خاطرة بين المسافات – علي القاسمي

ديوان أبوابك شتّى ملامح من سيرة شعرية لفاروق شوشة – خاطرة بين المسافات – علي القاسمي

السيرة جنس أدبي قديم أفرزه التدوين التاريخي. وحظيت السيرة الذاتية مؤخراً باهتمام كبار الأدباء الذين راحوا يودعون أحداث حياتهم في رواياتٍ سيرذاتية أو سيرٍ شعرية، رغبة في إبقاء شيء منهم في الحياة ضداً على عدمية الموت المادية، أو لإنارة الطريق أمام الأجيال الصاعدة.

وشهدت السيرة الذاتية تطوراً على أيدي الكتّاب الغربيين الذين نشروا اعترافاتهم، وهذا نوع من السيرة الذاتية لم يعرفه الأدب العربي الذي ظلت سيره الذاتية مقتصرة على الجوانب المعرفية والاجتماعية والسياسية، رغم أن الشاعر مهدي الجواهري قد ضمّن  كتابه ” ذكرياتي ” الذي نشره في أواخر حياته، شيئاً من الاعترافات.

إن المادة الأولية التي تتشكَّل منها السيرة الذاتية هي الذكريات. ولكن عملية التذكُّر عملية معقدة تحكمها ضوابط وقيود وتوجهها أغراض وغايات. فالذاكرة تعمل على طمس معلومات معينة، وتسليط الضوء على أخرى وتضخيمها، وملء الفراغات في بنية المعلومات مستعينة بالخيال، وإضافة معنى هنا وهناك، وتفسير أحداثٍ في ضوء خبراتها المتجددة والظروف المستجدة. وهكذا فالسيرة الذاتية تعيد تشكيل حياة الأديب مع ما يصاحب هذه العملية من حذف وإضافة وتعديل، بوعي أو بلا وعي.

ويتوقَّف الاسترجاع ” الصحيح ” للأحداث على درجة الوعي الذاتي للمبدع. فعندما تتناول السيرة الذاتية تجربة الشاعر خصوصاً، كما في ” تجربتي الشعرية” لعبد الوهاب البياتي، فإن عملية التذكُّر ترقى إلى أعلى درجات اليقظة والوعي الذاتي.

وديوان ” أبوابك شتى” للشاعر الكبير فاروق شوشة لا يقتصر على تجربته الشعرية فقط، وإنما يعرض كذلك ملامح من حياته العائلية، ومسيرته المهنية، وعلاقاته الاجتماعية:

“جرّب بين آلافٍ من الأرواح/ تحيا بين آلاف من الصفحات والأوراق/ تزحم بيتكَ المخنوق/ في أكداس ما جمَّعتَ من كتبٍ وأشعار/ وفيضٍ من قراءاتٍ/ ومن دنيا حكاياتٍ وأحلامٍ/ تبخّر بعضها عبْر السنينَ/ وظل معظمها ندياً/ ساطع الإيحاء/ يُلهمكَ الجمال الحقَّ/ يسكب فيك ألحان الحياة/ يفيض حولك.”

وفيما كنتُ على وشك ولوج ” أبوابك شتى”، خطر لي خاطر: لماذا لم يكتب شوشة سيرته الذاتية نثراً ليتخلَّص من قيود الوزن والإيقاع وضوابط الموسيقى؟ وسرعان ما انتبهت إلى أن الشعر يفيض منه طبيعياً على سجيته، كما يفيض نهر النيل بدموع إيزيس، وأنه شاعر فذ لا يُعجزه بحرٌ ولا تتحكَّم به قافية، فهو سبّاح ماهر في جميع البحور وينام ملء جفونه عن شوارد الإيقاع التي تأتيه طيعة منقادة. أضف إلى ذلك أن تذكُّر أحداث حياته يوقد فيه شعلة الشعر ويوقظ شهوة الإبداع. يقول في الإهداء:

“إلى أيام العمر ولياليه التي تقضّت بحلوها ومرِّها، امتلائها وخوائها، صانعة مسيرة حياة ومشعلة جمرة شعر.”

ومن جميل المصادفات أنني قرأتُ كتاب شوشة الجديد الآخر ” قصائدي التي تصحبني”،  فألفيتُ أن مقدمة الكتاب النثرية تطرقت إلى فترةٍ من حياة الشاعر كان قد سبكها شعراً في كتابه الآخر ” أبوابك شتّى”، وهي فترة إعارة خدماته من إذاعة القاهرة إلى إذاعة الكويت خبيراً ومدرِّباً ( 1963 ــــ 1964)، وهي نفس الفترة التي كان فيها الشاعر بدر شاكر السياب، يرقد في مستشفى في الكويت. فرأيتُ أن أعرض النصين النثري والشعري على القارئ الكريم ليحكم بنفسه أيهما أروع.

يقول شوشة نثراً:

” تعرّفتُ في منتصفها إلى بدر شاكر السياب الذي جاء إلى الكويت في ختام رحلته مع الداء العضال الذي أصاب جسمه كله بالشلل، ولم يبقَ فيه سليماً غير رأسه ــــ كما كان يردِّد دائماً. وكانت زيارته طقساً يومياً لي ولمجموعة من الشباب والأدباء والشعراء في مقدمتهم الكويتي علي السبتي والفلسطينيان ناجي علوش وخالد أبو خالد. وكان القرب من السياب ــــــ على هذه الصورة الملاصقة لشهور متتابعة حتى عودتي من الكويت قبل رحيله عن الحياة بشهور قليلة في ديسمبر من عام 1964 ــــــ مدرسة  في الوعي الشعري والإنساني، وفي معنى الرسالة الشعرية، ودور الشاعر في مجتمعاتنا العربية، والشاعر بين الالتزام  واللاالتزام، وترجمة الشعر، والجدل المستمر بين المعمار العمودي للقصيدة ومعمار قصيدة الشعر الجديد، وأيهما له البقاء والتأثير، وقضايا كثيرة كنا نستمع فيها أولاً إلى السياب ثم ننطلق من بعده في دروب الكلام، لنعود إليه في خاتمة الأمر، وهو يلخِّص بكل دقة ما قيل، ثم يُسمعنا جديده الذي يحتفظ به في ذاكرته منذ ليلة أمس، فنسرع إلى تسجيله قبل أن يتبدد أو يضيع، وهي المرحلة التي شهدت ميلاد قصائده الأخيرة التي كان يدهشنا بكتابتها في رأسه كل ليلة، وكأنه يسرع بها قبل النهاية المحتومة التي يتمناها لتنقذه من عذاباته وآلامه، ويتوسل لها أن تجيء وهو يقول: رصاصة الرحمة يا الله!”

ويقول شوشة شعراً:

” فإذا جاء المساء/ ـــ غالباً يأتي مليئاً بنداءات السهر ــــ/ مضت الصحبة بي/ نحو اللقاء العذب في المستشفى الأميري/ حيث نلتفُّ جميعاً/ حول صوت الشعر/ في عصر جلال الشعر والإبداع/ والقول الفريد/ إنه السياب/ في أقصى انحناء القوس/ في رحلة أيوب/ مُسجّى/ وهو مشدود إلى مرقده/ يذوي/ ولا حجم له/ لا شكل/ وعيناه شعاعان من الضوء/ ورأس يتجلّى في حكايات/ ويمضي في تهاويل/ وأشعار تعيها الذاكرة/ وهو يهدينا جديداً منه في كلِّ لقاء/ يبدأ الإبداع في الليل/ يواتيه/ وفي الإصباح/ يُمليه على أول مَن تأتيه من طاقم مستشفاه/ قبل أن ينساه/ ـــ في هول عذابات النهار ـــــ/ ونلقاه إذا جئناه في وقت المساء/ إنها الصحبة/ تأتيه سراعاً تتحلَّق/ نقرأ الشعر الذي لم ينقطع شيطانه عنه/ ولم يتركه في المحنة وحده/ نحن في داخلنا نبكيه/ ولا نظهر إلا فيض إعجاب كبير ومحبة/ إنه شاعرنا الأكبر/ مُبدعنا الذي يفضل في أعيينا جيله/ من مبدعي الشعر الجديد/ كيف نلقاه/ ولمّا يبقَ فيه غير هذا الرأس/ يوصيني به حين حملناهُ مسجّى/ قادماً في الطائرة/ هاتفاً بي/ صوته الواهن:/ يا فاروق رفقاً/ لم يعد فيَّ سليما غير هذا الرأس/ كلُّ جسمي الآن مشلولٌ/ ينادي في ابتهال: / رصاصة الرحمة يا إله !”

 فإذا رأيت، أيها القارئ الكريم، أن النثر أبلغ، فأنت مصيب، وإذا ألفيت الشعر أجمل فأنت على حق، لأن شوشة فارس النثر وسيد الشعر.باحث وكاتب عراقي مقيم في المغرب.