جدلية الصراع والحوار بين الاسلام والغرب

جدلية الصراع والحوار بين الاسلام والغرب

عماد علو

لاتزال مقولة ( صدام الحضارات )  المزعومة تلقي بظلالها القاتمة على علاقة العرب والمسلمين بالغرب المسيحي على اساس التحدي العربي الاسلامي المفترض للغرب ، في وقت قدّم أكاديميون في كل من الغرب والشرق تصريحات وآراء متناقضة دارت كلها حول ( صراع الحضارات ) و ( حوار الحضارات ) واضحت هذه المسألة محل اهتمام دولي ، وقضية يركز عليها كثير من رجال الفكر والسياسة في أوربا وأمريكا ، فضلاً عن بعض المسؤولين السياسيين ، بينما يعيش العالم اليوم متغيّرات كثيرة ، أنتجت تحدّيات عديدة، وصراعات ضارية ؛ امتدت الى جميع مناحي الحياة : الاقتصادية والسياسية والاجتماعية و حتى الفكريّة والثّقافيّة ، دون أن يصل أحد الى تفسير موضوعي حاسم لحقيقة ما يجري هل هو ( صدام أم صراع حضاري) ؟ مصطلح يعكس تناقضا” واضحا” للوهلة الاولى في مفهومه كون التحضر والرقي الانساني يتناقض مع مفهوم الصراع والصدام الموحي بالعنف والوحشية والعودة الى شريعة الغاب ! أم أن ما يجري هو (لقاء وحوار حضاري) ؟ وهو مصطلح يتطلب تبنّيه تكافؤ واحترام واعتراف متبادل واجواء سلمية مستقرة بين طرفي أو أطراف الحوار أو اللقاء استنادا” الى فرضية أن المتحاورين متحضرين بمعنى بالغين درجات عالية من الوعي والادراك الانساني لدور الانسان في عمارة الارض وبناء وديمومة الحياة البشرية الراقية . هذه التساؤلات تقودنا الى اشكاليات فكرية وسلوكيات تعبر عن تناقضات وضبابية وغموض في فهم واستيعاب الآخر بشكل أو بآخر.

ان اشكالية الصراع والحوار بين الاسلام والغرب تقتضي الإجابة على العديد من التساؤلات القديمة والحديثة التي تبحث في اسباب ومبررات ودوافع الصراع بين الاسلام والغرب ، الامر الذي قد  يعكس تصورا” مفاده ، أن لا طائل من الحوار، ولا جدوى ، وهذا ما يستدعي أيضا التساؤل عن جدية الدعوة إلى حوار موضوعي وفعال بين الاسلام والغرب ، وعن العوائق التي تعيقه، ومسؤولية الأطراف المعنية في إنجاحه أم إفشاله. كما أنه من الضروري التعرف على ابعاد ومبررات ودوافع الصراع من جهة ومن جهة اخرى الى التعرف ايضا” على واقع الحوار بين الحضارات في الوقت الراهن ، ودور الإسلام في تعزيز الحوار الحضاري.

إن ما نفترضه ، في هذا الطرح ، خلافاً لدعوى برنارد لويس وكبلنج وصموئيل هنتنغتون ، وهو أن المصدر الأساسي للصراع في عصر ما بعد الحداثة فيما يسمى بالنظام العالمي الجديد لا يزال يتمثل في حقيقة ما تتعرض له ثقافات العالم من انسحاق وتهديد بالتفكك والدمار بسبب التنافس والتزاحم في الموارد المادية والمعنوية ( الثقافية ) ، أكثر مما يعود إلى انقسامات ثقافية أو دينية ، وأن من غير المرجح أن يتغير هذا في المستقبل القريب .

ولما كانت  الحضارة : هي مجموعة المفاهيم الموجودة عند مجموعة من البشر، وما ينبثق عن هذه المفاهيم من مُثل وتقاليد وأفكار، ونظم وقوانين ومؤسسات تعالج المشكلات المتعلقة بأفراد هذه المجموعة البشرية وما يتصل بهم من مصالح مشتركة ، أو بعبارة مختصرة ” جميع مظاهرة النشاط البشري الصادر عن تدبير عقلي .. فانه من الضروري التمييز بين الصراع كمفهوم ، وكظاهرة، وكعملية: حيث إن الصراع كمفهوم له طبيعته المركبة التي تستمد خصائصها من الموقف الصراعي ذاته، أما الصراع كظاهرة فإنه يتسم بالتعقد البالغ ، كونها تجمع – وعلى الأقل بشكل كامن ومحتمل – بين مزيج من الأبعاد الإيجابية والسلبية معا، في حين أن الصراع كعملية إنما يجد جذوره في روافد متعددة، كما أن أشكاله ، ومظاهر التعبير عنه إنما تتداخل وتتقاطع فيما بينها بشكل يعكس قدرا لا بأس به من الاعتماد المتبادل بين منابع العملية الصراعية ومظاهرها. والحوار مصطلح يشير إلى درجة من التفاعل والتثاقف والتعاطي الإيجابي بين الحضارات التي تعتني به، وهو فعل ثقافي رفيع يؤمن بالحق في الاختلاف إن لم يكن واجب الاختلاف، ويكرس التعددية، ويؤمن بالمساواة. والحوار كلمة تستوعب كل أنواع وأساليب التخاطب سواء كانت منبعثة من خلاف بين المتحاورين ام عن غير خلاف، لأنها إنما تعني المجاوبة والمراجعة في المسألة موضوع التخاطب، وهو وليد تفاهم وتعاطف وتجارب كالصداقة.

إن الدراسة المنصفة والمحايدة في موضوع الإسلام والغرب هي وحدها التي تبرز حقيقة العلاقة بينهما ،  فليس مطلوبا من العالم الإسلامي أو من الغرب أن ينسيا وقائع التاريخ في علاقة المسلمين بالغرب، ولكن المطلوب أن تكون عبرة هذا التاريخ والدروس المستنبطة منه ، ماثلة أمامنا. فعندما ظهر الاسلام في القرن السابع الميلادي في جزيرة العرب بدأت علاقته بالغرب بدعوة الغرب الى الحوار بالرسالة التي بعثها الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم الى قيصر ملك الروم البيزنطيين مَعَ الصحابي  دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ ، فكانت الاستجابة الغربية الاولى  للحوار بشأن الاسلام ودوره وتأثيره والتي سجلها التاريخ هي ذلك الحوار الذي جرى بين أبو سفيان وقيصر الروم البيزنطيين بشأن الاسلام.

 إن شعور الروم البيزنطيين بالإحباط أمام المسلمين انعكس في رسالة نقفور خليفة ايرين على عرش بيزنطة إلى الخليفة العباسي هارون الرشيد كما أوردها الطبري بقوله (( من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب أما بعد فأن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرّخ وأقامت نفسها مقام البيدق فحملت إليك من أموالها ما كنت حقيقياً بحمل أمثالها إليها لكن ذاك ضعف النساء وحمقهن فإذا قرأت كتابي فأردد ما حصل قبلك من أموالها واختر نفسك بما يقع به المصادرة لك وإلا فالسيف بيننا وبينك)). فأجابه الرشيد على ظهر كتابه((بسم الله الرحمن الرحيم من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم قد قرأت كتابك يا أبن الكافرة ، والجواب ما تراه دون ان تسمعه والسلام)). وقد اتسمت علاقات المسلمين في  الأندلس مع الغرب وبالذات مع دولة الفرنجة بصبغة عدائية وقامت على الهجمات الحربية المتبادلة بين الفريقين ، وحاولت الفرنجة والأمويون أن يجدوا لهم نصيراً في القوى الأخرى الموجودة فاتجه الفرنجة إلى التحالف مع العباسيين كما تحالف البيزنطيون مع أمويي الأندلس ، ومن هذه المحالفات تلك التي عقدت نحو سنة (180 هـ 797 م)   بين الخليفة هارون الرشيد (170 – 193هـ/786-809م) وشارلمان  ملك  الفـرنجة (151- 199 هـ / 768-814 م ) ونصت على التعاون بينهما من مسلمين أسبانيا والدولة البيزنطية وأهداه الرشيد الساعة العجيبة الشهيرة في التاريخ .

 وقد كانت السفارات والبعوث من وسائل واساليب الحوار بين الشرق والغرب أو بعبارة أدق بين الغرب والاسلام . وقد أشار المؤرخ المغربي المقري إلى سفارة أرسلها الإمبراطور تيوفيل إلى الأمير الأموي عبد الرحمن الثاني (206 – 238هـ/ 822 – 852م) وذلك في سنة ( 225هـ/ 839م ) وان الإمبراطور طلب مواصلة ، ورغبة في ملك سلفه بالمشرق ، وإذا كان عبد الرحمن الثاني لم يقدم المساعدة الفعلية للبيزنطيين فقد حرص على ترك باب المفاوضات مفتوحاً ، ولذلك أرسل سفارة من قبلهِ على رأسها الشاعر يحيى الغزال وكان من كبار الشخصيات ، وغادرت هذهِ السفارة الأندلس مصحوبة بالرسول البيزنطي قرطيوس ، وقوبلت في القسطنطينية بترحيب بالغ وأدى الغزال مهمته خير أداء، ونجح في توثيق الصلات بين الجانبين كما  ارسل عبد الرحمن بن الحكم  سفارة الى ملك النورمان (هوريك) في ذلك الوقت (230- 231هـ/ 844- 845م) بعد أن طلب الاخير أن يهادن المسلمين بعد هزيمة جنده، وكان على رأسها يحيى الغزال أيضا” ورافقه يحيى ابن حبيب وكانت من مظاهر واساليب الحوار بين المسلمين والغرب ما بلغته الحواضر الاسلامية مثل بغداد وقرطبة والقاهرة من تقدم وتطور حيث كانت مركزا” للإشعاع الحضاري والثقافي والادبي قصدها طلاب العلم من مختلف امم اوربا للتتلمذ على يد علمائها وحكمائها واطبائها وأدباءها في ذلك العصر ، فكانت مسرحا” للحوار وتبادل الافكار والتلاقي الحضاري .

الا أن ذلك لم يمنع من زيادة شعور الغرب بان الاسلام يشكل خطرا” عليه فبذل الاموال والجهد للنيل منه في كل الاتجاهات شرقا” وغربا” ، حيث تفجرت أوروبا بالأوهام الصليبية عندما مضي بطرس الناسك في القرن الحادي عشر برسالة أوربان الثاني ليحشد أوروبا في جحافل الحملات المسعورة لأطماع الفرنجة تحت عنوان الحروب الصليبية، وتنشأ مواجهة أخرى بين الشرق والغرب استمرت مائتي عام ركز فيها الغرب راياته على أمارات كثيرة في الشرق من الرها إلى دمياط ، كانت ارهاصاتها ونتائجها المنطلقات الفكرية لاستراتيجية القوى الغربية المعادية للامة العربية والاسلامية ، والتي عبرت عنها التنظيرات الغربية التي استندت اليها مجمل الحركات الاستعمارية ازاء الامة العربية وما افرزته من نتائج تجزيئية يعاني منها العرب حتى اليوم . ويبرر المستشرق الانكليزي كاردنر هذا العداء الغربي للإسلام بقوله (ان القوة التي تكمن في الاسلام هي التي تخيف أوربا) ان هذه الطروحات الغربية كانت الغاية منها ايجاد المسوغات والتبريرات لفرض نمط من الاستلاب (مؤسسا” بوصفه حقا” أوربيا” سيتكون بشكل رئيس من حق احتلال ارض) . وهذا يتطلب بالتالي اضعاف الامة العربية صاحبة الأرض الحقيقية عن طريق فعل سياسي منظم باتجاه تجزئة الوطن العربي الى وحدات سياسية وكيانات لا تملك بمفردها عناصر القوة الكافية للدولة .  وعندما نجح السلطان العثماني محمد الفاتح بفتح القسطنطينية في عام 1453م، بدأت جولة أخرى من الصراع كانت هذه المرة في عمق الأرض الأوربية، وسمعها الغرب بوضوح على أسوار فيينا في قلب القارة الأوربية. بعد هذا الهجوم الإسلامي أفاقت أوربا من هول الصدمة ورجعت إلى ذاتها واستندت بتراثها وعجلت من تكثيف جهودها على إخراج المسلمين من الأندلس عام 1492م. لتغزوهم في عقر دارهم بعد ذلك مستهدفة تشتيتهم وتجزئتهم ، وقد كانت التجزئة دوما” هدفا” اساسيا” تمحورت حوله كتابات المفكرين الغربيين عند تناولهم الشرق بشكل عام والوطن العربي بهويته العربية والاسلامية بشكل خاص لأهداف ومبررات عديدة ، كانت بدايتها أهمية الموقع على الطرق الاستراتيجية نحو المستعمرات ومن ثم تصاغ الاهداف في العصر الحديث لاعتبارات تمليها طبيعة التطور الذي وصلت اليه الحضارة الغربية ومستلزماتها الضرورية في المقدمة منها الطاقة . وفي أواخر القرن التاسع عشر اتضحت الخطوط العامة للتحالف الغربي المعادي للامة العربية وكانت الصهيونية واحدة من القوى التي بدأت تطمح أن يكون لها دور في التحالف المعادي للامة العربية ولا شك في أنها كانت ذات علاقات واسعة مع كل اطراف التحالف الغربي المعادي للامة العربية ، فكان مؤتمر بازل عام 1897م الذي حدد المنطلقات الفكرية للصهيونية على اسس عالمية . ثم بدأ التفكير الحقيقي بتطبيق مخطط التحالف الغربي الصهيوني لتجزئة الامة العربية ومنعها من النهوض والتطور في اعقاب انهيار الدولة العثمانية وتصفية ممتلكاتها وقطف ثمار جهود المبشرين ورجال الاستعمار التي بذلوها طوال قرنين من الزمن للسيطرة على الامة العربية وفرض الانكفاء والضعف عليها .

أن التاريخ البشري يحفل بالكثير من الشواهد الدالة على أن الصراع أحد سمات الاتصال البشري، كونه عاملاً مؤثراً في تكوين الحضارات وانتقالها، وفي الوقت نفسه كان للعلاقات السليمة والحوار دور كبير في تحقيق التواصل الحضاري وبناء الثقافات. وإن الشواهد كثيرة على أن الجانب الأكبر من الإنجاز الحضاري لم يكن ليتم لولا الحوار والتفاعل الانساني باعتباره منهج حضاري للتفاهم والتعايش بين الحضارات . والحضارة الإسلامية منذ نشوئها وتكونها لم تخرج عن هذا الإطار التواق إلى التفاعل مع الحضارات الأخرى أخذاً وعطاءً، تأثراً وتأثيراً ، حيث حمل العرب قيم الإسلام العليا ومثله السامية وأخذوا في نشرها وتعميمها في كل أرجاء الدنيا، وبدأت عملية التفاعل بينها وبين الحضارات الاخرى  فنتجت حضارة إسلامية جديدة أسهمت في إنضاجها مكونات حضارات الشعوب والأمم التي دخلت في الإسلام، فاغتنت الحضارة الإسلامية بكل ذلك عن طريق التلاقح والتفاعل.

الا أن هنتنغتون يفسر قناعته بحتمية الصراع بين الحضارات المختلفة ، بأن الكراهية شعور إنساني ، وأن البشر بحاجة إلى أعداء لتعريف الذات وإيجاد الدوافع . ومن الواضح أن نظرية هنتنغتون تدفع نحو نظرة خاطئة للحضارة الإسلامية والمعطيات ، في حين الإسلام لا يسعى  للصراع مع  الحضارة الغربية إلا مع العناصر العدوانية  الشريرة التي تهدد وجوده ومعتنقيه . الامر الذي يدفعنا للقول أن طروحات هنتنغتون للصراع بين الحضارات ليست تأتي في اطار دعوة للعودة الى شريعة الغاب وفرض الافكار والمعتقدات والرؤى الغربية على المجتمع العربي الاسلامي ، في محاولة من الغرب لفرض التفوق الحضاري الغربي وطمس معالم الحضارة الاسلامية .  حيث مارست القوى الغربية المعادية للامة العربية والاسلامية  صيغا” متعددة في فرض التفوق المادي على الامة العربية انطلاقا” من نظرة استعلائية عنصرية ، حيث لم يكن الطريق المباشر هو انجح الاساليب دائما” وانما في بعض الاحيان كانت تأخذ طابع قتل الحافز الذاتي على تحقيق التقدم والاجبار على الانتماء الايديولوجي الى النموذج الغربي المادي … لذلك فان الاستراتيجيات الغربية كانت دوما” تنطلق تحديدا” من نظرة الغرب الى الحضارة العربية والاسلامية بوصفها ثقافة عدوة ، وهذا العدو لابد من محاربته واحتلال ارضه وتجزئتها كلما استطاع الغرب الى ذلك سبيلا”. وأحد الادلة على ذلك قول(لارشي) الفرنسي ، استاذ التشريع الجزائري :” لا سبيل أنجح لفرنسا من التعليم الابتدائي لتخليص السكان المسلمين من الافكار المسبقة التي تحول بهم دون مدنيتنا ولرفع مستواهم الأدبي والثقافي “. ان هذه الرؤيا ليست فقط تبريرية وانما في حقيقتها تمارس عن عمد نوعا” من التغييب لحقائق معاكسة تماما” وتلغي بنظرة استعلائية قرونا” طويلة من العطاء الانساني للحضارة والهوية العربية الاسلامية ومنجزاتها الكبيرة في مجالات الفكر والعلوم والفلسفة والمنطق ..

   ان ما يحاول بعض الغربيين اشاعته حول الخوف من الإسلام، واعتباره الخطر القادم، (الخطر الأخضر) كما سماه بعضهم، وترشيحه ليكون العدو البديل بعد سقوط الاتحاد السوفيتي الذي سماه “ريجان” إمبراطورية الشر ! ماهي الا محاولات لإبقاء الحضارة الغربية والغربيين محبوسين في اطار دائرة الحقد القديمة الموروثة من الحروب الصليبية . دون أن يحاولوا الاعتراف بحقيقة أننا أبناء اليوم لا بقايا الأمس، ولسنا الذين بدأنا هذه الحروب، بل نحن الذين شنت عليهم. ونريد منه كذلك أن يتحرر من نظرة الاستعلاء، التي ينظر بها إلى العالم نظرة السيد إلى عبده، فهذه النظرة من شأنها أن تثير الآخرين وتستفزهم .  لذلك فإن ” قادة الحضارة الغربية يخشون على حضارتهم من كل بادرة إحياء لتلك الحضارة التي كانت سائدة. ومما يزيد من خوفهم قول المختصين منهم في التاريخ الإسلامي، إن للإسلام مقدرة عجيبة على  العودة كلما هُزم”. والحق أن هؤلاء الذين يتهمون الإسلام والمسلمين بالعنف والعدوانية بهذه الصورة المجحفة، وأن الإسلام قد انتشر بحد السيف ؛ يصورون المسلمين باعتبارهم ” جماعة من قطاع الطرق ، لا أصحاب دعوة شريفة حصيفة . وهي محاولة غربية يائسة للإجابة عن التساؤل حول مصير الحضارة الغربية إذا ما تقدم الإسلام ونهضت الحضارة الإسلامية . وهو ما عبر عنه بوضوح لا لبس فيه كل من برنارد لويس و فوكوياما و هنتنغتون من أن الإسلام عدو صريح للحضارة الغربية بكل منظوماتها وقيمها ومنجزاتها، وأن المسلمين لديهم ميل طبيعي للعنف والعدوانية والانتقام من الغرب، وأن الإسلام هو الحضارة الوحيدة التي ما زالت عصية على الاحتواء الغربي وعلى الحداثة. وعليه فان الدوافع والمبررات التاريخية والدينية التقت مع المصالح الاقتصادية في استعدائها للعرب والمسلمين ، وهو أمر تعكسه مطالبة إدوارد جيريجيان  مساعد وزير الخارجية الأمريكي السابق لشؤون الشرق الأدنى يطالب بوضوح: ” الولايات المتحدة بوصفها القوة العظمى الوحيدة الباقية، والتي تبحث عن إيديولوجية لمحاربتها؛ يجب أن تتجه نحو قيادة حملة صليبية جديدة ضد الإسلام   وهو التعبير نفسه الذي استخدمه ” بوش الابن ” في بداية الحملة الأمريكية الجديدة على العالم الإسلامي، والتي بدأت بأفغانستان  والعراق في 2003.. يتخلل ذلك الاستعداد لغزو كل من سوريا وإيران.. وكلها من الدول(الإسلامية) . وهذا ما تؤشره وقائع الاحداث الجارية في المنطقة .. التي تأتي كتحصيل حاصل للطروحات الفوكويامية والهانتغتونية، وفي سياق رياح ابتكار جديد روج له وطلق عليه تسمية (مشروع العولمة ) ، وفكرته منبثقة ونابعة في الأصل من الفلسفات والاعتقادات والمدارس الفكرية الشمولية المعروفة في الغرب.. الذي سخّر لترويجها وفرضها على بقية الامم والشعوب كل إجراءات التطوير والعصرنة اللازمين في زمن تكنولوجيا الفضائيات والمعلومات المخزنة والمسترجعة أو الطائرة، فأصبحت العولمة بذلك ـ وبغيره ـ مفهوماً هو بمثابة المسلّم به، تسعى الولايات المتحدة التي تتزعم العالم الغربي ، إلى فرضه بنموذجها وعلى طريقتها وبراغماتيتها.

ولا يسعنا في الختام الا القول أن تاريخ العلاقات بين الحضارتين الإسلامية والغربية عرفت فترات حوار وتفاعل ، وفترات صدام وتطاحن . وعندما بدأ الطروحات الفوكويامية والهنتغتونية تخبو ويخفت بريقها، حتى راحت رياح مشروع العولمة، لتطور وتصعد من حدة الصراع مستهدفة بالدرجة الاساس الحضارة العربية الاسلامية ، مبررة حماسها الاستعدائي ، ونهجها التدميري ، بحجة واهية أطلقت عليها مصطلح(الاسلام فوبيا)، لتحشد الرأي العام الغربي ضد الاسلام . فظهرت بوضوح الفجوة الهائلة في الرؤية واسلوب التفكير والمنهج  بين الغرب والإسلام ، وسوء التفاهم بينهما إن صح التعبير ، حيث أن هذه النزعة العدائية من جانب الغرب نحو الإسلام والمسلمين ، و العروبة والعرب . ليست جديدة أو مبتكرة  بل أنها  لها جذور ممتدة في عمق التاريخ… وأن على الغرب اليوم مراجعتها بموضوعية وتجرد لتصحيح مسار العلاقة بين الاسلام والغرب…