
أدب كورونا في العراق
حبيب القلب أنموذجاً – يونس ناصر
المبدع ابن عصره، ومجتمعه، ومحيطه، ذلك ما اتفق عليه النقاد ودارسو الأدب في كل العصور، حتى لقد أطلقوا تسميات معينة على كل مرحلة تشير إليها حصراً، انطلاقاً مما كتب فيها من شعر وقصة ومسرح ورواية، وفنون تشكيلية، وأصبحت تلك التسميات بمثابة مصطلحات متداولة تشير إلى الحدث الذي أنتج ذلك الأدب، بما يشير إلى مرحلة تاريخية بعينها، ومن ذلك أدب الحرب، وأدب المقاومة.. وقبلهما ادب الرسائل وأدب الرحلات وأدب السيرة، وغيرها.. وبعد انتشار جائحة فيروس كورونا، ظهرت هنا، وهناك دعوات مبكرة لتسجيل وجمع ما يكتب في هذه المرحلة، ليكون تحت عنوان (أدب كورونا)، وقبل فترة وصلتني من الاستاذ سعيد بن حمدان بن سعيد الصوفي، في يونيو/ حزيران الماضي، للمشاركة في مبادرته (لجمع القصائد التي قيلت في كورونا وما يتعلق به من تداعيات تحت عنوان «كورونا والشعراء» وكان حينها جمع 100 قصيدة حول الموضوع، في الإمارات.. وقد قرأت نصوصاً قليلة في فترات متفرقة لعدد من الشعراء على «الفيسبوك» وهنا على صفحة “ألف ياء”. وكذلك بعض الدراسات في مجالات مختلفة، تتناول مؤثرات وباء كورونا فيها.. وقبل أيام، قرأت قصة قصيرة، بعنوان “حبيب العمر وشبح كورونا”، للقاصة لعراقية «سهام فيوري في صفحة (ألف ياء) في جريدة الزمان الغراء.. بعددها 6718 الخميس، 25/7/2020 استوقفتني القصة حقاً، وقرأتها بدقة، منطلقاً من المناخ الذي أشرت إليه آنفاً، ووجدت أنها تستحق المتابعة باعتبارها منجزاً في «زمن كورونا» الذي هو زمن الحدث، وزمن كتابة القصة، معاً.
ادب عالمي
لقد أحالتني هذ القصة إلى إحدى القصص من الأدب العالمي، فيما يعرف بأدب الحرب، اشتهرت بين الكتاب والمثقفين في ثمانينات القرن العشرين، وملخصها: أن إحدى الكتائب العسكرية وقعت في حصار مطبق من العدو، وتعذر عليها التواصل مع قيادتها الأعلى بسبب انقطاع الاتصال معها، وهنا جاء دور جندي الاتصالات باعتباره المسؤول عن تأمين الاتصال، والذي اكتشف مكان القطع في الأسلاك بسبب القصف المعادي، وأثناء قيامه بإيصال الأسلاك وربطها تعرض لإصابة شديدة منعته من السيطرة على يديه، فقام بوضع الاسلاك بن اسنانه، وعض عليها، ليتأمن الاتصال، ويتم إنقاذ الكتيبة، ولكنه توفي من شدة النزف.. لتقول القصة إن حياة رفاقه الجنود قد مرت عبر جسده الميت.. أما قصتنا، فتدور حول طبيبة تعمل في مستشفى لمعالجة المرضى المصابين بفيروس كورونا، الذي أصبح جائحة أصابت العالم كله، وأرعبته، ولم تزل تداعياتها تتفجر كل يوم، معلنة عن إصابات بالملايين، ووفيات بعشرات الآلاف يومياً.. وفي خضم انشغال الطبيبة بإسعاف المرضى تحين منها التفاتة إلى أحد المرضى، رجل في الخمسين، (أتوا به للتو)، ويدعوها شعور غريب لتقترب من سريره، (ومع أول نظرة أصابعها الهلع، هو حبيبها الذي انفصلت عنه منذ أكثر من خمس وعشرين سنة لأنها لا تنجب أطفالاً)، إذاً، نحن أمام قصة حب ضائع، مضى عليه ربع قرن من الزمان، لكنه لم يزل نابضاً في قلب الطبيبة، ولذلك تحاول إنقاذه بكل ما تستطيع، وتنجح في إحضار مريض متعاف من المرض يتبرع بالبلازما التي يحتاج إليها المريض الذي يشفى فعلاً، لكن القاصة تفاجئنا بموقف درامي، حيث تصاب الطبيبة بالمرض نتيجة عدم اتخاذها إجراءات الوقاية اللازمة، أثناء انشغالها بإنقاذ (حبيبها)، وعندما يطلب المريض المتعافي مقابلة (طبيبته) ليشكرها «تقدم منها بخطوات، وئيدة، كانت تبتسم له، أصيب بصدمة وهو يراها، عرفها على الفور، يا الله، إنها حبيبته قبل أكثر من خمسة وعشرين عاماً، أية مصادفة هذه..)، هنا يأخذ الحبيب دور الحبيبة، ويعلن لها استعداده لعمل المستحيل، في البحث عن منقذ، وتنتهي القصة بموقف درامي يقترب من مشهد سينمائي أخير في نهاية فيلم درامي، أو إسدال الستارة على مسرحية تنتهي بالإظلام، بأن (أشارت له أن لا فائدة.. لأنها تعرف وضعها الصحي، طلبت منه أن يحضنها. وحين حضنها همست في أذنه «أحبك».. أسدلت ستار عينيها وهي تبتسم بين أحضانه)… بهذه الدلالة تلتقي القصة، في خطوط عريضة، أو دلالتها بالذات، مع قصة الجندي من حيث إن حياة المريض مرّت عبر تضحية الطبيبة، ونسيانها كل شيء من أجل إنقاذ حبيبها الذي يشفى، وتموت هي.. وإذا كانت قصة الجندي (ترقد) تحت مصطلح أدب الحرب، فإن قصة “حبيب العمر” تضعنا على أعتاب تأسيس وتقعيد لمصطلح “أدب كورونا” كإطار شامل لكل تداعيات هذه الجائحة على مستوى العالم كله، من دون استثناء، وبكل مستوياته، من أعلى المسؤوليات إلى أدناها، وعلى الصعد السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والمعيشية، والنفسية، والفنية، والرياضية، باختصار في مجمل الحياة بتفاصيلها كافة.
قصة جديدة
قد لا تكون موضوعة القصة جديدة، من حيث هي قصة حب لم يكتب لها النجاح والاستمرار، لكن القاصة تنجح في النهاية تسحبنا إلى مناخها وأجوائها، بسلاسة ،ونعومة، وهدوء، إلى حيث تفجر الحدث من جديد، وتبعث فيه مزيجاً متنافراً من الأحاسيس، وتقدم لنا “جرعة” فيها الكثير من الشجن الشفاف، حيث تكون لحظة اللقاء هي لحظة الوداع، فيلتقي الحزن والسعادة، وهو موقف يثير الشعور بالوجع والألم، خصوصاً على المستوى الاجتماعي.. كما يلتقي المتناقضان الفرح والأسى، فبقدر ما كانت هذه اللحظة مثيرة لسعادة الحبيبة، فإنها لحظة مصاب جلل بالنسبة لحبيبها لن ينـساه أبداً. لقد نجحت القاصة في بناء القصة فنياً، وكانت لغة السرد مناسبة لحدث القصة، ومناخها، ويحسب للقاصة انتباهتها الذكية في خوض غمار هذا النوع الجديد من الأدب، وربما التأسيس له، وكل جديد، له ماله، وعليه ما عليه، بالقدر نفسه الذي أثارته، ولا تزال تثيره، جائحة كورونا… وبهذا يمكن أن تكون القصة دافعاً لإطلاق هذا المصطلح، وللنقد الكلمة الفصل هنا. خصوصاً أن القصة تتناول تضحيات ما أصبح يطلق عليه “الجيش الأبيض”، في إشارة إلى الخط الأول من الأطباء والطبيبات، والممرضين والممرضات، وكل الجهات الإدارية والطبية المساندة، الذين دفع المئات منهم حياته من أجل الدفاع عن البشرية كلها ضد هذا الفيروس المخاتل الفتاك.. مع التنويه بأن القصة والرواية أقدر على استيعاب كل المتغيرات التي ستحصل في الحياة بعد “كورونا”، لتختلف عما قبله، وهي متغيرات أكدها كل الخبراء في العالم، وقد بدأت إرهاصاتها فعلاً..
























