دولة كردستان الكبرى- سجاد بيرقدار

حلم ضائع

دولة كردستان الكبرى-  سجاد بيرقدار

 إن من أبرز ما يمكن أن يتمخض عن دوامة العنف الدائرة في منطقة الشرق الأوسط هذه الأيام ، هو احتمال قيام دولة كردية مستقلة في شمال العراق وشمال غرب سورية و شرق تركيا و في الشمال الغربي لإيران . بيد أن ما فات الأكراد ، من 100  عام ، يبدو أنه بعيد المنال اليوم حتى في ظل عزم حكومة اقليم كوردستان العراق اجراء استفتاء بشأن الانفصال عن الجمهورية العراقية في سبتمبر أيلول المقبل، ليظل حلمهم بقيام دولة مستقلة لهم ، ليس بأقرب مما كان عليه الحال طوال قرن من الزمان .

لا أحد ينكر أن الأكراد ، طوال عهد بقائهم ضمن دول مستقلة تشكلت بفعل قوى خارجية أكثر منها تعبيرا عن إرادة شعوبها الحرة ، عانوا الكثير من التنكر لثقافتهم ، و التهميش لدورهم ، و قبل كل ذلك لتطلعاتهم القومية المشروعة ، سواء في تركيا أم سورية أم إيران أم العراق ، مورس على الأكراد الذوبان القسري ضمن شعوب وثقافات لم يعطوا الفرصة خلالها للتعبير عن أمانيهم القومية ، لدرجة أن تلك الدول ، التي أُلحق الأكراد بكياناتها السياسية ، كانت تفتقر لأدنى درجات مقومات العيش المشترك ، الذي يعكس حق الشعوب في تقرير مصيرها و يشرعن سياسيا و أخلاقيا و قانونيا ، لقيام تلك الدول .

دول ناشئة

 لم يرض الكرد ، أبدا ، بواقع إلحاقهم بتلك الدول الناشئة حديثا ، و كانوا أبدا مصدرا لعدم استقرارها . في المقابل واجهت كل تلك الدول التي أُلحق الأكراد بها ، المسألة الكردية بكل العنف و التربص ، بدلا من خيار الانصهار الطوعي ضمن منظومة تلك الدول الحديثة . حتى أنه لم يُسمح للأكراد، في بعض تلك الدول ، بممارسة أي شكل من أشكال التعبير عن خصوصية ثقافتهم ، أو حتى التواصل بلغتهم ، و احترام خصوصية هويتهم القومية ، دعك من السماح لهم بأي شكل من أشكال الحكم المحلي .

 خلاف الكثير من الأقليات التي تمكنت بعض تلك الدول من استيعابها ضمن بوتقة الهوية الوطنية للدولة ، كما فعل الأتراك بالأقلية العربية في إقليم الإسكندرون ، كان الأكراد في كل تلك الدول الأربع أعصى من كل محاولات الاستيعاب و الانصهار ، و ظلوا دائما عصيي الخضوع للسلطة المركزية ، في عواصم تلك الدول .

 هذا الترابط الجغرافي و السياسي بين الأكراد و الدول التي ألحقوا بها قسرا و رغما عن إرادتهم ، يجعل من المسألة الكردية أعصى بأن تجد حلا لها في قيام دولة كردية على حساب أقاليم هي جزء من دول قومية قائمة ، مهما كان دور المتغير الخارجي ، الذي سبق و تجاوز المسألة الكردية عندما تجاهل تطلعات الأكراد القـومية قبل 100 عام .  اليوم لا يمكن أبدا تصور اقتطاع أجزاء من دول قائمة ، خاصة إذا ما كانت هذه الدول تتمتع باستقرار داخلي و بسلطة مركزية قوية في العاصمة ، و تكون بعيدة عن سيناريوهات التقسيم و التفكك الداخلي . يمكن تصور استغلال الأكراد لضعف الدولة المركزية في سورية و العراق ، و الاقتراب أكثر من حلم إقامة دولتهم القومية . لكن من الصعب تصور امتداد الدولة الكردية لتشمل أقاليم لدول مستقرة و قوية ، كما هو حال تركيا و إيران . ليس هذا ، فحسب .. فإنه : لا تركيا و لا إيران يمكن أن تسمحا بقيام دولة كردية على تخومهما ، بما قد يقود إلى امتداد تطلعات الدولة الكردية الجديدة ، إلى إقليم دولتيهما ، التي تحيا فيها أغلبية كردية . ممكن تصور ، على سبيل المثال : أن تذعن بغداد لضم مدينة كركوك الغنية بالنفط لإقليم كردستان ، و لا يمكن في المقابل أن تقبل تركيا بذلك ، ليس بسبب وجود أقلية تركمانية في كركوك ، بل الأخطر بالنسبة لأنقرة أن تنضم مدينة غنية بالنفط لإقليم كردستان ، ما يعني قطع شريان النفط العراقي الذي يمر عبر الأراضي التركية ، و توفير موارد مالية إضافية لكـيان معاد لطالما أرقَ الأتراك.

خطر كروي

 و كما تقاوم أنقرة التطلعات الكردية على الجبهة العراقية لا يمكن لها أن تسمح بامتداد الخطر الكردي لحدودها الجنوبية مع سورية ، و بالتالي تتضاعف مساحة المواجهة مع الأكراد لتشمل جبهتين ، بعد أن كانت تاريخيا تشمل جبهة واحدة .

 لهذا السبب نجد الأتراك يتدخلون في سوريا و يقاومون بضراوة امتداد النفوذ الكردي خارج مناطق الأغلبية الكردية في شمال شرق سورية ، إلى مناطق لا يمثل فيها الأكراد أغلبية ، و هي تاريخيا و جغرافيا تعتبر مناطق عربية .

و يبقى الغرب الذي تنكر للمسألة الكردية من 1000 عام ليأتي و يلعب بورقتها اليوم ! الولايات المتحدة تراهن كثيرا على الورقة الكردية ، للضغط على تركيا ، من ناحية ، و لضمان حليف في المنطقة قد يتماهى مع مخطط وجود إسرائيل فيها ، من أجل إحكام السيطرة على منابع النفط الغنية بها . كما أن الأوربيين لا يثقون في الأتراك ، الأمريكيون – في المقابل – لا يثقون في العرب . علينا ، أيضا ، ألا ننسى أطماع الروس التي تعيد إلى الأذهان اتفاقية سايكس بيكو الفرنسية ـ البريطانية ، التي كان الروس طرفا فيها ، بوعد لإطلالة لهم على شواطئ شرق البحر المتوسط . تظل المسألة الكردية أعصى من أن تتحول لواقع دولة ، لأسباب لا تختلف كثيرا عما حال دون قيامها منذ 100 عام .