جمعة رمضانية في المتنبي

جمعة رمضانية في المتنبي

لست غريباً عن طقوس وتقاليد شهر رمضان فانا اعرف ان غالبية الناس يستغلون ليالي رمضان لزيارة الاهل والاصدقاء والاقارب، ولتبادل صحون الاطعمة المختلفة والمخصصة لشهر رمضان، ويستغلون هذا الشهر نهراً لمواصلة اعمالهم، واداء بعض العبادات وقضاء فترة معينة في النوم، والتعاون مع ربات البيوت في اعداد وجبات الفطور، ومثل هذه الطقوس والتقاليد تشمل اغلبية العوائل، ولكنها غير ملزمة للجميع، اذ يحدث ان يستضيف احدنا عائلة من اقاربه طوال الشهر الفضيل، او يستضيف جيرانه واصدقاءه في بعض لياليه العامرة بما هو حسن وجميل وكريم، او يلتقي عدداً من الاصدقاء والاقارب في احد الاماكن المقدسة، او يتم دعوة عدد من العوائل الفقيرة لتناول وجبة فطور، ولان الناس في هذه المناسبة يولون ليل رمضان اهمية كبيرة فقد اصبح من الواضح انهم يقضون الساعات الاولى من نهارات شهر رمضان في بيوتهم، حيث تكاد الشوارع تكون خالية او شبه خالية من الناس، ويتجسد ذلك بشكل ظاهر وملموس في جمع شهر رمضان، حيث تضاف الى الطقوس والتقاليد خوف الناس من الانفجارات والاضطرابات، وما يحدث من غلق لمطاعم والمقاهي، ومن قطع لشوارع مهمة، وخاصة الشوارع التي تجاور المساجد والاماكن المقدسة.

وازاء هذه الاجواء وتداعياتها لم اتقطع عن زيارتي لشارع  المتنبي كل يوم جمعة، وفيما كنت استعد لذلك، حذرتني ابنتي من الذهاب الى هذا الشارع، لانني سوف لا اجد سيارة توصلني اليه، ولا اجد احداً من الاصدقائي الذين اعتدت اللقاء بهم في مقاهيه وارصفته، ومكتباته وازقته، وسوف لا اجد امامي ما يعرض شوارع المتنبي في يوم الجمعة من عناوين واصدارات.

ولم تكن تحذيرات ابنتي موجهة لسلامتي فقط، وانما هي صحيحة، فقد وجدت الشارع القريب من البيت يكاد يكون خالياً من السيارات وحركة الناس، وكان علي ان اقطع مسافة حتى اجد سيارة تقلني الى احد مراكز المدينة، ووجدت سيارة مع عدد من الركاب تقلنا من مدينة الحرية الى الباب الشرقي، ومع قلة حركة الناس والسيارات استطاع السائق ان يوصلنا لجسر الاحرار، حيث منع من المرور الى الجهة الثانية من الجسر، وقد لاحظ المواطنون وهم يعبرون الجسر ان جسر الجمهورية القريب جداً من المنطقة الخضراء كان مفتوحاً للسيارات والسابلة، فما الداعي والسبب لاغلاق جسر الاحرار.

وكان المطلوب ان اقطع المسافة ركوباً او مشياً من جسر الاحرار الى شارع المتنبي ولكن السائق تقديراً لزبائن شارع المتنبي وللشارع نفسه ولمعروضاته دعاني الى البقاء في السيارة، اذ انه سيقودها الى ساحة الشهداء المجاورة لشارع المتنبي وهذا ما حصل فعلاً.

واذ تعبر جسر الاحرار او الجسور الاخرى وتضطر للسير ماشياً فان الذي تلاحظه ان السيارات والمشاة يتجهون مسرعين او متحدثين الى شارع المتنبي، واذا كانت بغداد في كل يوم جمعة قد عرضت للغلق وحركة السيارات اغلب الاماكن والكراجات المخصصة لذلك فان الساحات المجاورة لبعضها البعض تكون في هذا اليوم قد التحمت كأنها مساحة واحدة، فهي الوحيدة في بغداد التي يسمع فيها بالازدحام وحركة السيارات والمشاة، حين تكون مفتوحة امام شارع المتنبي، وهي لا تكون مفتوحة في اية جمعة، اذ يحصل ان تقوم الجهات الامنية بمنع السيارات عن الدخول الى ساحة الرصافي واذ تدخل شارع المتنبي في اول جمعة من شهر رمضان تجده عامراً بالمكتبات والاصدارات كما هو في جمعه الاعتيادية الاخرى، فالازدحام في حركة الناس والسيارات في هذه الامكنة ظاهرة لا توجد في اي مكان من بغداد نفسها، وهي نتاج العلاقة الرائعة بين بغداد والمكتبات، اذ ان بغداد رغم الظروف الامنية وضغوطها تجعل للكتب استثنائية  ورائعة وتستحق الاحتفاء والخلود، فهل لغير بغداد مثل هذا الاحتفاء الجميل بالكاتب ودامت بغداد مزدحمة بالكتب والاصدارات؟ ومشرعة بكل ابوابها ونوافذها للمعرفة والثقافة والانسان المثقف.

ان ينيرك ويسرك ان ازدحام السيارات والسابلة في بغداد او جمعة رمضان لم يكرس للطعام والملابس والاشياء الاخرى وانما للكتب والاصدارات ويكون المواطنون على خارج  وداخل شارع المتنبي، ليكونوا قادرين على اقتناء ما يطلبون من كتب واصدارات.

رزاق ابراهيم حسن

بغداديات تراثية وجولات في مدينة واحدة