حالات قابلة للإزدواج والتعميم – نصوص – كريم يحيى

عتبة العنوان في قصص بياني

حالات قابلة للإزدواج والتعميم  – نصوص – كريم يحيى

في كلِّ عنوان خِطاب، قد يختزل المتنَ بأكملهِ أو يسير بموازاته أو يتقاطع معه، و(كل خِطابٍ يُخفي داخله القدرة على أنْ يقول غير ما قاله، وأنْ يُغلِّفَ أيضاً عدداً كثيراً من المعاني: وهذا ما يُسمَّى بوفرة المدلول بالنسبة للدال الواحد والوحيد، وعليهِ فإنَّ الخطاب امتلاء وثراء لا حدَّ لهما)  مبالغة سيعترف بها فوكو نفسه . العنوان نواة القصة القصيرة، والقصة القصيرة بأكملها نواة، قد تصير رواية ورقية كما في حفلة “السيدة دالاواي”، أو في السينما كقصة “القتلة” لهمنغواي و”الرجل الثاني” لنجيب محفوظ وغيرها الكثير. وقد تظلُّ نواةً صغيرة تأخذ مكانةً في ذاكرة القارئ كأداة إنتاج لمعانٍ كثيرة وتوجهات مختلفة.

رغمَ أنَّ الإنتاج القصصي للقاص كريم بياني لا يمتاز بالوفرة، لكنَّه استطاع بناء عالمٍ قصصي مثير ومتميز من حيث الفكرة والأسلوب واللغة

العنوان في قصة كريم بياني(موعد الخميس) يتشظَّى في المتن إلى:(موعد مع المقبرة) و(موعد مع الموت) (موعد مع الأب) (موعد مع الغائب) (موعد مع النَّفس) وقبل كلِّ ذلك (موعد مع المرآة) مرآة العالَم الداخلي التي تعلن نفسها في مونولوج، المرآة تساعدنا كي نبدو بصورة تلائم المجتمع، فالإنسان يتقيَّد بالمرايا، بالقدر الذي يخسر نفسه لصالح القيود الاجتماعية، ويستعيد نفسه بعملية مُعاكِسْة.

العنوان يتشعَّب داخلياً كحلقة وَصْلْ تَمْتدُّ وتتفرَّع إلى درجة أنَّ النَّص يظلُّ ناقصاً غير مفهوم بدون هذا الامتداد الذي يمرُّ بسلاسة عبر السطور يُحَفِّز لاستحضارِ متنٍ يحتاجهُ لإتمام معناه في أزمة سايكولوجية للأضداد الكلاسيكية الفنيَّة(الأبنة/ الأب)(الحياة/ الموت)(الحضور/ الغياب) مقابل (الأبنة/ الأُم) (الخيال/ الواقع) (الكماليات/ الضرورات). القاص كريم بياني يتراجع قليلا عن القصة، ليلقي نظرة على الشكل الخارجي المضغوط للمضمون الموجز جداً، كَما لو أنَّه يريد أنْ يكون مرئيَّاً داخل القصة كما فعل الرسام دييغو فيلاسكيز حين رسم لوحة(الوصيفات)أدخل نفسهُ داخل اللوحة الغامضة التي كتبَ عنها بيكاسو 44  دراسة ورسمَ 58 لوحة تفسيرية لها.

العنوان يتجذَّر خارجيَّاً في بهجة عصر يوم الخميس باعتبارات عطلة الأسبوع كاستعدادات ليلة العيد، مُنَوِّهاً بطقسٍ آخر يُمَرِّرُهُ العُرف الاجتماعي السائد الذي لا يستمدُّ شرعيته من الدين، إلا كسطح بلا أعماق يقضي بوجوب زيارة القبور عصرَ كلِّ خميس، كتأكيد على الوفاء للرَّاحل لا يخلو من الرياء الذي يملكُ حَقَّاً لكلِّ فردٍ بأنْ يعمل على تقليد الآخرين وينخرِطُ في المجتمع بشكلٍ مشروع.كتبَ بياني استهلالاً كعتبة مُكَمِّلة لعتبة العنوان، من تسعَ عشرة كلمات (هناك كثير من الحقائق لا يريد الإنسان تصديقها، ولن يُصَدِّقها، خاصَّةً إذا كانت ستلغي حقائق أخرى مُترَسِّخة في أذهاننا). فكرة بداية القصة باستهلال، لازمت الكثير من قصص بياني. فكرة عن حقائق لا يتقبلها العقل البشري، ويقول نيتشه(أحياناً لا يرغب الناس في سَماع الحقيقة، لأنَّهم لا يريدون أنْ تتحطَّم أوهامهم) كضربة كوبرنيكوس لنظرية بطليموس التي استمرت عشرين قرناً ودعمتها الكنيسة لاثني عشرَ قرناً، كان مجرد التشكيك بحقيقة الأرض مركز الكون: كفراً، الأرض ليست مركز الكون، تنفي حقيقة كنسيَّة: الكنيسة مركز الكون وأنَّ كلُّ هذه القرون كانت مخطئة، تكررت هذه الضربة كثيراً في تاريخ العلوم والمعارف كلما أعاد الفكر البشري تنسيب النقائض. ولتقريب هذا الاستهلال يُقَدِّم بياني نموذجاً كمثال(كَمَنْ فقدَ أُمَّهُ الحنونة، ينام كلَّ ليلة على أمل أنْ تأتي صَباحاً لتوقظهُ). المثال عن الابن اذي فقدَ أُمَّهُ الحنون، ومتن القصة عن الابنة التي فقدت أباها الحنون، يقول ماركس(نحنُ لا نعاني من الأحياء فقط، بل من الأموات أيضاً.. الميت يمسك بتلابيت الحي)  والأمثلة هي أطياف الموتى غير المرئية التي تمسك بتلابيب الأحياء، تضرب لتقوية الحجة وجعلها قابلة للتصديق كالأمثلة المضروبة في الفيلم الكوميدي(A Guide for the Married Man) (دليل الرجل المتزوج/1967)  لكن أمثلة بياني استهلالية وغير تجسيدية تدور حول تأمل الإنسان في ذاتهِ، وعلاقته بالموت. بساطة البنية السردية دلالة عمق المغزى الإنساني، فليس من الذكاء أنْ تقول شيئاً مُعقَّداً في شكلٍ مُعقَّد، لكن من الذكاء أنْ تقول شيئاً بسيطاً في شكلٍ مُبْتَكر، في القصة ثلاث شخصيات بأدوار بسيطة وَمُحَفِّزة: الابنة والأُم حاضرتان، الأب غائب غياباً مُضَاعفَاً، عن المشهد القصصي القصير، وعن الحياةٍ أيضاً. الأب في المقبرة، راقدٌ تحتَ أرضها. البنت أمام المرآة متأخِّرة. الأُم تستعجلها. في القصة حدثان: الأول مُضْمَر: موت الأب. الثاني لم يحدث بعد فعل الزيارة. عند وقوف البنت أمام المرآة وحديث المناجاة عملية إثارة وغموض تتطلب بحثاً لسدِّ الثغرة، أو عودة إلى العنوان لتأكيد المفارقة في التعارض بين الحالة والحدَث. الحالة: امرأة تتزيَّن بشغف أمام المرآة. الحدث: زيارة المقبرة. والحبكة البسيطة في علاقة السبب بالنتيجة: موت الأب يستتبع كنتيجة حتمية زيارة الزوجة والابنة لمثوى الحبيب الراحل كلَّ خميس.

الزمان مزدوج: لحظة الوقوف أمام المرآة للاستعداد للحظة اللقاء المرتقبة. المكان مزدوج: غرفة تقفُ فيها امرأة أمام المرآة. تتهيأ للذهاب إلى لقاء حبيب ثم ينكشف أنَّها تجمَّل من أجل الذهاب إلى المقبرة في المستقبل القريب. لدينا إنسان ومرآة ومكان وزمان يتكرَّران: المقبرة عصر يوم الخميس، حالة الشوق إلى حيث يستجيب الآخر لانتظاري استجابة مزعومة متخيَّلة مجازية، واستجيبُ لانتظارهِ استجابة واقعية، هذا الخيال المشوب بالعاطفة والانفعالات طالما احتوى الواقع محاولاً إلغاءه.

غائية المركز والهامش قصصياً:

(هذا العالم صورة في مرآة، الصورة ليست العالم إيَّاه، وهي ليست أيَّ شيءٍ سواه/ شاعر ياباني) في (موعد الخميس) امرأة أمام المرآة: تحاول الوصول إلى شكلٍ خارجي ملائم للموعد ولمحيطهِ. تحاول الوصول إلى العمق الداخلي بمناجاة النَّفس، وهي حالة يمكن تعميمها فالجميع دوماً يحاولون الوصول إلى نهاية ملائمة لأغراضهم وأهدافهم.

(موعد الخميس) طقس زمني يتكرر في عطلة نهاية الأسبوع. امرأة أمام المرآة: طقس يومي مألوف، ينفتح على احتمالات تمتد إلى ما لا نهاية، طقس لا يكاد يدرك ذاته في صورة كوجيتو نسوي: أنا أرى نفسي، أنا لا أفهمها، أنا موجود.

امرأة أمام المرآة: امرأة صامتة، لا يسعها أنْ تتكلَّم، وإذا تكلمت سيقع انفصال في امتداد اللحظة أمام المرآة لتداخل رغبتها في الكلام مع رغبة الاستمرار في الوقوف أمام المرآة لاكتشاف المزيد. (موعد الخميس) يختزل حنين الأبنة التي تفتقد أباها الغائب تحت الأرض كمركز، وحنين الزوجة إلى زوجها كهامش. يُحفِّز القارئ إلى التفسير الغائي والبحث عن معانٍ أخرى للوجود أمام الموت المتربِّص والمصير الإنساني المحتوم. امرأة أمام المرآة طقس يستخرجه القاص من دائرة المألوف ليرميه في دوَّامة اللامألوف بعبارة تقفل القصة من خلالها يتم إغلاق دائرة المفارقة (سنذهب إلى المقبرة)، كقفلة أخيرة للقصة. لكن الذهاب إلى المقبرة لا يخرج القصة عن المألوف التي توهِمُ قارئها بصدمة تتناقض مع أفق انتظارهِ، لأنَّ المرأة التي تناجي نفسها حول الحبيب المزعوم بتلك الطريقة لا يمكن أنْ يكون هذا الحبيب سجيناً في مقبرة. (موعد الخميس) بداية ساخرة تنتهي بمفارقة مروراً بالمتن امرأة أمام المرآة: امرأة أمام قبر والدها: أيُّ حقٍّ لكَ في أنْ تكون ميتاً بينما أنا لا زلت على قيد الحياة؟ مِنْ أين تأتي الرغبة في الاستمرار بالوقوف أمام (المرآة/ القبر)؟ النساء يرتبطن بعلاقة حميمة مع المرآة، وفي المجتمعات المغلقة يرتبطنَ بعلاقة حميمة مع القبور رغم التضاد. كثيرٌ منهنًّ لا يخرجنَ بدون مرآة صغيرة في الحقيبة. والمرأة سابقاً ترتبط بعلاقة ذات خصوصية مع المقبرة، هذا المكان الموحِشْ الذي انزوى فيهِ الأحباب والأصدقاء. إيجاد النَّفس بمواصلة البحث وحوار العقل الأداتي مع الذات بعيداً عنْ أيَّـــة تأثيرات خارجية. نظرية الأدب في أحد جوانبها تقوم على العقل التواصلي بين الأنا والآخر، بصورة مباشرة أو بالتنويه بمركزية العقل الأداتي وانتكاساتهِ بعد إحكام سجن الذات، لكن حوار الذات مع نفسها في المرآة هل هو جزءٌ من العقل الأداتي أم التواصلي؟ ما لم تنجح الذات في حوارها مع ذاتها، كيفَ تنجحُ في حوارٍ مع الآخر؟ فالتواصلي لا يمكنه المرور إلا من خلال الأداتي حيث تبدأ القصة برؤية سلبية عن علاقة الإنسان بالحقيقة(هناك كثير من الحقائق لا يريد الإنسان تصديقها، ولن يُصَدِّقها، خاصَّةً إذا كانت ستلغي حقائق أخرى مُترَسِّخة في أذهاننا) وتنتهي بمفارقة تدفع لإعادة الاعتبار للعقل الأداتي بإعادة الحوار مع الذات بالوقوف أمام المرآة كرمز للآخر، فالأنا والآخر أحدهما مرآة للآخر، إعادة الاعتبار للوغوس بإلغاء سيادة العاطفة، إعادة النظر في ماذا نريد من المرآة؟ ماذا نريد من الحياة؟ كيف نسمح للاوعي لئن يجذبنا إلى المقبرة؟ نعتقد تبعاً للتقاليد بكثير من الصوابات وهي خاطئة، وهذا يقودنا إلى السؤال: هل توجد إرادة حقيقية للذات في مواجهة الضغوط الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والبيئية والتربوية وغيرها؟امرأة أمام المرآة، تتأكَّد من أنَّها لا زالت موجودة على سطحِ الأرض، تتوارد في ذهنها مجموعة أفكار وعواطف تظهر وتختفي، وما يظهر كذات ليس سوى حزمة من الإدراكات والأفكار والعواطف والنزعات النشيطة.امرأة أمام المرآة: يوجد نهيٌ مشدد ضد هذه الحالة، لشيوعها في المجتمع الكردي، ويُقال أنَّ المرأة التي تطيل الوقوف أمام المرآة مجنونة أو ستجن قريباً، والجنون هو الحضور المسبق للموت، فالوقوف أمام المرآة وقوف أمام جُثَّة، وقوف أمام الموت. والوقوف أمام المرآة حالة شائعة جداً في الأدب كمصدر درامي، كما في مسرحية(الرقص أمام المرآة)لفرانسوا دو كوريل التي تنتهي بانتحار بول بريان الشاب الذي كانت تراه ريجين مرآتها، وتظلُّ أسباب الانتحار غامضة، بعدما سامحته على خيانته الحقيقية وسامحها بعد لألأ على خيانتها التي اخترعتها لتغيظه ليس إلا. ربما انتحر لأنَّهُ أدركَ الفرق بين خائن حقيقي يطلب الغفران كحقًّ، وفي نفس الوقت يرفض أنْ يغفرَ ويُسامح. وقد تحيل المرآة إلى القرين، دكتور جيكل ومستر هايد، القرين دستوفسكي.على مَنْ يظنُّ أنَّ كلَّ شيء واضح في القصة مع الجملة الأخيرة، عليه إعادة قراءتها لأنَّها كجبل الجليد لا يظهر منه غير العشر، أمَّا التسعة أعشار المُضْمَرة فهي التي تغَذِّي استمرار الانزلاق إلى هاوية الخوف من اللوغوس، من الكلمة والعقل، من لعبة المرايا الأبدية بالتقوقع حول الذات في نرجسيَّةٍ لا تنضب. فالإنسان أمام المرآة يحاول ترميم مظهره الخارجي البرَّاق، لكن في اللاوعي محاولة للنفاذ إلى أعماق الدَّاخل لرؤية التغييرات للوقوف على اختلافات الصورة الخدَّاعة وتناقضات الداخل مع الخارج. لم يلتفت أحدٌ من النَّقاد إلى قصة(موعد الخميس)التي كتبها القاص كريم بياني 1987 ونشرها ضمن مجموعة (غربة/1992)- في استنطاق طقس يوم الخميس الذي مارسه المجتمع الكردي ولا زال تقليداً مستورداً من المجتمع الموصليِّ أو الفارسي الذي بدورهِ يمارس زيارة القبور كطقس احتفالي وكتقليدٍ أيضاً. كيف تمَّ تكريم هذا التقليد وتقديسه إلى هذا الحد؟ وهو يتكرَّر أيضاً في صباح اليوم الأول للعيد.

الهوامش

كاله: لفظة عامية ترد على لسان البغداديين بمعنى نوع من الأحذية ينسج وجهه من القطن أو الصوف في المناطق الكردية- المثلجة، يكون نعله في العادة من كاوتشوك اطارات السيارات، من المؤكد انها مستعارة من اصل اللفظة الكردية “كاك” التي يراها الدكتور داود الضلبي انها كردية بمعنى نوع من الاحذية اكثر من يلبسه الكرد. ذكرها الشاعر الكرخي في شعره اذ يقول (1/(160

استعجل شوفلك كاله

           وبيها من وكت اعلس

من كتاب أحمد الجزراوي: اللفظة الكردية في لغة عوام بغداد- الجزء الاول- ص151.

 ميشيل فوكو- حفريات المعرفة- ترجمة سالم يفوت- المركز الثقافي العربي- ط3- 2005- بيروت- ص110.

التأويل أسلوب من أساليب مواجهة النقص العِباري وتعويضه عن طريق توفير معنى.. وعلى هذا النحو لا يبقى الخِطاب كما أعتقدَ الموقف التفسيري كنزاً مليئاً لا ينفد، نستخرج منه باستمرار ثروات جديدة لا تعد ولا تُحصى.. بل إنَّهُ سيغدو ثروة متناهية ومحدودة ومرغوبة ومفيدة). ميشيل فوكو- حفريات المعرفة- ترجمة سالم يفوت- المركز الثقافي العربي- ط3- 2005- بيروت- ص112. ويأخذ المترجم الأستاذ سالم يفوت بالرأي الذي لا يميز بين التفسير والتأويل، الأول توضيح معاني الكلام، والتأويل أعمُّ بصَرْفِ المعنى التفسيري الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يَقْتَرِن به، وقال السيوطي في الإتقان (التَّفْسِيرُ يَتَعَلَّقُ بِالرِّوَايَةِ، وَالتَّأْوِيلِ يَتَعَلَّقُ بِالدِّرَايَةِ).

 دريدا- أطياف ماركس- ترجمة د. منذر العياشي- مركز الإنماء الحضاري- ط2- 2006- حلب-ص8.

 الفيلم أخرجه نيازي مصطفى بنسخة عربية بعنوان(البحث عن فضيحة /1973) دون إشارة إلى المصدر كمئات الأفلام العربية.