حسن البصّام.. تجليات ومكاشفات تزخر بالمفارقة

حسن البصّام.. تجليات ومكاشفات تزخر بالمفارقة

الإستثناء من زمن الموت المجاني

صباح محسن كاظم

لعل لعبة المفارقة الشعرية ، هو الإشتغال السائد بمعظم النصوص الشعرية التي يدونها الشاعر “حسن البصام ” في منجزه الشعري . وللمفارقة فعاليتها اللغوية المؤثرة، حيث قدرة النص الشعري على التعاشق مع الواقع الإجتماعي ،بمشاكساته ،وإفرازاته ،وتحولاته ..فحياتنا بمحمولاتها ..وأزماتها ..وإغتراباتها ، أصبحت هي المفارقة بالوجود ،فكأن من ينجو من حرب ،وجلاد .. تصطاده عبوة ناسفة ،بعد كل هذا الركام من الحروب ..والمعاناة ..والخسارات . وكأن البقاء على قيد الحياة هو الإستثناء بزمن الموت المجاني ..

أعتقد جازماً ،إن الشعر بلا جموح للخيال ..والقدرة التصويّريّة البارعة للوجود وتناقضاته ،لايتم تسميته شعراً ،بل هو نظم من الكلام الموزون والمقفى ،أو إنثيالات وجدانية ،وخواطر ،وهواجس ..يُعبر عنها من خلال ماينشر اليوم من خواطر في مساحات الإعلام الألكتروني ،ثم تُجمع لتصبح مايسمى بـ(ديوان شعر).يُطبع ويُهدى دون أن يترك الصدى ولا الأثر تحت الشمس ..فالشعر مهما تقادمت القرون والعقود يتجدد عند القراءة والتلقي ،لتوفر إشتراطات المنجز الإبداعي الشعريّ الإرتكان إلى الموهبة الشعريّة ،والقدرة اللغويّة التعبيّرية لما تحمله اللغة من طاقة تفجيرية توليديّة بالمعنى، فالخصب والخلود والمخاض ليست ألفاظا متجاورة بل تتماهى اللغة مع الطبيعة والتعبير عن الهم الذاتي المندك بالهم الجمــعي ،وجموح الخيال الذي يُقرب البعيد ،ويُجيد التشبيه،وجمالية الصورة الشعريّة ، ويتعامل مع الرؤى والحلم للذات المبدعة ،وجوهر المعـنى في الإندكاك بالهم الجمعي ،هذه المقدمة هي قراءة لعقود لمختـلف الأجيال الشعريّة ،بين يدي 3 دواوين للشاعر “حسن البصـــــــــام” 1-وشم على جبين نخلة 2-الختم بالثلج الأحمر 3- فنجان قهوة مع زليخاي؛ وقد أصدر أساور الذهب الأسود قبل ذلك. وقراءة تلك التجربة لشاعر جرّب الكتابة من خلال القصة القصيرة في منتصف الثمانييات بمجلة – الطليعة الأديبة- وأصدر مجموعة قصصية ((البحث عن اللون)) وهنـاك مجموعات أخرى بإنتظار الطبع ، في تلك الدواوين الشعريّة للبصام ..أرى : القدرة في البناء الشعري المكتنز بالدلالات ..والصور الشعرية ..والمفارقة والتضاد الذي يعمل عليها في مختلف النصوص الواردة بتلك الإصدارات الشعريّة ،وهو يتعامل مع موضوعات ذاتوية ،أو هموم جمعيّة ،تمثل الوطن ..والألم والأمل ..والفجائع العراقية المتتالية ..وقد إستدعى “البصام “بنصوصه مفردات توحي للمتلقي لتوحيد الدال والمدلول في المعنى واللفظ ،والصورة ..،النخلة والعطاء ،الروح الإنسانيّة ،الآباء والأبناء ،الشعر والشعراء، سمفونية الخلود الحسيني توج ديوانه بجمال نصه هذا، وموضوعات أخرى عالجها بنسق شعريّ أخاذ بمختلف تلك النصوص التي وردت بدواوينه “وشم على جبين نخلة ” كما في نصه : المتسلقة

كنت غضة ..تخفضين رأسك للريح

وتحدقين مع العيون المتعبة،وهي ترنو

إلى نقطة ضوء في الأفق

لكن سيقانك التي امتدت على أكتافنـا

تنهض كالحلم تلثم عيوننا

وتدفق المشاعر الإنسانيّة من بياض روح الشاعر في خضم حياة إقتحمها الشر ،لينسف القيّم والمثل في عصر العولمة التي إجتاحت الحياة المعاصرة ..نص موشى بالحكمة (إحمل احزان اخيك)

احمل أحزان أخيك على ظهرك

فانت لست حيوانا

حين يكون في جرابك

متسعاً لها

وتنوء بحملها معه

ولست خادما

حين تفرش أمامه بساطا أخضرا

وفي نصوصه القصيرة ال13عن الإمام الحسين – عليه السلام-

دموع لأجل الحسين

شامات على خد الولاء

وفي نصوص (فنجان قهوة مع زليخاي ) (الختم بالثلج الأحمر)،ينحى منحى شعرياً أعمق وأبهى صوراً في تتويج تلك النصوص التي – للمرأة- الحيز الأكبر في تعاطيه الشعريّ الموشى بالألق الصوريّ المبهج بطاقات إيحائية عذبة، مع موضوعات اخرى كجدار التربية المتوشح بلافتات سوداء على مدار الأيام لكثرة مايُفقد بسب الحروب والأمراض ،مع جدل عن الوطن ببعض تلك النصوص البهية الموشاة بحب العراق،والبحث عن الضوء بآخر النفق .. وهو السؤال الشعريّ كيف يمكن للتخييل أن يكون ذا قيمة ،وهدف ،وقصد بتوظيف الشعر لقضية الوطن بمحنته .النصوص تستدعي حضور الوطن كما بنصه: أعداؤنا

الصهاينة

والإنكليز

والأمريكان

والعرب

هم من أعدائنا الأكثر خسة

نحن العرب

وهو إحالة لما يجري من دماء وفقدان لشبابنا الجميل بسبب خذلان العرب. وسقوط مئات الأبرياء بسبب تفخيخ أجسادهم ،ودفع داعش لإحتلال العراق.

ذاكرة كركوك

بم يتعزى (بهجت المجنون) وقد غادر ندمانه الحي ؟

فاروق مصطفى

اما (بهجت المجنون) فهو (دللي بهجت) واما الحي فهو (جرت ميدان) ويعني (ميدان الفروسية) والحي انطفأت مقاهيه المتلألئة وخمد بريق اضوائها، وندمان (بهجت) رحل من رحل وشاخ من شاخ وانا اروم ان تستمر ذاكرة المدينة متقدة مبرقة . ذهبت الى محلتي القديمة، اتفقد الوجوه معظم من ارى : شباب وفتية بأستثناء خرائب المقاهي النائحة، فمن اين لي قدرة (بورخس) في استنطاق مكنوناتها ومسراتها . اقع على اسكافي وارى وجهه محفورآ بأخاديد الايام، السلام عليكم، عليكم السلام، اسأله انت من سكان الحي . يرفع رأسه : بلى . ماذا تروم ؟ اخبره ألديك شيء عن بهجت المجنون مالىء الحي بمقالبه وشاغل الناس بطرائفه . يجيبني : اه  دللي بهجت، وانهال على الجلد الموضوع على السندان طارقآ وغاص في توهانه المطرق . يبدو لي انني لن اجد احدآ يحكي عن هذه الشخصية الكركوكية التي دائمآ تذكرني بـ(حسون الامريكي) الشخصية البغدادية التي ملأها هو الاخر بتأمركه وملابسه الغريبة وتحدثه الانكليزية وبنطرونه القصير وهو يسحب خلفه صديقه الكلب .

في الايام المواضي كان اشقائي الكبار الذين عرفوا هذه الشخصية الكركوكية وجايلوها وعايشوها هم الذين نقلوا الي نبذآ من سيرته ومقاطع من معايشه اليومية وحتى كانت هناك صداقة بينه وبين شقيقي (عبدالرحيم) الذي كان يعمل في مضمار النفط وعندما عمل في حقول (عين زالة) النفطية ذهب (بهجت) اليه ودبر الاخ له عملآ محترمآ يدر عليه راتبآ مجزيآ ولكنه صنو المقالب وقرين الخدع وتوأم النوادر وبدأت مقالبه تنداح على الجميع حتى الخبراء الانكليز في حقول (عين زالة) نالتهم هذه المقالب ووقعوا ضحايا لمكائد هذه الشخصية التي امتزجت في عروقها دماء العبقرية بدماء الجنون حتى اضطروا ان يلغوا عقد عمله ويعود الى كركوك الى محلته القديمة يتسكع بوسامته ويتصعلك وجوه خلانه ويستنبت شتلات خدعه في كل زاوية تطؤها قدماه .

افادني اشقائي الكبار بأن (بهجت المجنون) قاد عرباته نحو العاصمة بغداد واراد ان يستحلب اضواءها ويذوق اطايب بذخها، وبحيله وريق طرائفه وغرائبياته ان يطرق باب اذاعة بغداد وان يتسلم مايكروفون الاذاعة وعبره يلقي برامجه الفكاهية وهناك من اضاف بأنه وصل حتى قصر الزهور قصر الملك ومقطن اسرته ويقدم نفسه للملك (فيصل الثاني) ويتحول بين عشية وضحاها الى مضحكه ومهرجه، ولست متاكدآ من يقينية الخبر ولكن الذي متيقن منه وهو في صباه وبواكير شبابه كان يتزيى بزي الاطباء، لبس الصديرية البيضاء والسماعة الطبية تتدلى على صدره واضعآ نظارة طبية على عينيه وقد جلس في شباك خارجي مطل من منزله الى الخارج يطلب من الجيران ان يأتوا ليعاينهم ويحرر لهم الراجيتات اللازمة وشيء اخر كان يدخل مجالس العزاء المخصصة للنساء يقتحمها بعد ان حول نفسه الى بكّاء نوّاح يبكي وينتحب ليستدر دموع الجالسات المعزيات على فقد المتوفين . والشيء الاخر الذي اعلمه علم اليقين ان احد مدراء اعدادية في كركوك اتفق معه على ان يمثل دور مشرف للغة الانكليزية قادما من بغداد والمشرفون الاعداديون هاتيك السنين كانوا يفدون من بغداد الى المحافظات وهكذا تزيى صاحبنا بسترة انكليزية من المرقعات بقطعة الجلد عند المرفق ونظارته الطبية على عينيه وغليونه الانكليزي الانيق في مبسمه وبعد ان حمل حقيبته الدوبلوماسية توجه الى الاعدادية ودخل مع مديرها على المدرس الذي جاء المشرف ليتفقد درسه ويحكم على اصول وقواعد تدريسه الانكليزية ولم يكتشف انه خدع الا بعد مغادرة المشرف المزعوم الاعدادية وتركه مجموعة من الوصايا والمقترحات في دفتر الزيارات المخصصة للمشرفين .

اذكر انني رأيته في المكتبة العامة، دخل قاعة المطالعة حاملآ عدة قواميس كبيرة وباللغات الاجنبية . كنت اعلم اتقانه الانكليزية وقد سمعت ان له المامآ بلغات اوربية اخرى ولا ادري مدى صدقية هذه المعلومة . جلس على كرسيه وبدأ يتفقد المعاجم التي حملها، المعروف عنه حفظه لكل المصطلحات الطبية الانكليزية وكذلك حفظه لكل المفردات الانكليزية الطويلة التي تتألف من حروف كثيرة وكان بهذا ينافس الزاعمين والمدعين المامهم الانكليزية . خجلت ان اتي اليه واساله ما الذي يفعل بهذه القواميس وما الذي يبحث في متونها ؟ لم ارد ان اعكر صفو القاعة كنت استمرىء هدوءها واستحلي سكينتها .

لقيت (بهجت المجنون) اخر مرة في احدى القرى القريبة من كركوك عام 1977 وانا احد المشاركين في حملة التعداد السكاني التي اجريت ذلك العام، بعد ان قمت بتسجيل الدور التي وقعت ضمن حصة عملي توجهت مساء الى بيت مختار القرية كان قد دعانا الى وجبة عشاء انا وزملائي في منزله وفي البيت المقصود وجدته امامي بطبيعة الحال لم يعرفني الا انني قدمت نفسي وذكرته باشقائي الكبار عند ذاك انسني وشرع يروي لي نبذآ من طرائفه وختمها باخر طرفة قال لي : هل سمعت اخر خبر عن امي يا استاذ ؟ قلت لا . لم اسمع . قال كانت مستقلة احدى طائرات هيليكوبتر وهبطت الى الارض بواسطة وزرتها ووصلتها سالمة . قلت له لم تخبرني ماذا تفعل في هذه الدار وفي هذه القرية قال هنا يعيش ابناء عمومتي وما هي الا هنيهات حتى تركنا وخرج الى الظلام المترامي وبدأ يذوب شيئآ فشيئآ في هذه العتمة العجينية التي كان يقطعها نباح كلاب بعيد .

يتسكع في ذاكرتي ويغادرها واذ يهبط منطقة (جرت ميدان) يحتسي شايآ على قارعة الطريق، يبصر خرائب المقاهي وعيون البيوت المنطفئة وليس ثمة احد من ندمانه القدامى يمازحهم بمقالبه، الكل غادر المحلة القديمة . بم يتعلل ؟ وكيف يتعزى ؟ اتتبعه وامشي وراءه واحاول استدراجه الى ذاكرتي من جديد، يتعبني المشي وعلى كتفي كهولة سنوات ثقال ورجلاي لا تقويان الا انه يمشي وانا اراوح في مكاني واحاول ان اصيح واصيح …