حوار المادة والأداة نظرة في بناء العمل الفني التشكيلي

حوار المادة والأداة نظرة في بناء العمل الفني التشكيلي
ألوان نقية تتحرر من قفص الوحوش
أيمن محمود عبد الله
اعتمدت أكثر المدارس الفنية التشكيلية على الرؤية الفنية وما يتعلق بها من تأويلات ، وظهرت مراحل تشكلها كمرتكزات فنية غالباً ما تصدر عن مجموعة من الفنانين ذوي التوجهات الفنية الخاصة بهم، وهذا ما ينطبق على المدارس الفنية التشكيلية التي انبثقت عن مجموعة فنية اكاديمية، او كانت ذات توجه فني فلسفي شمولي في حقبة ما، او تاثرت بواحد من رواد او عباقرة الفن .
فبعد الانبعاث العلمي والفني الغربي إبان ما سمي بعصر النهضة وبتأثيرات شرقية لاشك فيها، عكف الفنانون والمعماريون والاكاديميون على دراسة وتحليل الإرث الفني الكلاسيكي والرومانسي، جردا وتحليلا ودراسة باكتشاف النسب الذهبية والمثالية التي أعتمدت لدى الاولين، والتي بنيت على الفلسفة الكلاسيكية الجمالية والمثالية . فعند ذلك الإنبعاث العلمي الغربي بعد القرن السادس عشر ظهر الاسلوب الفني الذي أطلق عليه فيما بعد الكلاسيكية الجديدة، تلك التي خلفت لنا ثروة فنية تعتز بها كبرى المتاحف العالمية .. فمنذ أول شعاع لعصر النهضة الاوربية وجد المصورون أن موضوعهم هو الانسان بكل عنفوانه كدعوة إلى إحياء التراث الاغريقي، ثم اتسع المفهوم فاضاف عصر الاصلاح الى اهتماماته الانسان العادي ثم اتجه الفنان في القرن الثامن عشر الى الانسان فكرا وعاطفة 1 . فيأتي العالم الداخلي الوجداني للانسان في المراتب الاولى، فتميز آنذاك التلازم الجوهري بين مادة العمل الفني ذات المضامين الكلاسيكية والمبنية على المثالية في المحتوى والتعبير ..وبين اداة الإخراج والتصميم الفني وإظهار العمل الفني في النسب والاعتبارات المثالية، إذ خضعت تلك الادوات لذات المثالية التي لازمت مادة العمل الفني في المحتوى والتعبير، وكانت جماليات المادة الخام من رخام أو صبغات وطرق إظهارها تفرض خصائصها على العمل الفني، باستعمال التكنيك العالي والذي أعتمد في إبرازه وإظهاره، فبقي العمل الفني الكلاسيكي حينا من الزمن مقيدا بتلك الثوابت المهنية الحرفية العالية في تشكيله وصياغته وإظهار مضمونه ..
وفيما بعد بدأت ملامح الأعمال الفنية التشكيلية تلك النابعة من الرؤية الفنية المتأثرة بأحداث المراحل اللاحقة المتسارعة والصادرة عن الممارسات الحياتية الجديدة والمتعلقة بتغيير التركيبة الاجتماعية والسياسية في أواخر القرن الثامن عشر، بدأت ملامحها تتحور بظهور الرومانسية حيث مجدت الحركة الرومانسية الجديدة الفرد وآمنت بقوة الروح ما فوق المادة فأحاطت شخصية الإنسان بهالة من القداسة ، واحتلت ملكتا الخيال والحدس محل العقل و المنطق ، ولم يعد الفن في ضوء فلسفتها مرآة للحياة ، وإنما مصباح ينيرها ويضيف إليها عوالم جديدة ورؤى من نفس الفنان ذاته الذي اصبح فيلسوفاً ، وكان الموضوع في الفن يتطور تطوراً حثيثاً نحو الأجواء الحالمة ، فظهر الإنسان بطلاً لأغلب أعمال هذه الفترة 1 ، وقد تكامل على يد الفرنسي ديلاكروا والذي اعتبر بحق رائداً للرومانسية الفنية ، إذ كانت أعماله الشهيرة كالمدوسة والحرية قائدة الشعوب وصيد النمور تعبيراً صريحاً عن الشخصية البرجوازية الغربية آنذاك بإنفعالاتها وتطلعاتها ومعاناتها ، وبقيت تقنية إظهار العمل الفني ما تزال خاضعة للحسابات والمقاييس الجمالية المثالية الكلاسيكية ومحاكاتها للطبيعة في عناصر تكوينها الخيالية وإظهارها .
فكانت مهارات إظهار العمل الفني الرومانسي والكلاسيكي مبنية على الدقة المتناهية فيها، وخضعت لاصول حرفية مهنية تكاملت على ايدي اساتذة عصر النهضة والتي تسبقها رؤية فنية لإحتواء وتفسير العالم آنذاك، تلك الاصول الحرفية المتقدمة التي اعتمدت المهارات اليدوية للفنان كاي حرفة اخرى ، من معرفة لقواعد المزج الدقيق للصبغات لإظهار الظلال والشخوص بشكلها ومعرفة قواعد المنظور الهندسي وما يتبع ذلك من مهارات فرش وكشط وتنعيم الألوان على وفق الاصول الكلاسيكية.
فبقي التلازم وثيقاً بين مادة العمل الفني التقليدية وفحواها والنابعة من رؤية فنية مثالية محورها الإنسان كقيمة عليا ، وبين اداة إظهاره سواء أكان عملاً ذا بعدين رسوماً او ثلاثة أبعاد منحوتات ونصب وتفاصيل معمارية .
وفي القرن التاسع عشر الذي ظهرت فيه الكثير من المفاجآت والإكتشافات العلمية أصبحت مواضيع الفن تتمحور حول ما يراه الإنسان في عالمه المرئي وفقاً لقوانين الضوء والتحليل الطيفي ، والتي منها إنطلقت جماعات التأثيريين والإنطباعيين ، وخرج العمل الفني عن المواضيع التقليدية متأثراً بالواقعية الأدبية من جهة أميل زولا والإكتشافات العلمية من جهة أخرى ، فكانت اللحظة التسجيلية الزمنية هي الأهم في السبق الفني آنذاك فمع تغير الضياء والالوان والظلال تتغير الجماليات المرجوة والمعتبرة في العمل الفني ومن ثم تتغير صياغة اللوحة والتي صارت تنجز بأسرع وقت تتبعاً لمسار الضوء بضربات فرشات متتالية وبألوان نقية pure لا تعتمد التدرج التقليدي السابق وبتضاد غير مقصود بين الألوان الدافئة والباردة ، فظهرت جماليات لم تكن معهودة والتي ما زلنا نسميها اللمسة الفنية، إذ تبقي على خشونة أهداب الفرشاة المستعملة في العمل، مما أعطى تعبيرا أكثر عفوية وصدقا للعمل الفني، وكان أن تطورت بعدها أغلب المدارس الفنية باكتشاف الأثر العفوي للمتلقي والاستثارة الكامنة في لمسات غير مهذبة بالفرشاة لم تعتمد المهارات التقليدية السابقة من فرش وتنعيم لللالوان .
الالوان النقية
وأثناء تلك التحولات في الرؤية والإخراج عرض هنري ماتيس وجماعته رسوماتهم المفاجئة ذات الالوان النقية والتي فاجأت الجميع في حينها، واطلق عليها بعضهم قفص الوحوش حتى غدت الوحشية اسما معلما على تلك الاعمال المنفذة بالالوان النقية، واستعمل الورق الملون الكولاج لملأ مساحات واسعة من اللوحة لاول مرة في تأريخ الرسم، والذي صار فيما بعد تكنيكا فنيا مبدعا أكثر إثارة وجدة في إبراز العمل الفني جنبا الى جنب مع الالوان المائية والزيتية والكرافيك وغيرها، وظهرت بعدها التعبيرية التي آمن روادها بأن الجمال كامن في كمال التعبير، ورفض الجمال بمفاهيمه التقليدية، لأن المواضيع التقليدية كانت قد استنفدت أغراضها بعد أن بليت المواضيع القديمة وفقدت إغراءها الساحر للفنان وتأثيرها العاطفي من خلال النظرة العلمية المحايدة والصارمة تلك التي ما لبثت أن سلبت الانسان ما كانت من مكانة، إذ لم يعد مركزا للوجود كما كان 1 .
وبعدها توصل الفنانون إلى نظرياتهم في الفن من خلال التخلي عن الفكرة القائلة بان الصورة هي صورة لشئ مرئي، ومن هنا تحول الفنان الحديث الى أن يعتد بتشييد لوحته كموضوع لفنه، وبالتالي ينتج كل تلك التصاوير المثيرة التي عرفها القرن العشرين ووجد فيها الفنان ملاذه في الفن لذاته 1 فكان أن ظهرت المدارس الفنية الحديث المتعاقبة تلك التي طغت عليها آلية التعبير والاداء في العمل الفني على المحتوى المبني افتراضا على رؤية فنية نابعة من مؤثرات اجتماعية أو فكرية خاصة، فكانت التكعيبية التي قامت بتحليل عناصر اللوحة الى أشكال هندسية بدائية بإخضاعها الشكل الى تجزئات مستقيمة وصارمة وتحويله الى تراكيب متراكبة من الاشكال الهندسية النقية من مكعبات ومخروطات متضامّة لتبقى من أبرز المدارس الفنية ثورية في القرن العشرين بمضمون وآلية الإظهار الفني، ثم تتالت بعدها الاتجاهات العديدة من مستقبلية ، بجعل الصورة ذات أبعاد حركية، و سلريالية على انها حالة ذهنية مشوشة، و تجريدية .. والعودة أخيراالى بساطةالتعبير وصدقه في ما أسموه ب الساذجة في رسوم روسو التي اعتمدت التسجيلية التفصيلية لمشاهدات عادية 2 .
إذا، فقد اتسمت أغلب الفنون التشكيلية الحديثة بسيادة عامل التكنيك والذي ارتبط اخيرا بالتجريد، حتى أن نقاد الفن هاجموا الحركة السريالية في الرسم _خصوصا_بقولهم أنها تمثل ردة في الاسلوب، إذ تجعل للصورة محتوى أدبيا، بينما اتجه الفن منذ سيزان في أواخر القرن التاسع عشر نحو التشكيل الصرف وإهمال المضمون 3 .
وعموما فقد طغت المناحي التجريدية في التشكيل الفني على فرضية توظيف اللوحة لحالة ما حتى غدت تعبيرا صارخا للمهارة العفوية المختصة بفنان ما، دون الالتزام بقواعد مدرسة او منهج في التحليل الاولي او التعبير، وهذا ما خالفه كثير من نقاد وفلاسفة الفن المعاصرين كفيلسوف الفن Alain الان 1868 1951 والذي كان محور نظريته في الفن هو تمرده على النظريات التقليدية في الالهام واهتمامه بربط الفن بالصناعة المتقنة لأن المرء لا يبتكر إلا حين يعمل، فالفنان إنما هو صانع قبل أن يكون فنانا، إذ الفن ليس حلما أو تأملا فارغا، بل هو صناعة وتحقيق وتنفيذ، والواقع أن ألان يقرب الفن من الصناعة لأنه يرى فيه جهدا إبداعيا يستشعر فيه الفنان مقاومة المادة، فضلا عن أنه على وعي تام بما يتطلبه الفن من جهد شاق ومران طويل وصنعة ممتازة .
ومهما يكن فان اهتمام الفنان ليس منصرفا الى انفعالاته وعواطفه، بل هو منصرف أولا وقبل كل شئ إلى الموضوع نفسه، وحتى إذا نسبنا إلى الفنان صفة التأمل فلا بد أن نتذكر أن تأمله هو ملاحظة أكثر مما هو حلم يقظة، ولهذا فان الحرية الفنية لا بد من ان تقوم على دعامة من النظام المادي الصارم، وإلا فإنها لن تكون إلا فوضى خاوية لا معنى لها، فالمخيلة المتسكعة لا تعرف سوى الامل والتمني، بينما اليد الصانعة هي التي تقوم على التنفيذ فتصطدم بعوائق المادة وتحاول في ذات الوقت الإنصات إلى الموضوع ، وربما كان من أفضال المادة على الفنان أنها تعلمه _من خلال مقاومتها وتمردها_ ضرورة عصيان شيطان الإبداع وإغراء السهولة والتسرع، ومع هذا فالنشاط الفني يمثل فاعلية حرة هي ابعد ما تكون عن مجرد الخضوع للطبيعة أو التعبد للواقع، ولكنه لا يذكر أن الفنان بحاجة ألى تأمل الطبيعة ودراسة نظامها ومعرفة أشكالها، وهو في حاجة ألى تنظيم الطبيعة والكشف عن ايقاعات جديدة والاهتداء إلى جماليات أخرى، وتتجلى أصالته في أسلوبه النادر وطريقته الفريدة في التعبير . 4
النحت الحديث
وقد كان من آراء النحات الفرنسي الكبير أوجست رودان رائد فن النحت الحديث أن الفن عاطفة لكنها من دون علم الإحجام والنسب والألوان، ودون المهارة اليدوية، لا بد من أن تظل العاطفة القوية الجياشة عاجزة خائرة مشلولة، والفنان الذي يهمل الصنعة بعيد كل البعد عن بلوغ غايته، ألا وهي التعبير عن الشعور والأفكار وانه لا يمكن أن يغني إلهام مفاجئ عن العمل الطويل اللازم لإكساب العين القدرة على الالمام التام بالصورة والنسبة، وجعل اليد تنصاع لأوامر الشعور وتجري مجراه . 5
ولكن مع اتساع مفهوم الفن التشكيلي في العقود الاخيرة من القرن العشرين، بدت كثير من الأعمال تفتقد إلى إي مقومات للعمل الفني، سوى أن تكون مساحة ما محاطة بأطر خشبية أو برونزية رقيقة وثمينة، وقد أثار هذا الامر حفيظة الكثير من النقاد الأكاديميين مثل الناقد الفني جان كلير والذي أصدر في أواسط الثمانينيات من القرن العشرين كتابا أثار ضجة في ألأوساط الفنية والنقدية بعنوان تاملات حول الحالة الراهنة للفنون الجميلة دار كاليمار 6 وكان المؤلف قد أتم دراسته ألأكاديمية في جامعة هارفارد الأمريكية وتخصص في تأريخ الفن والقيم الجمالية، ثم شغل منصب رئيس تحرير واحدة من أهم المجلات الفنية الرائدة في الفن الحديث، وشغل منذ 1975 أمينا لأحد المتاحف الحديثة في باريس، وقد قال فيه لم تكن السنوات الأخيرة في تأريخ الفنون الجميلة سنوات عادية فقد ازداد حجم الإانتاج الفني وانحسرت المدارس والتيارات الفنية التي شهد القرن العشرون الكثير منها، هذه مفارقة هي التي تميز الحالة الراهنة آنذاك للفن التشكيلي .. وقد قال لم يعرف التأريخ عصرا انقطعت الصلة المنطقية بين تفاهة الإنتاج من جهة وتضخم الكم والنوع في المحاولات التي تبذل لعرض هذا الإنتاج من جهة أخرى، فكلما ازداد سخف العمل الفني وتفاهته زادت محاولات تفسيره وتقديمه بأساليب إنشائية أشبه ما تكون بمهارات البهلوانات، ويضيف ومع ذلك فمن اليسير أن يلحظ المرء رغم كل المهارات المستعملة أن هؤلاء الداعين قد فشلوا تماما في معالجة الهزال والضعف للكيان الفني الحديث، ثم لا يلبث أن يضيف اقتراحا بتشييد مبنى لا يضم سوى اللوحات الفنية على مر العصور، وذلك لكثرة ما استعمل من مواد مبتذلة أبعد ما تكون عن الفن أو القيم الفنية الجمالية مثل النفايات ومحتويات صفائح القمامة والخرق البالية والأسلاك الشائكة والمواد الغذائية المتعفنة والبقايا الادمية المتحجرة ألى ما لا نهاية من هذه البدع المبتذلة والدخيلة على الفن، ويضيف إن الفن الحديث قائم على قطيعته بالتراث ونفس الشئ بالنسبة للحاضر ونبذه، فالفن بعيدا عن استلهام الواقع المعاصر له لا يقل موتا وجفافا عن الفن بعيدا عن الأصالة والتراث، ويتساءل المؤلف لماذا لم نعد نرى في متاحف الفن الحديث إلا الأعمال التافهة التقليدية في تكرارها، الشديدة الملل في تفاهتها، وخصوصا ذلك الكم الهائل من الاعمال التجريدية الخالية من اي مضمون فني أوفكرة، وكلها أعمال يصرون على شرائها ومدحها والتعليق عليها، وعرضها أمام جمهور لا يكترث بها ولا تعنيه؟؟
وكان أهم ما أكده الناقد الفني جان كلير في مذاهب الفن الحديث إجمالا هو محاولتها طمس معالم الأصالة الذاتية لكل شعب وفرض نمط واحد، ويرى أن هذه المحاولات قد باءت بالفشل إذ أفرغته من أهم مقوماته وهو التعبير عن الأصالة الشخصية المتميزة لكل بلد .
الفن الحديث
ويخرج جان كلير بان تضاعف هذه الظواهر لا يدل الا على شئ واحد ؛ هو أن هذه الجماليات الحديثة قد أستنفدت أغراضها وأنه لم يعد لديها ما تقدمه من جديد حتى في هذه الشكليات المتكررة، ويجزم ان سهولة الاداء والعشوائية التي سادت الفن الحديث والجري وراء الاساليب العفوية لسنين أدى إلى ضياع التمكن من التقنية والاداء السليم وأساليبه الاساسية، وهو لا يشك ان سهولة هذه الوسائل المستعملة قد أدت الى تخريب الجانب المهني والمهارة الذاتية، ويختم بأن الامل الوحيد لكسر حالة الركود والتكرار الاجوف الذي نجم عن هذه السنين الطويلة من العبث العفوي والمقصود هو العودة الى التراث والواقع والاصالة الذاتية لكل بلد ولكل فنان . 6
الأظهار المعماري والكرافيك الهندسي وكمثال لإعتبار المهارة الفنية الحرفية في العمل الفني نستطيع أن نعد ألأظهار المعماري فنا تشكيليا لا يعنى الأ بإبراز العمل المعماري وإيضاح الفلسفة التصميمية الخاصة بالمنشأ المعني لرب العمل، إذ لم يحو أي مضمون فني دون المضمون الهندسي المعماري بل يبغي تقريب الفكرة المعمارية وإيضاحها بأفضل السبل ، لذا وعلى الرغم من دراسة الكرافيك والتخطيط بالفحم والحبر ودراسة قواعد المنظور في جميع أكاديميات ومحترفات الفنون ، فلم تعرض الأعمال التخطيطية المعمارية على أنها أعمال تشكيلية يوماً ما، ليكون المقصود من اللوحة كيان مستقل ذي أداء مباشر ، ولم تعرض يوما ًما لوحة معمارية في مزاد أو في أحد أروقة الفنون ، إذ أن إهتمام المعمار المصمم ينصب نحو إقناع رب العمل وتنفيذ مشروعه على أرض الواقع وإعتبار هذا المنجز هو الاهم والمبتغى الامثل لمسعاه في العمل ، وهذا لا يمنع من إبداع كثير من المعماريين في إنتاج أعمال فنية هي الروعة في الاداء والاثارة ، ونجاحهم في إخراج لوحات تخطيطية لا تستند إلى رؤية فنية، بل تحتكم فقط إلى جودة المهارة الفنية المهنية، بل غدت جودة الإنتاج وإبداعه هي أول المؤشرات على نجاح وكفاءة المهندس المعمار وقدراته الفنية والعلمية وحتى التنفيذية .
واقع الفنون التشكيلية العربية وفق الإعتبارات السابقة نظرا للتباين الشاسع في الإتجاهات الفنية الحديثة مضمونا وتعبيرا وإظهارا فقد غدت لأغلب التشكيليين العرب إتجاهات معينة في الرؤى الفنية ومعالجة الموضوع متأثرين بالاكاديميات الغربية التي درسوا فيها والمحترفات الاستوديوهات التي تدربوا بها، حتى يستطيع الناقد أن يميز الأعمال الفنية لكثير من الفنانين التشكيليين العرب للتكرار البين من إستئثار لون معين أو نوعية من الخطوط والتكنيك الفني، وآلية التعامل مع اللون وغير ذلك، لذا فقد نجح أولئك الذين تبنوا الاصول الجمالية للفنون الشعبية التقليدية أو اولئك الذين تبنوا التراث الحرفي المحلي في الحفر على الخشب أو الطرق على النحاس والمعادن او تلوين الزجاج، والذين استلهموا من المدرسة الاسلامية الزخرفية الارابسك أو الحروفيون الذين طوعوا الحرف العربي في جماليات تشكيلية مبتكرة، او أولئك الذين درسوا وابدعوا في المنمنمات الشرقية.
وعند مراجعة الفنون الاسلامية الزخرفية نرى انها اتسمت بارتباطها بالشكل الهندسي او الزخرفي النباتي المحور تلك التي استندت على أسس ثلاث
أ العلاقات المتكافئة والمفهومة بين عناصر التشكيل الزخرفي والمنبثقة من المفهوم الأساسي بوجود الانسجام والمنطقية والجدوى من الحياة والوجود ، لذا فقد طبعت الفنون الإسلامية عموماً على أساس أن عناصرها تتمتع بعلاقة إنسجام جدلية أو تضاد متكافئ بين عناصر التكوين الفني .
ب إرتباطها بالحرف الوظيفية لأن الفنون لم تكن فنوناً مجردة دون أداء وظيفي محدد تعرض بأروقة الملوك ، أو دينية تسند معتقدات ما ، وكانت هذه الحرف من بنائية أو نسيج أو تذهيب الكتب أو مصوغات وزينة الأسلحة تتمتع بطابع خاص بكل إقليم بسبب توارث الأبناء لمهنة الآباء سابقاً وتطويرها ضمن ذات السياق الفني الحرفي المتوارث ، يتم تطويرها ضمن مدى محدد عادة لا يتجاوزه ، وارتبطت تلك الفنون بالمواد الخام المتوفرة وتقنية إستعمالاتها والمهارات المكتسبة .
ج إستعمال البعدين بشكل مكثف لعدم الإهتمام بالبعد الثالث العمق إلا أن يكون البعد الثالث مبينا لفكرة العمل الفني ذي البعدين، كالزخارف النباتية المحورة التي تتشابك وتظهر على ثلاثة مستويات مع عدم الرغبة بتجسيم العمل فيظهر منفصلا عما يحتويه .
لذا فقد ظهرت فجوة بين الجمهور المتلقي والكثير من الفنانين الذين اعتمدوا السياقات الحديثة في إنتاج العمل الفني التشكيلي، إذ لم تستطع شرائح من الجمهور التجاوب مع جميع تلك الأعمال بمنزلة واحدة لعدم قناعة الذوق الشرقي بالتكنيك العفوي الذي ساد في الغالب .
بينما كان التجاوب عاليا مع الفنانين الرواد في العراق ومصر والذين استطاعوا ان يقربوا المفاهيم الفنية الحديثة الى الذوق السائد أو الذين تبنوا التراث الفني الشرقي الحرفي أو أحيوا المنمنات الشرقية، والتي تصور طبيعة الحياة الشرقية التقليدية بعاداتها وتقاليدها وسلوكها، وما يتعلق بها من أحداث ووقائع تأريخية أو أسطورية، أو الحرف التزيينية للأطر وألأبواب والمقتنيات الشعبية القديمة، أو الحروفيون الذين طوعوا الحرف العربي بإكتشافهم لإمكانات شكلية تعبيرية مضافة إليه، أو الذين جعلوا من عالم اللوحة عالما مألوفا وقريبا بإستعمال تقنية الكولاج أوالسدو والنسيج المحلي والفوتغراف بشكل معبر أقرب إلى الذوق الزخرفي الشرقي..
/5/2012 Issue 4209 – Date 26 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4209 التاريخ 26»5»2012
AZP09