ثنائية المرأة / الوطن في شعر مهند الشهرباني

ثنائية المرأة / الوطن في شعر مهند الشهرباني

نعت وتعويض ووجع عميق

رؤى جعفر

الشاعر مهند الشهرباني من مدينة البرتقال ، ديالى العريقة وتحديدا من شهربان أرض البساتين المزهرة ، ولد في العراق وشارك في حروبه ومعاركه وعانى جميع أزماته من الحصار الإقتصادي إلى الحرب الطائفية إغترب داخل الوطن حين سكن مدينة كركوك وتغرب بعد ذلك ليستقر في تركيا سكنه الآن . شاعر كتبَ الشعر من أجل الشعر ، لم يبحث عن الشهرة ، ولم يحَّمل نفسه عناء الجري وراء منصات المهرجانات أو جوائز المسابقات . وكان من حسن حظه أن لم يدنسه النقد الأخواني بما دُنس به شعر غيره من الشعراء . كتب الشهرباني في مجالي السرد والشعر. ونشر في مواقع الكترونية كثيرة منها مركز النور ، أصدر مجموعته الشعرية الأولى ( وطن على بعد امرأة ) في العام 2015 . حملت هذه المجموعة النصوص الإبداعية الجميلة التي تتطابق فيها الصدق الفني مع الصدق العاطفي ، وظفَّ فيها الكثير من التناصات القرآنية ، والمفردات العراقية العامية ، وجاءت معظم نصوص هذه المجموعة على مستوٍ عالٍ من الجودة والرقي وتميزت بأسلوبها السلس الرقيق المغرق في العذوبة . وحين تتبعنا نصوص المجموعة وجدنا أنها جديرة بالدراسة من نواحٍ عدة ولا سيما ثنائية ( المرأة / الوطن ) التي ألح عليها كثيرا في نصوصه.

إنَّ الشاعر يتميز عن غيره برؤيته العاطفية للأشياء ،  و يحكمه الموقف الانفعالي العابر أو المزاجي ، وليد اللحظة  … وإن كان متوازناً إلى حد القلق ومنسجماً مع نفسه وفكره إلى حد التوتر والقوة والابداع . وأهم مايميز الشاعر مهند الشهرباني احساسه العميق بالأحداث وصدقه فيما يكتبه إلى حد بعيد ، ومن يتتبع تجربة الشهرباني الشعرية يجده يؤكد على الجمع بين ثنائيتين لا تكاد تنفصلان منذ الأزل ألا وهما ( المرأة / الوطن ) ، فالمرأة بجميع الحالات تمثل الاحتواء للآخر بصرف النظر عما إذا كان الآخر رجلا أو امرأة فهي السكن والمأوى والاستقرار والأمان والطمأنينة لزوجها وأبنائها ، وبالمقابل الوطن يعني كل ذلك . ومن يفقد أحدهما يشعر بفقده للآخر .  وإذا ابتدأنا بعلاقات الشاعر مهند الشهرباني  العاطفية فإننا نجده وطنياً في حبه إلى أبعد حدود الوطنية ، لأن المرأة عنده وطن آخر ، ولا يشعر بحبه لها إلا من خلال حبه للوطن الذي نشأ فيه وانتهى إليه . ورفع قضية الحب من المستوى الذاتي السطحي ، إلى المستوى الوطني ذو الهم العام وكأنه يضع مخططاً جديداً لحبٍ  فريد يتجاوز الانفعالات السطحية التملكية الضيقة .. إن محاولة الربط بين الحب والوطن يجعل إمكانية التأثير والتأثر بينهما حالة حتمية لا مفر منها وصارت هذه القضية  هاجساً لديه ما يفتأ يكررها ويرددها كلما وجد الوقت مناسباً ولعل هذا الربط يحدد خصوصية أدب الشهرباني وتميزه . وتبدأ هذه القضية عنده من الإهداء الذي استهل به المجموعة إذ يقول :

إلى وطنٍ : يقفُ على الحيادِ منّي

ونساءٍ : يُشعلنَ شموعَ غيابي كل ليلة  .

وصولا إلى النص الرابع من نصوص المجموعة الذي تكون العلاقة بين المرأة / الوطن أكثر وضوحا فيه ، هذه العلاقة التي يؤسسها الحب إذ أنَّ الحب هو الحجر الأساس في تكوين الإنسان وتكوين الأوطان …

وحين نحب

يصير الماء بنكهة قبلة

والغيمة باستدارة فم

تمطر السماء شآبيب رحمة

تمنح الوردة إقامة دائمة للفراشات

يتحرر الله من تجّار تماثيله

ليكون للوطن حدود محبّة

أسوار حنان

وللأمهات ..

( هلاهل ) و(حنّة )

حين نحب

تصبح الخرائط وهماً جغرافياً

وفقط حين تقولين أحبك

يكون للحب طعم الهدهدة الأولى من يد أمي  .

بهذا التفاؤل والأمل والصفاء الذهني يكتب الشهرباني ويسعى لأن تبقى المرأة التي يحاورها ويجلس إليها ويكتب الشعر بها .. تشاركه حواره وأفكاره عن الوطن ، ذلك الوطن الذي يمنحه الشاعر خصوصيته بتوظيف مفردتين من مفرداته العامية الجميلة المقترنة بالفرح ( هلاهل و حنّة ) ، مفردات عراقية أصيلة لازمت العراقيين في معظم أفراحهم .

غالبا ما يكون المكان المركز الحاوي  لجميع تطلعاتنا الفكرية والاجتماعية والنفسية ، و( أنَّ الوجود الإنساني مقترن بالذاكرة المكانية ، وأنَّ أي أثر يحفز تلك الذاكرة كفيل بتحديد ماهية الوجود هذا ، فالارتباط ( الأول ) ارتباط مكاني لا يخرج عن حدود الرحمية كظهور للفكرة الأولى ، وتلك الفكرة هي التي جعلت الوجود الإنساني كافتراض وجودا في الذاكرة المكانية ، والمفهوم العام للفكرة الأولى هي التي جعلت من الإنسان ذا بعدين ، بعدا ( فرديا) متحررا من وطأة ( الآخر) وملتصقا بعزلته … ومشحونا بطاقة حلمية يؤسسها المطلق المكاني ، وبعدا ( جمعيا ) سجين افتراض الآخر ومنفتحا كوجود لمفاهيم كثيرة مشحونة بطاقة (واقعية) تسعى لتحطيم ذاكرته المكانية …)   . وقد لا ينسجم الشاعر مع مجتمعه مما يودي به للشعور بالعزلة والاختناق أو يرى في نفسه أنه في غير مكانه الصحيح وهذا الشعور قد ينبع من تردي الأوضاع السياسية والاقتصادية في بيئته ، أو من تبنيه لأفكار لا تروق للغالبية العامة ، فيعاني الإغتراب وهو داخل أرض الوطن أو يعاني الغربة بعدما يغادر حدود الوطن . وتغير المكان يحدث ما يشبه الصدمة الثقافية للشاعر إذ يحصل تخلخل وتشويش على بعض الجوانب التي يحملها والتي تمثل بيئته وثقافته مما يؤدي إلى إبدالها بأخرى جديدة  . والشاعر حين يستحضر الأماكن ينقل ذاكرة الذات من الحقيقة الموضوعية إلى الحقائق القابعة في لا وعي الإنسان ، من نحو مشاهد الحروب والمعارك والأماكن التي استحوذت على ذاكرة الشاعر في أيام شبابه عندما كان جنديا يؤدي شرف الواجب  في الخدمة الإلزامية  :

ربما

لن تحبك أكثر

حين تعلمُ أن السواتر اغتالت حمامات سلامك

وأن موعد الزيارة الأسبوعي

فرصتك الوحيدة للسع الشمس

لضياعك في عطر امرأة

لتأكل لقمة غير مغموسة بذل الاعترافات

ربما

لن تحبك أكثر

من أسماء بغداد والبصرة

الفاو .. ميسان

ديالى .. الفلوجة

الحفر الباطن …

و.. و.. و ..

ربما ستخبرك أنّ الأمهات في بلادك يلبسن الحزن قبل السواد

يمتحنّ قسوة الله قبل رحمته

يباهين الشقراوات بـ ( شيلة ) تخفي بياض الهمّ

يمسحن بظاهر الكف خيال غربة الأبناء

ولكنك بعد كل هذا ستمضي

رافعا رأس غرورك

لأنك الوحيد الذي يمكنه أن يحاسب الربّ

هنا يتحدث الشهرباني عن ( الحب ، الحرب ، الحبيبة ، الأم ، الوطن ) ، وهو يوالي سرد الأماكن التي تمثل عنده ذاكرة الحرب ، تلك الحرب التي سيحاسب عليها ( الرب / الحاكم ) الذي يزج أبناء الوطن في متاهاتها . والتي ستثمر فيما بعد جرحا كبيرا لا يندمل بل يتقيح على الدوام يؤدي فيما بعد لغربة الشاعر الأخيرة ، وهو يعبر عن ذلك الجرح الكبير بالعراق ، العراق الذي قض مضجعه وهو يسكنه وبعد أن غادره :

أنا بخير لولا العراق ..

إن كنتِ تسألين

يجرحني شطب التقاويم أيام الغياب

ويحملني قلبي الغبي إلى حماقاتي البعيدة

أنا بخير

رغم أن الشيب أرّق صفو الليالي

والعذل موجع

وحين أسمع صوت أمي أقول ..

أنا بخير ..

رغم العراق ! .

و حين يحترق الوطن ويدمر يطلب الشاعر من المرأة أن تتخلى عن أحلام الحب  حيث تفقد الأنوثة البريئة أنثويتها وحساسيتها .. فقضايا الوطن تتقدم إلى ساحة المواجهة والكتابة . لذا يجب أن تشترك معه المرأة كذلك وتشاركه إحساسه الأليم ووجعه العميق وهو  يستحضر الوطن المفقود من خلال المرأة ، المرأة = تراب الوطن إذ يقول :

رباه

هذا العمرُ لا يكفي

كم كتاباً سأقرأ

كم فيلما سأرى

وكم قتيلا سأنعى ؟

أم أن حساب القتلة أسهل ؟!

هذا العمر لا يكفي

لنقش شاهدة على قبري

طلبت من أصدقائي أن يكتبوا عليها أحلامي

لا بُدّ أن أختصر..

أنثى تجيد عمل الشاي و .. الحب

أولاد رائعون ..

كوخٌ على البحر

و .. حفنة من مطر

ليغسلني الملحُ و تجففني السماء

اللعنة

نسيت أن أمنياتي

تحتاج شبراً من .. وطن  .

يستمر الشهرباني في تأكيده على ثنائية المرأة / الوطن واحلال كل واحد منهما محل الآخر والتعويض عنه في مناسبات عدة منها في نصه المعنون أجر :

دون وطن أنا حتى أنني دون منفى

امنحيني موضع قبلة

اختاري حدود شفاهي

واكتسبي أجر اليتيم  .

فالشهرباني هنا ينعت نفسه باليتيم لأنه بلا وطن ، وقد يكون الوطن المعني هو الأم وفي كلتا الحالتين تبقى العلاقة بين الوطن والمرأة علاقة واحدة يحل أحدهما فيها مكان الآخر ويعوض أحدهما عن الآخر .