
اللا معقول يصبح معقولاً في عمل عواطف نعيم
جنون الحمائم يعكس الواقع على الأرض من قتل ودمار وإنتهاك للقيم
بغداد – كافي لازم
مسرح العبث هو نتاج لحالة اليأس التي صنعتها الحروب فأصبح العالم في لغة غامضة مبهمة في مكان مظلم وفي اللاجدوى من مفهوم النظام بعد انتهاك القيم والثوابت ولا فائدة من حياة لا تستحق ان تعاش. واصبحت العلاقة مع الاخرين لا معنى لها….
ان الاختلال في نظام الحياة انتج الفلسفة الوجودية في العالم اجمع لا سيما في فرنسا والتي قادها الكتاب الفلاسفة (جان بول سارتر/سيمون دي بفوار/والبير كامو) وان اختلف كامو عنهم في الشكل لكنه في مضمون واحد.والذي أكد في فكرة (ان العالم سخيف غير مقبول ذلك كلما يمكن ان يقال ولا أفهم الاشياء لانها غريبة عني وهي تنكر حالي) وقد جسد ذلك في اعماله كرواية الغريب /واسطورة سيزيف وسوء تفاهم التي نحن بصددها. تبنى فكرة مسرح العبث عند الكتاب – يوجين يونسكو وصومائيل بيكيت وادوارد ألبي وجان جينيه – في طرح الاسئلة الوجودية.اختلف كامو عنهم بأنه طرح أفكاره في حوار فلسفي عند الشخوص وبطريقة الشكل التقليدي للعرض المسرحي أي البداية والوسط والنهاية في ترتيب احداث المسرحية واهتم ببناء الشخصيات لتكون اكثر عمق واستقلالية الشخصية لديه تاريخ ووجود. كما ان حياته الشخصية وافكاره المفعمة بالاحداث الكبيرة قد جسدها بشكل رائع في معظم اعماله الادبيه لذلك حاز على جائزة نوبل وهو مازال شابا وانا شخصيا قد تأثرت به في وقت ما.
وبما أننا شاهدنا الثلاثاء الماضي العرض المسرحي الاول لمسرحية (جنون الحمائم) المقتبس من مسرحية (سوء تفاهم) بتأليف وتعريق المخرجة القديرة عواطف نعيم. سينوغرافية علي محمود السوداني، تمثيل :عزيز خيون ، شذى سالم ،عواطف نعيم و مصطفى حبيب.مؤثراتضياء عابد. ازياء اياد عزيز. تنفيذ ساهرة عويد. ادارة مسرح شيماء جعفر . مخرج مساعد بهاء خيون و ديكورحسين علاوي ،انتاج المركز الثقافي الفرنسي بالتعاون مع دائرة السينما والمسرح..
هذه المسرحية التي اشتغل عليها اغلب المعنيين في مسرح العبث بأنحاء المعمورة بمختلف اللغات انه اختيار دقيق وصائب جاء في خضم ما حدث في العراق من فوضى وقتل ودمار والذي لم تشهد له المنطقة مند قرون والتي فاقت حتى تصورات المؤلف العظيم كامو ..فاذا كان لديه شيئا عجيبا بأن (ألام) تقتل ابنها دون درايه بأنه ابنها بالاشتراك مع الاخت فأن ما حدث في العراق من قتل الابن لابيه وامه واخته واخيه واقاربيه مع سبق الاصرار والترصد فماذا يقول بهذا الموضوع … انه العجب العجاب
لابد للقارىء هنا ان يعلم اصل الحكاية(بأن عائلة مكونة من ام وبنتها والابن قد غادرها الاب منذ زمن طويل وهذه الاسرة قد فقدت كل شي نتيجة الحروب المتواصله حينها قرر الابن الهجره ليبحث عن عمل يدر عليه المال.. بعدها الام رتبت امرها مع ابنتها لمغادرة المدينة والذهاب الى اطرافها النائية وهناك تستثمر فندقا في منطقة جاذبه للسياح بين اجواء الغابات ولايأتي لهذا المكان الا الميسورين وتستعين بخادم اصم لمساعدتها وكل لديها احلامها بجمع الثروة والاستمتاع بالحياة وجدن طريقة سريعه للثراء وهي بقتل الزبون القادم للفندق بواسطة دس السم في الشاي في مكان الاستقبال.. والاستحواذ على امواله حين موته والاستعانة بالعجوز الاصم برمي الجثة في النهر واستمر على هذه الحال الى ان جمعن ثروة كبيره على ان يكون القادم آخر زبون يقتل. في جانب آخر قرر الابن العوده الى اهله بعد ان اصبح ثريا بعد عشرين عاما ووضع زوجتة في مكان ما.. وذهب الى الفندق السياحي واخفى شخصيته اول وهله لكي يفاجئ امه واخته بعد حين الا انه تناول الشاي المسموم وفارق الحياة وكالعاده اتى الاصم العجوز لدفن الجثة.. وبعدها جاءت الام وابنتها للاستحواذ على ماعنده من اموال ولكن حين العثور على جواز سفره يكتشفن انه الابن باسمه وصورته.. هنا الام تنتحر والبنت ايضا تقتل نفسها).
انطباع جديد
العرض هنا مختلف عند المخرجة القديرة عواطف نعيم. المسرح فارغ الا من ديكور يتيم والمكان لايوحي انه جاذب لمن يريد ان يرتاح لكنة نائيا عن المدينة وممكن ان يقدم خدمة ما لمن يبغي ان يستريح الا ان السينوغرافي المجيد (علي محمود السوداني) قدم لنا انطباعا جيدا يحاكي المكان وبأحاسيس واقعيه بانه بيت اثري بشبابيك عاليه. فضلا على انه مكانا للفقراء في هذه البقعة من الارض (ارض الرافدين) بين مدينتين عريقتين هما البصرة وبغداد وماجرى لهما من اهوال مدمره ولكنة يبقى محطة استراحة تديره سيدة (عواطف نعيم) وابنتها (شذى سالم) بالاستعانه برجل عجوز (عزيز خيون) الذي به يبدأ العرض وهو يحمل جثة رجل جديده لدفنها بعد تناوله السم والاستحواذ على امواله.. وهكذا تتوالى الاحداث بحوار مفهوم وواضح وليس كما فعل (كامو) في حواره الفلسفي . انه انعكاس لما جرى في هذه الارض من قتل ودمار بعد انتهاك القيم والمبادئ عند الكثير من النفوس واصبح الجار يفتك بجاره والاخ يحاول الايقاع بأخيه والبحث عن المال حتى عن طريق الاجرام. وهذا مافعلته هذه الام القاتله هي وابنتها بقتل الابن بقصد سرقة المال رغم شخصيته الشفافة الجميلة فضلا عن اهتمامه بالموسيقى وآلة العود جاء لعائلته بعد عناء لكي يبني لها حياة جديده هنية متفائلة لكنه تناول الشاي المسموم كالمعتاد وفارق الحياة وحسنا فعلت المخرجة عندما اخرجت هذا الشاب (مصطفى حبيب) من بين الجمهور بعد ان نزل (عزيز خيون) الى قاعه المسرح وصعدا معا الى المسرح للدلالة على ان الموضوع يخصنا نحن المتلقين والمأساة مأساتنا ونحن معرضون لهكذا احداث في لحظة ما وان الجريمة التي وقعت هي صدمة هائلة لنا وهنا يبدأ التطهير وهذا ماارادت ان تصل اليه المخرجة لذلك ختمت العرض بأضاءة المسرح بقناديل مبهرة لتعطي املا جديدا وان تطوى تلك الصفحات اللعينة.
كان على المخرجة ان تستثمر وجود هؤلاء الفنانون الكبار وادائهم الرائع بان تتوسع من العرض لأنه كان مختصر جدا في حين انه يتحمل الكثير في بناء النص والحوار والشخصيات والجمال ولم تتح للممثل بالظهور بحوار اكثر عمقا فلم نعهد ان تخرج الفنانة القديرة شذى سالم بحوار محدود كذلك الفنان القدير عزيز خيون بامكاناته المألوفة وايضا الفنانة عواطف نعيم بصوتها المؤثر. كذلك الفنان الشاب مصطفى حبيب ذو الامكانات الواعده.. وكان جهدهم واضح واكيد.. اني ارى هذا العرض نقطة البدء بتأسيس حالة جديدة لأسترجاع المسرح الشعبي الواعي.
























