
حسن العاني … هل ما زال ينتظر الملك ؟
إنطباعات تموز 1958
باسم عبد الحميد حمودي
استطيع الادعاء من دون محاذير ، بان الكتاب الذي بين ايدينا ( بأنتظار الملك – 100 مقالة صباحية ) والصادر عن ( شبكة الاعلام العراقي / بغداد – 2020 ) يعد امتداداً او استكمالاً للكتاب الذي سبقه ( دفتر صغير على طاولة – وجوه وحكايات) ، الصادر عن ( دار شهريار للطباعة والنشر – البصرة /2009 ) وليست مجازفة اذا زعمت بانه يمثل ( الجزء الثاني ) من كتابات العاني في ميدان المقالة الصحفية ، حيث لا أهمية تذكر للفارق البسيط بينهما ، فالكتاب الأول اختص بتناول 75 شخصية من شتى التوجهات : عامة وسياسية وصحفية وثقافية وفنية …الخ ، حيث يروي المؤلف موقفاً جرت احداثه بين الشخصية وبينه بصورة محايدة وواقعية ، وبعيداً عن أي نقد او مدح او تزويق ، ومعظم تلك الشخصيات على قيد الحياة مثل فؤاد معصوم والصحاف وعلاوي والعبادي وبهجة الجبوري وخضير الحميري ونرمين المفتي وعبد الزهرة زكي ومنى سعيد وسعد البزاز وغيرهم ، وتم نشر هذه المقالات في العديد من الصحف والمجلات وفي ازمنة متفاوتة … بينما حين اختار في ( انتظار الملك) مئة مقالة صباحية كانت محدودة الزمن 2016- 2019) وجميعها من منشورات جريدة الصباح ، ولا علاقة لها بأشخاص او مواقف مع شخصيات قدر عنايتها بظواهر عامة ومواقف واحداث ، وهذه الفوارق بين الكتابين لاتمثل أهمية تذكر ، لان أساسها واحد، كونها تنتمي الى فن المقالة ، ولان خصائصها الاسلوبية واحدة ..
كتابات صحفية
المتابع لكتابات العاني الصحفية – بشيء من التأمل – سواء في كتابه الأخير ام في عموم نتاجه الإبداعي صحفياً على مدى اكثر من خمسة عقود ، يستطيع ان يتلمس بقدر من الوضوح جملة مسارات ( لايكاد) يبتعد عنها، في المقدمة منها ظاهرة الكوميديا التي تعبّر عن نفسها بصورتين ، الأولى مايمكن تسميتها بالكوميديا السوداء التي تتوافق تماماً مع العنوان الرئيس لزاويته التي تنشر في الصباح ( … مايضحك) منذ عدة سنوات والتي تحمل مقالاته ، وهذا العنوان في حقيقته تعبير مجتزأ من القول المأثور ( شر البلية مايضحك) ، وبناء على ذلك فان الكوميديا هنا ليست مصطلحاً قائماً بنفسه ، بل هي ( نتيجة) لسبب هو البلية .. او بالأحرى ( شر البلية) ، اما الثانية فيراد بها الكوميديا بمفهومها المتعارف عليه ، وهو الضحك او رسم ابتسامة ، وهذا النوع على وفق ملاحظتي لايلجأ اليه الكاتب الا لضرورات تفرضها احياناً طبيعة العمل او الظروف او المرحلة … ومع ذلك فالكوميديا بنوعيها واحدة ، مع فارق في هوية الابتسامة ودوافعها ..
بغض النظر عن ( الضربة) التي انفردت بها مقالات العاني او اقتربت من الانفراد – ويراد بها ( بضعة الاسطر القليلة التي تمثل خاتمة المقالة) حيث يعمد المؤلف الى مفاجأة المتلقي ومباغتته بما لايقع ضمن حساباته ابداً ، لانها تنحرف بالمسار الى وجهة غير الوجهة التي اعتمدتها خطوات المقالة التقليدية الطبيعية ، انها على وجه التحديد تخرج عن السكة الاعتيادية ، متحولة الى سكة العودة او اية سكة أخرى من غير اعلان ولاتمهيد ولامقدمات ، مثيرة من حولها زوبعة من فوضى الحزن او الضحك الى حد البكاء … أقول : اذا تجاوزنا خاصية ( الضربة) فلابد من الإشارة الى ثلاثة عناصر لايصح اجراء عملية تفاضل فيما بينها ، الأول : عنصر الدعابة الذي يتسم بخفة الدم ويقترب من الدغدغة .. انه مزاح من اجل المزاح خال من الايذاء او العدائية المبطنة ، لاحظوا اهداء الكتاب ( الى حبيباتي الرائعات اللواتي ما زلن يقاومن مخاوف العمر بادعاء الشباب ودلع النساء …الخ) حتى اذا انتهى من هذا التقديم الاولي ، ذكر لنا ستة أسماء من حبيباته الصحفيات ، كل واحدة على وفق زمن التعارف ومكانه … وعند الاسم الأخير يفاجئنا بدعابة جديدة ( نرمين المفتي – 540 ق.م / الجنائن المعلقة) – وهي إشارة ظريفة الى قدم التعارف بينهما – كما يمكن ان نلاحظ مقدمة الكتاب نفسها التي اسماها ( مقدمة فنطازية) ، فهي عامرة بالدغدغات الناعمة .. فعندما نقل له زميله الصحفي يوسف المحمداوي خبر استعداد رئيس شبكة الاعلام العراقي يومها ، السيد فضل فرج الله لطبع كتابه على نفقه الشبكة وهو لم يلتق به او يتعرف عليه ، وصف المشهد على النحو التالي ( فانا لم اتشرف بالتعرف على السيد فضل فرج الله ، كما لم تجمعني به اصبوحة للاحتفاء بمبدع عراقي ، او أمسية لاختيار ملكة جمال بغداد …الخ ) ، وهناك الكثير من المقالات تعتمد الدغدغة والمزحة البريئة، ويمكن الرجوع مثلا الى مقالة ( حلاوة التفوق – ص147/148) او الى مقالات ( علاج العقم – ص137/139) ( طبيب ونص – ص40/41) ( اغرب راتب- ص79/80) وغيرها.
عنصر السخرية
الثاني: يعبر عنه عنصر السخرية او بالأحرى النقد الساخر ، وهو اشهر المميزات الاسلوبية في مقالات الكاتب ، انه شديد القسوة وموجع ، ولكنه في الوقت نفسه عفيف المفردات ، بعيد عن الشخصنة الا عند الضرورة القصوى ، وآية ذلك ان المؤلف يعنى بالموضوع ونقد الظاهرة وملاحقة اطراف المسؤوليات الكبيرة ( حكومة – برلمان – وزارات – أصحاب قرار ..الخ) ، وهذه النقدية الساخرة قد تكون في الخاتمة ، أي ( الضربة) او موجودة في مفردات او جمل مبثوثة في ثنايا المقالة ، وفي اغلب الأحيان يمكن تلمسها في فكرة المقالة ومضمونها …
الثالث : وهو في تقديري من اكثر العناصر التي تستدعي الانتباه ، وأريد به ( الرمزية) ، او الرموز التي يعمد اليها الكاتب للاحتماء تحت خيمتها التي تتسع الى اكثر من تفسير ، وهذا امر بالغ الأهمية في حقل الصحافة المليء بالالغام ، لان الرمز في العادة يمنح الكاتب غطاء قانونيا يجنبه الكثير من تبعات المساءلة القانونية ، وهكذا يمكن ان نلاحظ بمزيد من الامعان ايحاءات ( الليلة التاسعة – ص120/122) وهل هناك علاقة بينها وبين التاسع من نيسان ؟! ومثل هذه الايحاءات والاشارات نتعرف عيلها في ( امنيات بريئة – 19/20) وفي معظم مقالات العاني التي تعرفنا عليها في كتابيه الأخيرين ، وفي معظم الصحف العراقية والعديد من المطبوعات العربية منذ سنوات بعيدة ، وأود التنويه الى ان الكاتب سعى دائماً عبر لغة الرموز الى إقامة نوع من العلاقة بينه وبين القارئ ، عبر الرهان على ( فطنة) المتلقي، وبغير هذا الرهان على الفطنة يصعب فهم المقصود من مقالة ( فخامة الرئيس -236/ 237 ) والى أي شيء يرمي الكاتب وماذا يريد ان يقول ؟! ان هناك اكثر من قراءة للرمز واكثر من تفسير … وهذه احدى عناصر ( الأمان) وقبل ذلك القوة في مواجهة الخصومات القانونية …
في هذا الاطار تقف مقالة ( بانتظار الملك- 83/86) في مقدمة الايحاءات الرمزية ، حيث تسبب المؤلف عن قصد في حيرة قرائه وارباكهم وسط حشد من الأسئلة والتفسيرات : هل الكاتب ضد (ثورة) 14 تموز …هل يراها على النحو الذي وصفها به ( ولكنني لم ارها بل رأيت آثارها على الأرض والجدران…فوضى ودماء وحبل متين يتدلى من عمود كهرباء او شرفة عمارة ..قالوا انه الوصي – ص85) هل 14 تموز من وجهة نظره ( فوضى ودماء ) ؟ ويذهب الكاتب الى ابعد من ذلك ، وكأنه يريد القول: ( الثورة) فقدت هويتها وتاهت في الفوضى والقتل والدم ( لا احد يدري الى اية جهة ذهبت الثورة -85) الى اليمين.. اليسار ..الامام ..الخلف، الشيء الوحيد الذي يعتقده المؤلف انها ذهبت الى المجهول … وهذا في تقديري افضل تحليل سياسي لما حصل في 14 تموز ، ولكن بأسلوب ممتع لايوجع الرأس في تحليلاته ولايوغل في تنظيراته … ثم يصل الرمز الى قمته في النهاية ( ولكن لابأس مادام والدي قد طمأنني بان الملك سيعود مساء الى العرش، ومضى المساء ومضت الثورة ومضى ابي الى دار حقه .. ولم يعد الملك – ص85) ? هل نفهم من هذا ان المؤلف ( ملكي) ومن دعاة الملكية وانتظار عودتها يوماً ما ؟ الاحتمالات كلها واردة .. ولكن أياً منها لايمتلك ذرة من اليقين التي يمكن الاحتكام اليها ومحاسبة الكاتب عليها ، لسبب بالغ البساطة والقوة .. فهو يتحدث عن طفولته التي لاتعرف معنى ( الثورة) ولم يطرق سمعها في بيت او مدرسة او منهج دراسي هذا اللفظ او هذه المفردة… وعن رؤية طفل بريء يروي ماجرى امامه ورآه بالعين ..انه يقدم شهادة صادقة جداً بالنسبة له ، مطعوناً بها امام القضاء بسبب طفولته ..العاني يقدم انطباعات تعود الى صباح 14 تموز1958 أي الى مايقرب من 60 سنة مضت ، فهل نحكم عليه بعد ستة عقود انه من عشاق الملك والداعين الى عودة الملكية ؟! هذا مستحيل قانوناً وشرعاً وعقلاً ان نحاكم التاريخ الطفولي ..لقد وضعنا في محنة .. اشاراته جميعها تقول انه من انصار الملك والملكية ، ولكن تلك الإشارات في الوقت نفسه من نتاج طفل ذهب الى ساحة الشهداء ليرى الثورة ، وفي ظنه ان الملك سيكون جالساً هناك على كرسي من ذهب عند جسر الشهداء.. فهل نأخذ بما يراه من كان في مثل عمره .. باختصار كنا امام شاهد نقي بريء ، ولكن لا يؤخذ بشهادته … و.. وانها براعة التلاعب بنا وبالقراء وبالرمز .
























