حقوق الإنسان وأزمة الحرّية السياسية

حقوق الإنسان وأزمة الحرّية السياسية

معتصم السنوي

يفتح المفكر المصري الدكتور صالح حسن سميع مؤلفه الموسم (أزمة الحرية السياسية في الوطن العربي) الصادر عام1988 في القاهرة عن دار الزهراء العربي/ قسم النشر- بمقدّمة يبدؤها.. من الحقائق الثابتة من أنَّ حقوق الإنسان، وحرياته الأساسية لصيقة بشخصه، وأنّ كمال إنسانيّته ونقصانها مرهونتان بقدر ما يتمتع به من حقوق، وما ينعم به من حريات، ومن هنا قيل: الإنسان بحقوقه وحرياته فإذا كان يملك كل الحقوق والحريات كانت إنسانيّته كاملة، أفتأت أحد على حق من حقوقه أو حرّية من حرياته الأساسيّة أو أنتقص منها، كان في تلك الأفتاءات أو هذا الانتقاص انتقاص، واعتداء على إنسانيّته، وكلما تعددت الحقوق والحريات التي تسلب من الإنسان، يكون الانتقاص من إنسانيته بنفس ذلك القدر، ومما لا ريب فيه أنّ الإنسان الذي لا يتمتّع بحقوقه وحرياته الأساسيّة لا يشعر بحضورٍ فعال في الوسط الاجتماعي والسياسي الذي يعيش فيه، بل يشعر بالإغتراب الاجتماعي والسياسي، وما يترتب على هذا الشعور السلبي من عدم مبالاة واكتراث بقضايا الجماعة إن على الصعيد الداخلي، وأن على الصعيد الخارجي، وبهذا لا يمكن أن يكون هذا الإنسان عنصراً نافعاً وفعالاً في مجتمعه، فلا يستطيع أن يقّدم لوطنه ما بوسعه تقديمه من إبداعٍ وخير لصالح المجموع. ومن استقراء تاريخ النظم السياسيّة نصل إلى حقيقة مؤداها: أنّ الاستبداد السياسي هو مكمن (الداء) في انتقاص أو انعدام الحقوق والحريات الأساسيّة للأفراد. فما من ثورةٍ قامت، وما من نظامٍ سياسي إنهار إلاَّ وكان (أنعدام الحرّية السياسية) – بضماناتها القانونية والواقعيّة- هو بداية النهاية لأي تنظيم سياسي ذلك أنَّ الحريّة السياسيّة تعقبه الكثير من التداعيات السلبية التي تؤدي في النهاية إلى انهيار النظام السياسي القائم، وهذا ما وقع وشهدته المنطقة العربية بتساقط الأنظمة الدكتاتورية كأوراق الخريف الذابلة بل وكأنها أنظمة (كارتونية) رغم ما اتخذته من إجراءات أحترازية من أجل بقاءها أطول فترة زمنية مستخدمة أسلوب (التوريث) والقهر والظلم بكل أنواعه القسرية..! ففي البداية تصاب (الجماعة) باستبداد سياسي يتمتع به (الحاكم)، فتمارس الحريّة السياسيّة في (دائرة مغلقة) فتنعدم معها كل سلطةٍ حقيقية للشعب،  وتضيع كل أو معظم مظاهر الحريّة السياسيّة التي تمكَّن أفراد للمجتمع من المشاركة الفعليّة في حكم أنفسهم في إطار المقومات الأساسية التي ارتضوها. ويترتب عل الاستبداد السياسي وانعدام الحريّة السياسيّة ضياع الحقوق والحريات السياسيّة للأفراد. فالنظام السياسي الذي يمارس الحريّة السياسيّة في دائرةٍ مغلقة، لابد وأن يتنكّب الصواب (فينكَّل) بمن يتصوّر أنهم خصومه-حتى وإن لم يكونوا من خصومه-ولا يعبأ بالحريات الشخصية أو بغيرها من الحريات الأخرى. ويتزامن مع (ضياع) الحريّة السياسية والحقوق والحريات الأساسية، ضياع في (العدل الاجتماعي، وتفسير هذا المآل السلبي للعدل الاجتماعي هو أنّ الأستبداد السياسي لابد أن يفرز -بحكم طبيعته- فئات صغيرة مستغلة تعين المستبد وتؤيده، وتزَّين له صنيع أعماله، وقد تتكّون هذه الفئات الصغيرة من شرائح اجتماعيّة مختلفة، ولكنها في النهاية (تأكل على مائدة واحدة)، وهذه الفئات الصغيرة التي لها أسنان (القرش) الأزرق الحادة، لابدّ وأن تتمتع بامتيازات كثيرة (تصول وتجول في الساحة السياسية) وتتسلّط على الكتل الشعبيّة التي لا تدخل (الدائرة السياسية) التي استأثر بها (الحاكم)، وتنعم بما تشاء من مزايا السلطة والثراء والجاه، ويترتب على هذا الوضع (أهتزاز) في قيم المساواة، فتكون التوترات الاجتماعية والاقتصادية والسياسيّة هي الأمر المؤكد في هذه الحالة. وفي النهاية (ينهار) النظام السياسي بثورة أو بانقلاب عسكري وهذا ما حدث ويحدث في البلدان العربية وتكون الأمّة خائرة القوى أمام التحديات الكبرى، داخلياً وخارجياً. وفي استقرار الوضع السياسي الحالي في الوطن العربي ما يؤكد الحقيقة السابقة بكل تداعياتها فمنذ بداية الخمسينات وحتى يومنا هذا يُنظر إلى الحريّة السياسيّة بكل ضماناتها (بعين الشك والرّيبة في أغلب الأحيان لاعتبارين:

–               الأعتبار الأول: أنها  تقف حجر عثرة في طريق التنمية الشاملة، فالتنمية الشاملة لا ينفع معها من أنماط النظم السياسيّة إلاّ (النمط الشمولي) بما يقتضيه من مركزيّة الدولة التي تقوم بالتخطيط، ويلتف الشعب من حولها للتنفيذ.

–               الأعتبار الثاني: أنها لا تتناسب مع الاستعدادات الجارية لخوض معركة المصير مع (إسرائيل) التي احتلت منذ عام 1948 أرض فلسطين وشردت أهله. ومن هنا برز الشعار العربي المعروف بأن (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة).

تغيير معالم

وقد أثبتت الأحداث اللاحقة عدم صحة المقولتين: فلا التنمية تحققت عند مستوياتها المطلوبة، ولا إسرائيل رحلت عن الأرض التي أغتصبتها بل تمادت في تغيير معالم القدس الشريف واستمرار بناء المستوطنات وما زالت تحتل الجولان السورية ومزارع (شبعا) اللبنانية.  ومن ثم ظهر القول: بأنَّ الحريّة السياسية بكل ضماناتها هي الأرض الصلبة لبناء التنمية الشاملة، وأنّها حجر الزاوية في بناء جبهةٍ داخلية قوّية بيحث تكون قادرة على مواجهة التحديات الخارجيّة. مما تقدَّم يظهر الدافع لإيثارنا هذا الموضوع على ما سواه من موضوعات لأننا نعتقد رغم أهمية (البعض) منها ولا أنها تصبح عديمة الجدوى في حالة عدم تحقيق الحرّيات السياسيّة فالحرية السياسيّة في العالم العربي تعاني من أزمة شديدة لا تخطئها العين سواء على صعيد (الفكر) أم على صعيد (الممارسة)، وقد أثبتت الأحداث التي وقعت أن الحريّة السياسيّة في إطار منظومة القيم الحضارية للأمّة العربيّة، هي الشرط الأول لبناء الشخصيّة السوّية القادرة على النهوض من الكبوة الحضاريّة التي يحياها المواطن، والوطن العربي في الوقت الراهن..!