المنجز المعرفي عند الدكتور صلاح الفرطوسي
توهج الإحساس بالوطن – اضواء – باقر الكرباسي
اذا قيس تاريخ حضارات الأمم بما بقي لديها الآن من تراث – أياً كان نوعه – فربما لا نجد من بين هذه الحضارات سوى حضارتين كانت لهما الصدارة في سجل تاريخ الحضارات ، وهاتان الحضارتان هما : الحضارة المصرية القديمة ، تلك الحضارة التي خلّفت كمّاً هائلاً من المعابد والمسلات والأهرامات والتماثيل ومقابر الملوك وجميعها دليل وافٍ على ما أصابته تلك الحضارة من تقدم ورقي ، وأمّا الحضارة الثانية فهي الحضارة العربية الإسلامية فإضافة إلى ما خلّفته تلك الحضارة من الآثار المعمارية المتمثلة في المساجد والمحاريب والقباب والقصور والقلاع والحصون ، هناك شي آخر جعلها تتقدم وتزدهر ، هو التراث المكتوب الذي يتمثل في أكثر من ثلاثة ملايين مخطوطة موزعة في معظم حواضر العالم ومكتباتها ، والحقيقة أن البشرية لم تعرف عبر تاريخها القديم أمة غنية بلغت في تراثها المكتوب وشغفها بالعلم والمعرفة وحرصها على اقتناء الكتب مثلما بلغته الأمة العربية الإسلامية كمّاً وكيفاً ، سعة وشمولاً ، في شتى مناحي الأدب والقصيدة والفكر والعلوم والفنون ، ولاشك أنّ الباحث المنصف في تاريخ الأمم ونهضة الشعوب يقف حيال تاريخ هذه الأمة ونهضتها موقف المتأمل الخاشع لما وصلت إليه في حضارتها الزاهرة ومدينتها العامرة .. ويبدو من المفيد أن نكشف عن بريق علمٍ ومعلّمٍ عمل في مشغل التراث واللغة العربية ،ودافع ومازال يدافع عن لغة القرآن ، تأليفاً وتحقيقاً مع كتابة عشرات البحوث الرصينة واضعافها من المقالات الموضوعية ، كان ومازال السيف اذا نبّتْ كل السيوف ، كان ولا يزال الدرع حين تمر بنا أعاصير أو كسوف ، أنّه الاستاذ الدكتور صلاح مهدي علي الفرطوسي ، من عائلة عربية علمية دينية ، والده المحامي القدير مهدي الفرطوسي (رحمه الله)، وعمّه الشاعر الكبير الشيخ عبد المنعم الفرطوسي (رحمه الله)، الدكتور الفرطوسي ابن العراق المزدهر ثقافة وعلماً ،وابن مدينة أمير البلاغة والبيان الإمام علي (عليه السلام) ، مدينة الشعر والعلم والمنطق والفقه والسياسة ، النجف الأشرف والتي اشتهرت بحوزتها العلمية وعلمائها ورجالها وشعرائها ، واذا كان الدكتور الفرطوسي من مواليد 1946 فهو إذن قد قارب السبعين من عمره ، هذه واحدة ، أما الأخرى والتي سأقف عندها كثيراً هي تنوع عطائه وتعدده،فقد كنت ومازلت من المتابعين للمنجز الثقافي والعلمي عند هذا الرجل ، فبعد أن تخرج في كلية الآداب /جامعة بغداد سنة1968 عُيّن مدرساً على ملاك التعليم الثانوي ، ولكن طموحه جعله يبحث عن الدراسة الأعلى ، فقد حصل على شهادة الماجستير من جامعة القاهرة سنة 1974 ولم يهدأ له بال إلى أن تمت مناقشته للدكتوراه سنة 1979 وبتقدير امتياز،وفي السنة نفسها نُقلت خدماته إلى التعليم العالي وعُيّن مدرساً في كلية التربية جامعة بغداد ، فبدأ مشواره العلمي تدريساً وتأليفاً وتحقيقاً ، وفي كلية التربية إذ كنت أزوره بين الفينة والأخرى أجده منهمكاً بدرسه ونقاشاته مع أساتذة أجلاء تحدث لي عن صحبتهم كثيراً ، أعيرت خدماته إلى جامعة محمد بن عبد الله بالمغرب سنة1981حتى1984،كان أستاذاً محاضراً فيها وزائراً لكل مكتباتها باحثاً عن المخطوطات والتراث الزاخر فيها ، عاد إلى العراق مستمراً في عمله صباحاً ومنكباً على مكتبته العامرة مساءً ، وفي عام 1993 رشح لدرجة أستاذ بجامعة بغداد ولكنه غادر في السنة نفسها إلى الخارج مثلما غادر مبدعون كثيرون ابتعاداً عن مضايقات النظام وبطشه ، وهنا بدأت رحلته العلمية العربية والعالمية متنقلاً بين دول عديدة وجامعات عشر أعطى خلالها جهداً وعلماً كبيرين،والسؤال هنا ، هل ضاع منه العراق طوال غربته ؟وهل خفّ وهجه في نفسه؟ يقول الدكتور الفرطوسي : (إنّ العراق لم يكن مجرد ملمح في شعوري وكتاباتي ولكنه في الحقيقة كان أهم ملمح فيها) ،هكذا في غربته عشق العراق وانفعل به وصيرهّ لحماً ودماً في كتاباته ، وبين عامي 1993 و2007 كانت رحلته التي يفخر بها دائماً، فمن جامعة صنعاء إلى جامعة النيلين وبعدها جامعة السابع من ابريل في ليبيا ، ومن ثم خبيراً للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (ايسيسكو)واستمر بالعمل فيها حتى سنة2001 ،وفي أثناء عمله في هذه المنظمة ولعلمه الغزير وتواضعه أرسلته المنظمة مدرساً ومشرفاً و مسؤولاً عن جامعات ومعاهد اللغة العربية كي ينظم دراساتها وينشر لغة القرآن ، فالنيجر والبوسنة والهرسك وجامعة سرايفيو وروتردام ومعهدها الإسلامي كانت اهم هذه المحطات .
ولم ينسَ العراق في كل جولاته ، عاش متوهج الإحساس بالوطن الذي غادره ، وشيئاً فشيئاً وجد نفسه يتعامل مع مقررات العالم الجديد ، والمعروف عن الدكتور الفرطوسي إيمانه الشديد بالعروبة والتراث العربي فلم يبخل بإعطاء كل خبراته ومعلوماته كي يؤدي رسالته العلمية ، أما المحطة المهمة في حياته – حسب قوله nهي انتخابه في السابع من شباط سنة2007 عضواً في مجمع اللغة العربية بدمشق ،إذ أخبرني في وقتها وكتبت مقالة عن هذا الحدث المهم في حياته في صحيفة جامعة الكوفة مستعرضاً تأسيس المجمع هذا الصرح العلمي الكبير ومهنئاً العراق بانتخاب عالمٍ من علمائه لعضوية هذا المجمع ، إذ ضم هذا المجمع منذ نشأته كوكبة من أعلام اللغة والأدب في العالم العربي أمثال المنفلوطي والرافعي والمازني والزيات وطه حسين والزهاوي ومحمد رضا الشبيبي وعادل زعيتر وأمين الريحاني وشكيب ارسلان وحمد الجاسر ، وما اختيار الدكتور الفرطوسي لهذا الصرح الاّ لتآليفه وتحقيقاته وبحوثه العلمية الرصينة والتي كان العماد فيها التراث العربي واللغة العربية ..
وفي الاحتفال الذي أقيم في هولندا تكريماً له بمناسبة اختياره عضواً في مجمع اللغة العربية بدمشق قال الاستاذ الدكتور أكرم كسار : (يكفي المرء أن يقرأ مايكتبه البروفسور صلاح مهدي الفرطوسي حتى يأخذه بذراعيه ويغمره بأنفاس المحبة الصافية ، ويكفي المرء وهو يجول بين مؤلفاته أن يرى عبقرية هذا الكائن المبدع ، وهو ينشر الجمال وكيف دار في المكان والزمان ، أو حيثما أختار من جمل وعبارات ، انه كائن اشبه بعباد الشمس الذين خصهم الله بموهبة الدوران حول الضوء)… وفي سيرته العلمية عشرات من كتب الشكر والشهادات التقديرية التي حصل عليها من دول وجامعات ومؤسسات عربية وعالمية وذلك لنشاطه الواسع وموسوعيته وحسن أدائه العلمي والدبلوماسي ،أما مؤلفاته فهي تدل على انّ الدكتور الفرطوسي من الكوكبة المتألقة التي أخلصت للتراث العربي واللغة العربية ابداعاً وتأليفاً وتحقيقاً ومسيرته الخصبة في هذا الميدان تشهد له بالعطاء والتميز والتفوق ، والمؤلفات هي :
– المثلث لابن السيد البطليوسي : تحقيق ودراسة ،جزءان ،نشر وزارة الثقافة والإعلام ،بغداد ،1981-1982.
– المهذب في علم التصرف : نشر جامعة بغداد ،1988 ، وهو كتاب منهجي مقرر في الوزارة.
– مختصر العين لأبي بكر الزُّبيدي : تحقيق وتقديم ،1-6،دار الشؤون الثقافية ،بغداد ،1991-2008
– محاضرات في علم الصرف : نشر البنك الإسلامي للتنمية ،1999.
– محاضرات في فقه اللغة العربية : نشر البنك الإسلامي للتنمية ،1999.
– نصوص معجمية فريدة : دار الشرق الأوسط ، سراييفو،1999.
– في اللغة والأدب ومكارم الأخلاق : سرايفيو ،1999.
– الشاعر الملحمي عبد المنعم الفرطوسي بين أسطورة المكان وتداعيات الحلم : الإسكندرية ،2002.
– استدراك الغلط الواقع في كتاب العين لأبي بكر الزبيدي:تحقيق وتقديم ، مجمع اللغة العربية بدمش ،2003.
– نصوص ومحاضرات في الأدب العربي : نشر البنك الإسلامي للتنمية ،2000م.
– وماأدراك ماعلي : موسوعة في ثلاثة أجزاء:
1- بيت النبوة ومدرستها
2- بعد رحيل الوحي وصاحبه
3- الزهراء في بيت علي
نشر دار المؤرخ العربي ،بيروت، 2008 وأعادت نشره أمانة العتبة العلوية المقدسة
– مرقد أمير المؤمنين وضريحه : دار المؤرخ العربي بيروت ، 2008.
وطبعته أمانة العتبة العلوية المقدسة،2010.
– الأحنف بن قيس أعظم المعاقين في الإسلام : أمانة العتبة العلوية المقدسة ،2009م.
– رجال من بقيع ثوية الكوفة : أمانة عتبة مسلم بن عقيل ، النجف ،2012.
– الانتصاف لكتاب العين مع استدراك على مطبوعه : النجف الأشرف ،2013.
– الثوية بقيع الكوفة : جزءان ، نشرته وزارة الثقافة العراقية بمناسبة اختيار بغداد عاصمة للثقافة العربية عام 2013.
– خلف أسوار الكوفة : أمانة مسجد الكوفة ،2015م.
ومن خلال ماتقدم من مؤلفات للدكتور الفرطوسي ومع الاطلاع عليها نرى انّ العودة للتراث من أبرز العناصر التجديدية في كتابات الدكتور الفرطوسي ان لم تكن أبرزها على الإطلاق فقد اكتشف قيمة هذا التراث في إثراء تجربته التأليفية و التحقيقية … وتوجد لديه كتب تحت الطبع هي :
– شعر أبي عُيَيْنَة المهلبي : جمع وتحقيق ودراسة ، وفي اللغة والأدب ومكارم الأخلاق : الحلقة الثانية.. والديمقراطية بين النظرية والتطبيق في العراق ، ومقالات أخر،ورجال حول أمير المؤمنين ع …ويبدو أنّ الدكتور الفرطوسي سيظل سائراً على هذا الدرب العلمي الرصين فهو بارع في تخصصه اللغوي والنحوي والصرفي وأثبت براعته أيضاً في تآليفه التاريخية الجديدة وهذه هي الموسوعية الحقة التي كان يتحلى بها علماؤنا الأوائل ، أما بحوثه الأكاديمية المنشورة في مجلات عراقية وعربية وعالمية محكمة تفوق الثلاثين بحثاً ودراسة ، الخطاب فيها يأخذ القارئ إلى فضاء واسع تتمدد فيه حدقة الرؤية في اكتناه نماذج حية من تراثنا العربي ، ولم يكتفِ الدكتور الفرطوسي فقد كتب عشرات المقالات يتحدث فيها عن العراق وما يجول في خاطره ، كما ترجمت له فصول من كتابه (محاضرات في فقه اللغة العربية)إلى اللغة البوسنية وكتاب (الأحنف بن قيس ) إلى اللغتين التركية والبوسنية، وتقوم دار المأمون بترجمة كتابه(أمير المؤمنين وضريحه)إلى اللغتين الانجليزية والفرنسية ، ومن نشاطه أيضاً حضوره لكثير من المؤتمرات والندوات داخل العراق وخارجه ، العلامة الدكتور الفرطوسي كان ومازال عطاؤه الإبداعي والفني متواتراً لا ينقطع ، وفي هذا الزمن الذي قلَّ فيه الإنصاف وندر لديه الوفاء أسجل سطوري هذه قارئاً لمنجز عالمٍ من علماء هذا البلد ، وان كانت كلية التربية الأساسية في جامعة الكوفة قد أخذت على عاتقها أن تكون وفيّة ومنصفة تعبيراً عن قيم أصيلة وتحدياً لقيم دميمة فالقاعة الكبرى في الكلية سميت بإسم الدكتور صلاح الفرطوسي والاحتفاء به كبير من الجميع ، كـــذلك احتفى اتحاد الأدباء والكتاب في النجف بالدكتور الفرطوسي بمناسبة إصدار كتابه الجديد…وأخيراً أسأل الله تعالى ان يزداد عطاء هذا الرجل فهو شجرة كبيرة معـــــطاء ذات جذور عريقة وثمار مضيئة في حقل الثـــــقافة العربية والعالمية المعاصرة ،فشاهدناه متجولاً في حدائق علوم العربية لا ينقل إلى حقله أشجارها ولكن يدني إلى كائنات النص التراثي قطافها ويطعمه من سخاء ثمارها ويهدي للمتلقي أسرارها ،أطال الله تعالى في عمر أستاذنا الدكتور الفرطوسي مع مزيد من الإبداع والتألق .
























