درس في الانسانية –  كمال جاسم العزاوي

درس في الانسانية –  كمال جاسم العزاوي

صعب أن لا نملك سوى الامتعاض والتأسف أمام مشاهد سلبية في حياتنا تحمل الكثير من التنمر والتعامل الفض  مع الآخرين بغض النظر  عن ماهية ذاك الانسان أو شأنه وأياً كانت صفة الطرف المتسلط  فالانسان كائن يمتلك العقل ويمكن اصلاحه بالارشاد والحسنى وليس بالتشهير وامتهان كرامته كما في مجتمعات تفتقد  لثقافة النقد والتقويم  مما يؤدي الى ترسيخ المفاهيم والممارسات الخاطئة والمتطرفة  .

في صيف رمضاني من أصياف القرن الماضي وفي أحد الأسواق المكتظة بالمارة والصائمين جلس على جانب الطريق شاب يافع بملابس رثة يعمل عتالاً  على أرصفتها  وقد بدت عليه علامات البؤس والفاقة .. أخرج من جيبه المهتريء لفافة خبز بداخلها شيء مما يؤكل وهمّ بقضمها فاذا بأحدهم يضغط على عاتقه !!

رفع الصبي نظره الى الأعلى ليجد أمامه شرطي يحمل هراوة ليخاطبه بهذه العبارة   (أنهض يا حيوان وسر أمامي الى المخفر) ذعر الصبي الفقير من هذا الكائن الغليظ الخلق وأخذ بالبكاء والتوسل به ليخلي سبيله لكن دون جدوى

– أرجوك يا سيدي اتركني فوالدتي تنتظرني وستقلق كثيراً لتأخر عودتي

– أغلق فمك ولا تجادل فأنت متهم بافطارك العلني في نهار رمضان

– والله ياسيدي أنا أحمل البضائع وأنقلها للناس لأعيل والدتي واخواتي الصغار وعملي شاق لا يمكنني من الصيام

تجاهل الشرطي العتيد توسلات الصبي ونحيبه ومحاولة الناس من حوله ورجائهم له ليعفو  وتابع جرجرته الى المخفر

على النقيض من هذا المشهد المؤلم وفي مجتمع آخر لا يعرف صوم رمضان ولا يفرض الالتزام به لكنه يحترم انسانية الانسان كان هذا المشهد

مجموعة من رجال الأمن مدججة بالسلاح مزودة بمروحيات وأجهزة اتصال متطورة تطارد مطلوباً وسط الزحام وقد أعيتهم مناوراته وصعوبة الامساك به ولكن وبعد جهد جهيد تم الامساك به

– تفضل ان سمحت فأنت مطلوب للمثول أمام القضاء وهذا الأمر الرسمي بذلك

– المتهم يقاوم الاعتقال ويحاول الافلات مرة اخرى

– الشرطيان يحكمان السيطرة على المتهم ويقودانه الى السيارة بكل هدوء ووقار

– يفتح شرطي ثالث باب السيارة الخلفي مخاطباً المتهم تفضل رجاءً

المشهد ليس مختلقاً أو مبالغ فيه بل هو حدث ورد في احدى نشرات الأخبار بالصوت والصورة والترجمة الحرفية وبعد اكمال قراءة الخبر  تبين

أن الشخص المعتقل قد وجهت اليه تهمة (التجسس لحساب دولة اخرى)  !!!!

بغض النظر عن حجم الذنب أو فضاعة الاتهام فالتعامل الانساني مع أعتى المجرمين لا يعد مكافأة أو تشجيعاً لجرمهم بل حماية لانسانيتهم كبشر وصوناً لانسانيتنا نحن الخطائين أيضاً كما أن التعامل الوحشي لا يحد من فعل الذنب أو يوقف الجريمة بل يزيد من أعداد  الأشقياء والخارجين على القانون فالقضاء وحده  يجب أن يقتص من الفاعل بمبدأ العدالة دون افراط و تفريط ولهذه المهمة  اناس متخصصون لتطبيقها أما أنت أيها الشرطي فواجبك ايصال المتهم بكل احترام الى دار القضاء وعدم ارهابه أو النيل من كرامته أمام الملأ  أو محاسبته وهذه ثقافة ايجابية لو قدّر لنا التحلي بها كمجتمع فاضل تشبع بخلق الاسلام الذي يحترم حقوق الانسان ولا يهدر كرامته.