ثـلاث ليـالي أرق في معبد نـِنـماخ ـ أيـاد آل عبـَّار

ثـلاث ليـالي أرق في معبد نـِنـماخ ـ أيـاد آل عبـَّار
الليلةُ الأولى المُرِيد
ضـَوءٌ خـَابٍ يـَسْرِي بَينَ لـَفـَائِفَ مِنْ عِطـْرٍ مُرٍّ
وَ دُخـَانٍ لِبُخـُورٍ تـَتـَصَعَّدُ مِنْ قـَلبِ المَذبَحِ
وَالمـَوتـَى مُنـْعَكِفونَ يـُصَلـُّونَ صَلاةً فـَحْوَاها
الصَّمْتُ المُطـْبـِقُ وَالآمَالُ المَنـْشُورَةُ كالنـَّرْجـِسِ
فـَوقَ دَثـَائِرَ مِنْ وَرَقٍ مُصْفـَرٍّ تـَقـْرُطـُهُ النـَّار..
أنا أصبـَحْتُ قـَسِيمَةَ حـَظـٍّ تـُلـْصَقُ
فـَوقَ الإعْلانـَاتِ المَـنـْفِيـَّةِ والمَمْنـُوعَةِ
فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمكانْ .
أمـَّا مِنْ يـَسكَرُ بالعِشقِ، يَـصِيرُ طـَعَاماً للنـَّارِ
وَلاجِئَ فِي مَنـْفـَى،
أوْ تـَأخـُذ ُهُ الرَّجْفـَةُ وَالصَّرَعُ المَجنـُونُ فـَيـَكْبـُو،
يـُصْبـِحُ قـَامُوساً فِي بـَيتـِي،
مَرْجـِعَ وَصْفٍ يَبـْحَثُ فيهِ الرّاَئِحُ وَالغـَادِي
عَنْ خـَبَرٍ أوْ قـَبَسٍ مِنْ نـَارٍ تـَهدِي.
إنـِّي أسْتـَغـْفِرُ رَبـِّي.. أنْ يـَرْحَمَنـِي،
أنْ يـَمْنـَحَنـِي النـَّومَ.. الحُلـْمَ.. الطـُّوبـَى
يـَنـْهارُ نـَهارِي،
يـَلـْقـُفـُهُ الليلُ،
يـُسَمِّرُهُ فـَوقَ المـَذبـَحِ.. يـقـْرَاُ
مِهذارٌ زَمَنـِي،
بـَهلـُولٌ عَصْرِي،
شَتـَّانَ يـُخـَلـِّصُنـِي
أوْ يـُعْطِي فِدْيـَةَ رُوحِي لإلهِ النـَّومِ
وشَتـَّانَ يـُسَامِرُنـِي
مِنْ بـَينِ ظِلالِِ بـُخـُورِ الآياتِ الأولى،
مِنْ بَينِ زَوَايَا مَعْبَدِيَ المَهزُومِ،
المَهدُومِ، المَنـْفـِيِّ تـَقـُومُ رِحَالِي
وَتـُشَدُّ حَمَائِلَ قـَافـِلـَتـِي
فـَأهُمُّ أسِيرُ.. تـُوَاجـِهُنـِي..
تـَنـْزَعُ عَنـِّي أرَقَ الليلِ
وَتـُمْحِي مِنْ جـِلـْدِي لـَوْنَ الأحْزَانِ،
تـُزَوِّقُ رُوحِي،
تـُعْطِيها نـَذراً لإلهِ النـَّوْمِ..
فـَيـَأتـِي الصَّانـِعُ وَالكاهِنُ فِي أُولى سَاعَاتِ الليلِ،
تـَوَظـَّأ هذا،
ذاكَ تـَعَطـَّرَ.. ألـْقـَى فِي جُبـْلـَةِ طِينٍ حُبـَّاً مَهووساً..
نـَادَى وَارِدُ قـَافِلـَتـِي أنْ لا نـَوْماً.. لا رَجْـعاً
وِلـْتـُقـْطـَعْ أوْصَالُ الماضِي.
أهُمُّ أسِيرُ..تـُدَاهِمُنـِي امْرَأةٌ
لاإسمَ لها إلاّ أنَّ الموسِيقى
تـَلـْتـَفُّ حَوَالـَيْها..فـَأصِيخُ لها،
أتـَجَرَّعُ مِنْ عَيـْنـَيـْها،
مِنْ شَفـَتـَيـْها،
مِنْ نـَهدَيـْها،
أسْتـَسْلـِمُ للليلِ
سَجِينُ الرَّأسِ وَمَغـْلـُولُ لِسانٍ،
لا أحـْكِي،
أتـَنـَسَّطـُ أنْ تـَأتـِي.. .
أهُمُّ أُصَلـِّي لكِنَّ المَعبـَدَ يَسرِي
مُخـْتـَفـِياً خـَلـْفَ صَلاتِي،
مُخـْتـَبـِئاً بِعُيُونِي..
تـَتـَجَاذبـُنـِي أطـْرَافُ مَوَاوِيلٍ تـَعبـَى..
أسْتـَسْقِ لها..
تـَرْفـُضُ أنْ تـَشْرَبْ
يـَهِيجُ بـِصَدرِي شَوقٌ وَثـَنـِيٌّ
آهٍ عُبـَّادَ الخـُلـْدِ أمَا يـَنـْهَدِمُ الليلُ،
أمَا تـَبـْزُغ ُ فِي مَنـْفـَايَ شَرَائِطـُ ضَوْءٍ أُخـْرَى؟
إنـِّي أسْتـَعجـِلُ أنْ أرْحَلَ،
أمْضِي..لكِنَّ صلاة الليلِ بـِدُونِ نـِهايهْ
وَأنا لا أدرِي إنْ كانـَتْ فِي هذي الظـُلـْمَةِ أُغـْنـِيـَةٌ
أوْ هاجـِسُ رَجْعٍ لِصدىً
أوْ حَتـَّى طـَقـْسَ غـُروبٍ وَبـِدَايـَهْ
فِي هَيـْكَلِ هذا النـُور الأزَلـِيِّ،
بـِذاتِ المَعْبـُودِ جَثـَمْتُ أُصَلـِّي
وَأُرَتـِّلُ حَتـَّى الفـَجْرِ وَمَا بَعْدَ التـِّيهِ،
أُمَزِّقُ أقـْنـِعَةَ الأرَقِ اليـَابـِسِ عَنْ عَظـْمِي،
فِي لـَوْحٍ مَحْفـُوظٍ أقرَأُ
سَمَّاكَ تـَعَالـَى وَدَخـَلـْتَ البـَيتَ،
جَـلـَسْتَ، حَنـَيْتَ الرَّأسَ وَقـُلـْتَ
أعُوذ ُ بـِرَبِّ النـَّاس
مِنَ الوَسْوَاس، الخـَنـَّاس..
وَمِنْ ثـَمَّ رَكَعْتَ.. هَمَسْتَ
أللهُمَّ القـَادِرُ رَبـِّي.. .
رَطِبٌ عِشْقِي.. يـَسرِي
عَبْرَ دُخـَانِ بُخـُورٍ مُثـْقـَلـَةٍ
بـِتـَرَاتـيلِ العَرَّافِ.
أمُدُّ يَدِي،
أمْسَحُ وَجهِي مِنْ أرَقِ الليلِ،
أجـَاوِرُ زَاوِيَةً خـَرْسَاءَ
وَأقـْعُدُ مُلـْتـَفـَّاً بِصَلاتـِي.
صَمْتٌ وَفـَرَاغ ٌ يَمْلأ ُ أرْجَاءَ المَعْبَدِ
واللـَّهَبُ الرَّقِصُ فِي قـَنـْديلِ الكاهِنِ
يَلـْهَمُ ذرَّاتَ الكَلـِمَاتِ المَشْحُونـَةِ بـِالشَّوقِ وَبـالصَّبْرِ..
بـِرُوحِي تـَسرِي رَجْفـَة ُ خـَوفٍ..
أسْكَرُ بالإثـْمِ،
أرَاها تـَخـْرُجُ مِنْ سُمِّ الصَّمْتِ،
تـَفـُوحُ كَعِطـْرِ النـَّرجِسِ،
تـُصْبـِحُ غـَيـثـاً وَضَبَاباً يَستـَلـْقِي
فَوقَ فـَنـَاءِ المَعبَدِ.. آهٍ..
كَالـْبـَلـْسَمِ فَوقَ الجُرْحِ تـَحُطـُّ وَتـَسألـُنـِي كَيفَ أنا؟
أشْرَبُ مِن ،نـَبـْع ٍ فِي الحَانـَةِ كأساً..
آخـَرَ..آخـَرَ..آخـَرَ..آخـَـــــــــرْ..
أفـْتـَحُ عَيـْنـَيَّ أرَى جَمْعاً مِنْ رَهطِي
يـَتـَبـَادَلُ شَيـْئاً مَهووساً، ذا شَكْلٍ
يـَتـَغـَيـَّرُ لـَحْظـَةَ يـُلـْمَسُ.. أسألُ
مَا هذا؟
يـَرتـَفـِعُ الصَّوتُ بـِمَوَّالٍ غـَجَرِيٍّ يـَلـْفـَحُنـِي كالنـَّار،
يـُطِيلُ حَرِيقِي.. يـُطـْفِئُنـِي،
يـَهبـِطـُ فِي الرُّوحِ،
يـَحُطـُّ عَلـَى جُرحِي
مَجنـُونٌ أنتَ وَمَسكُونٌ بـِرِيَاحٍ عَاتـِيَةٍ،
مَسحُورٌ قـَلبُكَ،
أفـْيـَاءُكَ مِيـنـَاءٌ مَخـْفِيٌّ فِي قـَاعِ بُحور المنـْفـَى،
أطـْوَلُ مِنْ دَربِ المَوتِ ـ العُمْرِ
يـَصِيرُ الأرَقُ ـ السُّمُّ ..
سَتـَنـْأى وَالرَّجْفـَةُ فِيك تـَعودُ صَدىً
فوقَ المَذبَحِ كانـَتْ روحِي
تـَنـْحَرُ آخِرَ ساعَاتِ الليلِ
وَتـَسقِي مِنْ مَصْلٍ مِيدوزيٍّ
أشْبـَاحَ الماضِي.
كنتُ أُصَلـِّي وَاُسَبـِّحُ باسْمِ الرَّبِّ
المَجْهُولِ وكُنتُ أُغـَيـِّرُ وَجهِي
حينَ أهُمُّ أُرَتـِّلُ سِفـْراً آخـَرَ..
آهٍ رَبـِّي، مَا يـَنـْحَسِرُ الليلُ؟
فِي آخِرِ طـَقـْسٍ راحَ النـَّاسُ بـِهَمْسٍ
يـَتـْلـُونَ شَعَائِرَ آلهةِ الدُّنـْيا السُّفـْلـَى،
نـَامَ الليلُ وَنـَامَ النـَّجمُ، البـَحرُ، الغـَابُ
وَرَاحَ الصَّمْتُ يُعانِقُ أحْجَارَ المَعبَدِ حَتـَّى
نـَفـَذتْ آخِرُ شَمْعَةَ نـَذرٍ وَانـْطـَفـَأتْ،
حينـَئذٍ دَقـَّتْ فِي رأسِي أجرَاسُ الأرَقِ ـ الخـَوفِ
وَ مَرَّتْ حَتـَّى أقصى عِرقٍ فِي جَسَدِي..
وَبـَدَأتُ أُصَلـِّي وأنا قـَائِمَةٌ فِيَّ
الفـَهْقـَةُ والعَرَّافُ يـُنـَبـِّئُ أخـْبَارَ
الأزْمَانِ السَّالفـَةِ المِعْطاءِ..
أظـَلُّ أُصَلـِّي والليلُ يَنـَامُ طـَوِيلاً..
حَتـَّى يـَنـْفـَجِرُ الفـَجْرُ..
يـَسِيلُ عَلى جَسَدِي ضَوْعٌ مِنْ عِطْرٍ
كانتْ تـَرْشُقـُهُ فـًوقَ عَوالمِها
كُلَّ مَسَاءٍ..
فـَاجُنُّ جُنـُونـاً يـَصْرَعُنـِي .
AZP09