ثالوث الإصلاح والألم والأسئلة المتأرجحة – اضواء – احمد جبار غرب

ظمأ المفازات لشوقي كريم حسن

ثالوث الإصلاح والألم والأسئلة المتأرجحة – اضواء – احمد جبار غرب

صدر عن دار الشؤون الثقافية وضمن سلسلة الابداع المسرحي كتاب (ضمأ المفازات) للكاتب والروائي شوقي كريم حسن  ويعني أيضا عطش الصحارى ب180صفحة من القطع الصغير ويتضمن خمس مسرحيات5كتبها المؤلف ما بين 2013و2015ولعل اكثر المسرحيات تأثيرا وتعتبر محور هذا المجموعة هي مسرحية ضمأ المفازات اذا تشكل العمود الفقري  لها وهي تتناول قضية الطف وتجلياتها المستمرة وما انطوت عليه من  نزوع وجداني نحو الاصلاح والتحريض الفكري ضد الظلم والاستبداد وهي تبقى موضوعة خالدة تصلح لكل زمان ومكان كونها تحتوي على ثيم صراعها وتماهيها مع الزمكان  وهي لا تخضع كموضوعات الى الاشتراطات والسياقات الادبية المألوفة ولأنها فكرة انسانية سامية وخلاقة تبقى هي النور البعيد وسط ظلام موحش يعيشه الانسان  غريبا ومتجردا من قيمه  اذا ما تخلى عن مبادئه واخلاقياته فيضيع المجتمع ولعل القيمة في العمل تستمكن هذه الجزئية وما جرى من انهيار الدولة الاسلامية في شتى مراحلها كان سببه عدم الاصلاح والانصياع  لصوت العقل الذي دوى في الاصقاع  محذرا  ومجلجلا ضد المستبدين ويبقى الاصلاح الحسيني هو ذروة العبقرية الانسانية وعطائها الروحي والفكري  تستلهمه  البشرية في كل زمان ومكان لتسترشد بمناره  ونوره  وقد سبق للعديد من الكتاب العرب ان تناولوا هذه المأثرة الخالدة من سفر تأريخنا المجيد ولعل ابرزها ما كتبه عبد الرحمن الشرقاوي  في اواسط الستينات للخشبة، مسرحية (الحسين ثائرا ) وقد اثارت في حينها لغطا وجدلا في الثقافة المسرحية لطرحها الجريء  ويبقى التناول وطريقة التقديم والمعالجة الدرامية هي بصمة الكاتب وسمته  وتفرده واختلاف اسلوبه  في الكشف عن جوانب هذه الشخصية المضيئة  هي من تعطي التفوق والتميز  وحقيقة  ان جميع مسرحيات الكاتب شوقي  تتناول الانسان وقضيته الازلية  في الوجود المادي وجدواه وما يعانيه من احباطات تبعث أسئلة واسقاطات تظل طافية  دون انتشال او اجابات شافية في واقع متأرجح يسقط كاهله وأعباءه ضد الانسان البسيط والهامشي وينعكس على ايقونة الانسان باعتباره فردا حرا عليه ان يعيش حياته دون منغصات او كوارث  بسبب هاجسه الاناني ونفعيته… ولكن ما يؤخذ على الكاتب اسرافه في استخدام اللهجة العامية بشكل كبير وبأقذع المفردات وهذا ما يثير التساؤل اذا ما علمنا ان هذا الاستخدام يبرره الكاتب بالتقرب من المتلقي والقارئ بالخطاب المباشر لتوصيل الفكرة بسلاسة واشباع الجو العام بالصدق وعدم التزويق وجعل الواقع كما هو دون فذلكة  ولأنه وليد بيئة شعبية عايش  شخصيات ابطاله  وعكس سلوكهم النفسي والاجتماعي  في المسرحية الاولى (سفارات )وهي كوميديا من زمن احزان الانتظارات كما يصفها الكاتب  نقرأ تراجيديا تعالج مأساة العراقيين في وطنهم وسط ركام الموت والفجائع المتتالية  اغتراب في وطن يسكن احلام الشباب  تحول الى وطن اشباح ووقف الحلم امام بوابة للهروب حيث الشعور بالكرامة والانسانية  في وطن اخر افتراضي  كانت ومضة أمل تقبع في دواخل الذات  والاحساس بالجمال والقيمة في وطن الاغتراب ا?خر لكن حتى هذا لم يناله من كان يرسم احلامه بخيال جامح ..لقد عالج المؤلف معاناة اجيال انطفأت امامها كل الخيارات واستسلمت للأمر الواقع. وفي المسرحية الثانية ( خراببط) وهي ايضا مسرحية كوميدية خيالية لا تستند الى الحقيقة بشيء انها من وسط الواقع المضحك والمتهستر وان كان واقعا نتلمسه ونعيشه  حيث دأب الكاتب على سرد تداعيات شخوصه في ازمان متفاوتة وربما جعل المعاناة واليأس هو القاسم المشترك وفي زمن التسلط وانعدام المقاييس عاشت شخصيات هذه المسرحية تعاني الاضطراب والخوف في زمن القسوة الساخرة ..وهكذا يستمر الكاتب في ادامة السخرية  اللاذعة الممزوجة باللوعة  عبر مسرحية( جدران منتصف ا?جابة) حيث يشكل التصوير العبثي للشخصية وحوارها مع كرسي احدى اسقاطات المؤلف بأن جزء كبير من معاناتنا يكمن في هذا الحيز القذر ليس بشكله ومنفعته بل ببعده الرمزي كونه يبعث لنا بمتسلطين وقساة قلوب دائما ما يسرقون حياتنا ومباهجها فيتوغل في استهزاءه بهذا الرمز وقدريته وتحكمه بحياتنا وكالعادة الخاسر هو نحن الانسان الباحث عن حياة حرة كريمة  يلقى التعنيف والاكراه والموت على يده ( أ?نسان السلبي )وفي المسرحية الاخيرة ( الوقت لا يقيم النسيان)يمتد الجانب السيكولوجي في عمق الشخصية التي يطرحها الكاتب وهي امتداد لفكرة ان ا?نسان هو الخليط المتجانس ما بين الشر والخير القوة والضعف الرغبة والاضمحلال اي ان الانسان يدفع ببذرة فناءه بيده فيشير الى ان كل رمز للقسوة والعنف هي موجودة فينا تظهر اذا تهيأت لها فرضة الظهور وفي شروط التهيئة والاحتضان  وربما  يحاول  الانسان جراء جوعه ويأسه الاستنجاد  بالشيطان كي ينقذ نفسه او بالدكتاتور كي يتخلص من مأزق كبير جاثم عليه  وحقيقة ان اي كاتب ينغمس ويذوب في مشاعره واحاسيسه من أجل ان ينتج لنا عملا كبيرا او ذا قيمة ابداعية و يتمتع بنشاط فكري  مميز و يولج نفسه في كل الانماط الكتابية من الرواية والقصة  الى المسرحية اضافة الى آراءه السياسية والثقافية وتلك حالة فيها  أثراء وخصب اذا ما كانت ضمن مسارها الصحيح في تفسيرها للواقع ومعايشته عبر شخوص يبتدعها و تنطق بأفكاره ورؤاه ولديمومة هذا النشاط والكاتب شوقي كريم حسن ربما يكون من هذا النوع من الكتاب فهو دائم النشاط دون كلل و ننصحه احيانا كأصدقاء محبين ان ينعم نفسه وجسده  بالخلود للراحة والنقاهة الفكرية لكي يستعيد نشاطه وابداعه بشكل اكثر حيوية وتألقا ولكي يستمر على هذا الزخم لتحقيق أفكار ورؤى متقدمة من العطاء المتجدد ومعلوم ان الكتابة عندما تكون نابعة من ضمير ومن عمق نفسي وحميمية في التعبير عن صورة او حالة  او نمط ادبي معين تشتغل على الصراع الذاتي والانفعال الداخلي وهذا يكون مؤثر جدا على صحة الكاتب حيث لا توجد مخرجات او تنفيس للذات عن هذا الصراع  والتشظي  في حين ان الانسان عندما يغضب او ينفعل واقعيا ربما يجد له مخرجا للتعبير عن حالته  على عكس الانفعال الداخلي  ووجود فكرة  تتصارع في عمق الكاتب لا يمكن التعبير عنها وتبقى حبيسة الذات فتعيش حالة التصارع بين حلم تحقيق الفكرة وانكفائها  ولهذا دائما ما نرى الكاتب شوقي كريم يتعرض لازمات قلبية  مرضية بسبب احباطاته من عدم رؤية افكاره مبرمجة في ظل هذا الواقع  الذي يبتغيه اي ان الاحلام  لا يمكن تحقيقها رغم ان الحلم هو انعكاس لهذا الواقع والكتاب جدير بالقراءة والتجسيد وهو اضافة جيدة لمسرحنا العراقي اتمنى ان تستغل وتقدم على مسارحنا كونها تعتمد معالجات فلسفية ورحية عميقة