حطّابنا وربيئة وادي السلام

حطّابنا وربيئة وادي السلام

زينب الخفاجي

أن تحاول الخوض في غمار نص أدبي لجواد الحطاب فهذا يعني أنك تدخل مضمار التحدي الصعب فمن العصي جدا أن تفك رموز مفردات منتخبة بدقة تقرأوها فيخال إليك أنها سلسة سهلة وما أن تتمعن في معناها وصولا الى مبتغاهاحتى يتضح لك نسق شعري صعب هو السهل الممتنع الذي انتهجه الشاعر طريقا لإيصال أفكاره التعبيرية إلى المتلقي …الشاعر ابن بيئته ولسان حالها الناطق وهذا لا يختلف عليه إثنان ولعل أحد أهم وأصدق الأغراض التي ينبغي أن ينظم فيها الشاعر هو (الرثاء )فن مديح الموتى ،وتمجيد صفاتهم لتخليد ذكراهم مما يتوجب اتسام هذا الغرض بالصدق القولي ونزاهة العاطفة والشعور لأنه يتعلق بالحقيقة الوحيدة المؤكدة في الحياة إلا وهي (الموت )النهاية الحتمية لكلابموجودات ،لذا نجد قصيدة الرثاء حقيقية صادقة تحمل معاني الفقد والألم وتجرع مر الصبر والحرمان والبعد الأبدي عن الفقيد أو الميت ،لا يحتمل أن تكون قصيدة الرثاء مدعاة للمبالغة والكذب من باب (أعذب الشعر أكذبه )لذا أجدها قصيدة متوجة بمشاعر اللوعة الصادقة وحرقة ألم الموت ذاك الذي يهددنا مع كل شهيق قد لا نزفره ،هذا بوجه عام فكيف إذا تعلق الرثاء ب(الأم  )أصدق العلاقات الإنسانية الوطن والحضن الدافيء والأمان ،كيف ستكون قصيدة في رثاء الأم !!! كيف ستنتخب ألفاظ تشخص معنى غياب الأم ،أي نص هذا سيحمله فوق عرش الإبداع ؟نفثات صادقات وكلمات عارية من مغالاة الشعراء ،غير خاضعة لسلطة وزن شعري يفرض عليها بوحا زائفا يردد استقامة الإيقاع ،الأمر مختلف جدا في نص يتعلق ب(بدرية نعمة )والدة الشاعر (جواد الحطاب )الظيلم ،سأتجاوزكل ما قيل عنه من نقد ،محاولة لتسليط الضوء على نص فريد بمبناه ومعناه وبتلك الفواصل والنقاط التي يتركها الحطاب مساحة لقول إفتراضي صعب التكهن يشترك فيه مع المتلقي ،ويهيم المتلقي في فضاء اللفظ والمعنى باحثا متقصيا عن صورة شعرية ينسجها بحذر لتناسب الرمز أو الأسطورة الأم (بدرية نعمة )أو لعلها الأمهات الراحلات جميعهن ،فثمة شعور بالغيرة غير مسكوت عنه ،فهناك فلسفة جدلية في علاقة الحطاب مع (بدرية نعمة )الرمز المنطلق من بؤرة التذكر التي تتوالدحلقاتها  ولاتستقر حركتها إلا في صور جديدة متوالية وفي رموز أخرى تطلق العنان للخيال بالتصوير  التخيلي وبناء الأنساق فقراءة أولى في نص (بدرية نعمة -قبرها أم ربيئة وادي السلام )تجعلك أمام  ظاهرة تراصف الكلمات المكونة لصور بعضها ببعض لتشكيل قانون الطبيعة وعلاقات الأم بأبناءها،شيئا فشيئا ينصهر هذا الكلام غير آبه لأنه ترك خلفه عمق الصورة الشعرية بدقتها الوصفية وميزاتها  من دون أن تترك خلل في التوازن النصي معتمدا على عنصر الإثارة والدهشة في تدرجه النصي ،ذلك كله يجسد الحدث ويشخص  صورة الألم اللعين بفقد(بدرية نعمة )

أنا الآن من دون بدرية نعمة ؟

للمرة الأولى ،يحدث هذا :

أن تتركني بدرية نعمة :

وتذهب بزيارة مجهولة !!

هههه….معي بدرية نعمة ….أعرف أن الله  صديق شيلتها السوداء. كأفراح القديسين …

أقول لصور القديسين

للأولياء الذين تراقبني  أعينهم

بحنو وإشفاق

أنا في حرز مكين ،فمعي بدرية نعمة ،

لكن يحدث للمرة الأولى :

أن تتركني بدرية نعمة ،

وتذهب -لوحدها-بزيارة مجهولة

لاحظ كم الصوروالمقاربات وتكرار لفظ القديسين -الأولياء وكأنهيختار لوالدته منزلة في عليين وكأنها قريبة من الله لتقواها ،لطيبتها ، لصلاتها وكأنه بوصف منه لحاله حين كانت على قيد الحياة كأنه محصن بحصن أمين متين (بدرية نعمة ) لكنها للمرةالأولى تتركه وتذهب في زيارة مجهولة ،فالموت رحلة الى المجهول لا نعرف شيئا عنها لا أحد مات وعاد ليروي لنا ما حدث معه  هو يعاود تكرار التركيب اللغوي (لكن يحدث للمرة الأولى )تكرار فعل الغياب ، غياب (غياب نعمة)الأم ،غياب الحياةوكأني به من خلال تأكيده المستمر  لفكرة الهجر المباغت التي قامت بها (بدرية نعمة ) يحاول من دون جدوى الربط على قلبه وتصديق فعل لا يختلف عليه أثنان ،الموت حق ،وجميعنا  مقر بهذا الحق إلا حين تأتي اللحظة اللعينة ويكون هذا الحق  مغتصبا منا يتعلق بغياب أمهاتنا الى الأبد بأفول  نجمهن وانتهاء صفحة كتابنا بها آمالا وأحلاما منها ما تحقق ومنها ما هو قيد الانتظار ،كم من حكايا بقيت معلقة  ما بين أفواهنا لم تصل إلى أمهاتنا ،إذ كان الموت أسرع .

مابين اصرارها (بدرية نعمة )على الرحيل المفرد تذهب لوحدها ،..بزيارة مجهولة ) وما بين مراسيم الحزن حكايا قلب مفجوع ،قلب مابين التسليم والتصديق ،وما بين الاستعانة بقوة التذكر وصور ماض بهيج لأم أفنت عمرها وقدمت ما تجود به وأكثر ،كل الأمهات  يتميزن بالتضحية ، لكن بدرية نعمة تميزت عنهن براءة وطيبة ذنوبها غير مرئية ،قدرته العقلية لاتستطيع تصديق (موت الأم )تلك الفاجعة التي تهز كيان الفرد بعنف تاركة الفرد بعنف تاركة ندبا  وآثارا جساما ،فالمرء يشعر بالزهو والفخر حين تكون أمه على قيد الحياة ،أما حين تموت الام ،تموت كل الأشياء الجميلة المنتظرة ،هي التعويذة السحرية ضد كل سوء وهي ترنيمة الدعاء اليومية ،من الصباح حتى المساء ،حطابنا يشعر بالأمان في كنف بدرية نعمة القامة  السومرية المنبثقة من خضم معاناة  الحياة ومن رحم الصعاب لكنها أوجدت الخلود  بطريقتها  بحرز مكين ،وسر دفين ، ومن خلال تراكيب لفظية  متباينة تجتمع  في معنى واحد  يوضح لنا الحطاب  بعض صفات روحية وخارجية  لبدرية نعمة  (نقش الأجداد على جبينك النجم ،وبالأثند والنيل ،بشحم الرماد -رسموا خرائط عودتهم للأرض على يديك ) وكأنه وصف دقيق لصورة الوشم الذي كان يغطي وجهها  (وسيلته الكحل )،وفي أخرى ينوه لنا عن سلالتها  الرفيعة ونبل أصلها (يابنت اثني عشر وليا )-(النور ،الثريا ،الكواكب ،نهر الكحلاء ،الفضة ،رزخونيات الألم )وألفاظ أخرى كلها دالة على  العلو والسمو فقد اختار لفظا راقيا برجوازيا يناسب رمز (الأم )لكنه  يلفظ وصفا يمنح المتلقي صفعة من ألم وحزن (نومك مريب يابدرية بت نعمة ) مابين الشك العقلي والتصديق صورة تحكي عتابا  فكيف للأمهات الخيانة وأن  يغادرون أوكارهن (مريب هذا الرحيل) ثم يستغرق في حزنه واصفا ذاكرا سجادتها ،وشيلتها البيضاء ولعل اختيار اللون كناية لنقاء  سريرتها وصفاء روحها ونكران ذاتها ،لكنها مع  هذه الصفات جميعا رحلت وحدها في رحلة مجهولة …

يعتمد الحطاب في نصه كما عادته في النظم  اشراك المتلقيوذلك من خلال الفراغات التي يتركها بين ثنايا القصيد بين الحين والآخر ،ينزاح قليلا عن  نصه ليوكل مقود حركة الكلمات  ورسم الصور  لمخيلة المتلقي معتمدا  اسلوبا جاذبا يستفز  به شعور خفي  داخل كل منا ليطلق العنان لقريحة الخيال الحر ،فيستفزالتفكير حاثا له على إستكمال النمط  الدلالي من موقع آخر  مختلف لا يخرج عن ركائز أصولية وتأويلات  قولية وإذا بنصوصه صوغ لغوي متماسك مترابط الأجزاء بإنسجام إيقاعي منتخب  وبروز خيال ، ولا ننس ذكر ذلك التناص المحبب واخذ المعنى من النص القرآني  وتوظيفه ضمن نص شعري ،في مثل قوله :(وجاء من أقصى المقبرة قمر  يسعى )تذكرنا بقوله تعالى :(وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى ) وقوله :(تنزل الشمعدانات ،والنور فيك )من قوله تعالى :(تنزل الملائكة  والروح  فيهم )وقول الحطاب :قلت لي :أمن ……فأمنت ….بسملت …وهيللت…وهيلعت..جميعها  وغيرها دالة على التأثر بالنص القرآني ،والموروث الديني والفكر  العقائدي للحطاب …

ثم في آخر المطاف عود على ذي بدء فيقول (يحدث للمرة الأولى )هي تغيب (بدرية نعمة )غيابها جبريا قسريا قاسيا  وما بين القدرة على التحمل،ورفض الحدث كانت هناك  سقطات ابداعية للشاعر جواد الحطاب  أسفرت عن نصوص غاية  بالجمال  والروعة وصدق  الشعور وكأنها نصوص مرئية قادرة على استيعاب الحدث المكلل  بالغياب  ولكنه طرح لا يخلو من جرأة  وتوهج لعلاقة واقعية مابين (الأم والابن  )ولكنها تولد قلقا  إبداعيا وخوفا من الوحدة بعد كل تلك السنوات  مع (بدرية نعمة) التي أرغمت على الموت  فأبى أبنها  البار إلا على  تخليدها  وإقتناص  فاجعة  الموت  إلى  فرصة  الخلود فترك  لنا نورا كاملا  جاء  من مخاض الظلام (بدرية نعمة ) وحكايا لم تنته…

هناك حالة من عدم الاتزان  والاضطراب والجنون إذا ما تحركنا ضد مسار الكون سنواجهها ،هذا بالضبط ما حدث لحظة  رحيل (بدرية نعمة) ساد الصمت ،توقف إيقاع الحياة ،إختل مصدر القوة الكوني للحطاب ،صمت لبرهة من الوقت يستوعب هول الحدث ذاك الصمت  المصحوب بالذهول والذبول لقوة الحدث ومباغتته  وما بين  إيقاع الكون الذي لا نملك ردعه وصمت مذهول يولد الابداع من عجزنا عن ردع  الفاجعة أو تحملها ،فتحلق الافكار  ويقف الزمان شاهدا على تميز  لا متناه………

نلمس وقع مفردات فخمة مترعة تناسب مقام الأم    ومنزلتها في قلب الشاعر ،حري بنا ان نذكر أن هناك  دراسة رائعة نحتت قصيد جواد الحطاب  نحتا مثلما يفعل هو بنصوصه   فيشذبها ويقومها حذفا أو إضافة ،تلك هي دراسة الدكتور (عبد الرضا علي ) (نثار الذهب)إذ يصف (غبار الذهب بأنه نتاج حرص البريق ومن الممكن  جمعه ثانية  وصناعة  مصوغات ربما تكون أجمل وأروع من العمل الأصلي ،لكنها ليست هو بالتأكيد )تحدث عن نحت القصيدة وكيف أن الحطاب يستمر في تشذيبها ونحتها فتستوي صورتها أخيرا بما يصلنا منها …

هذا (نثار الذهب)كان محاولة جديدة ودراسة بكر رصينة لنص (بدرية  نعمة )جاد بها قلم الدكتور  عبد الرضا علي ،صورت ذاك النثار الاليم والحالة النفسية للشاعر الذي رسم حزنه موظفا كل العناصر والموجودات التي تعبر عن عمق الفقد وألم الفراق عبر مونولوج وحوار داخلي. ذاتي يستطرد بوساطته الحطاب وصف مشهد الفقد وموت الأم ،وهو مشهد على قدر ما يحمل من خصوصية إلا أنه وصف لمشهد عام جميعا معرض للابتلاء فيه .بدرية نعمة الثيمة التي جسدت نبل الوشيجة مابين الابن والأم ….