

جاسم خلف الياس
إذا كان أيّ تحولٍ في السرد يحتاج إلى آليات اشتغال مغايرة تسهم في إيصاله إلى القارئ بشكل مغاير، فإن هذه المقاربة تسعى إلى رصد آلية تعزز هذا التحول، ألا وهي توظيف الفنتازيا في كشف الواقع المتردي وحماقاته في قصة (المعول) التي تنهض على التخليق الفنتازي، بوصفه تقنية مكملة وداعمة لتحولات القص، وهي تشكل مجالاً خصباً وأرضية بكراً تتيح لنفسها إمكانات قصية لا يبيحها الواقع.
تمثل القصة باستعارتها الكلية صرخة احتجاج ضد التسلط والعنف، وقد هتكت أستار حجبها سخرية سوداء، فانكشف الواقع المؤلم المؤثث بقسوة اللامعقول، والنهاية المرعبة (الموت) دون اقتراف أي ذنب، سوى حب التسلط وهو ما يدهش الأب، ويثيره في ارتكاب الآثام والخطايا بلذة، وإذا كانت الفنتازيا قد حضرت بشكل مكثف، فقد ناصفها الواقع المعيش هذا الحضور أيضا، وهنا تحقق المزج بين الواقعي والفنتازي، وحقق بدوره سرداً واقعياً سحرياً، فالواقعي تمثل في ذهاب أحد الأبناء بتحريض من الأب إلى العمل في ورشة تقطيع الأحجار، وهنا يختفي هذا الواقع ليظهر الفنتازي بكل لا معقوليته، فهو لا يخضع لا للعقل ولا للمنطق، إذ تعاضد كل من الحكي الفنتازي والواقعي، وأخذ يتجاذب كل منهما حالة الشخصية المركزية في القصة. ولأنها تتكفل بمهمة الروي، سيكون راويا مشاركا في الأحداث، شخصية من دون اسم، وهذا ما خوّلها أحقية التعويم في الفضاء الإنساني، فيعيش القارئ القلق والخوف، ويدفعه للمشاركة في السخرية من هذا الواقع بإحساسات فجائية، يشكلها الألم والتمرد والرفض.
أخذ القاص (المعول) بوصفه دالاً استعاريا؛ كي يوفر فضاء دلالياً يتحرك فيه المتن القصصي بإشارة إلى قوي مستبد (جلاد) وضعيف وديع (ضحية) ، فالقراءة المنتجة تؤشر إلى الاستلاب والقهر أمام قوة لا حد لها (الأب) تؤدي مواجهتها وقوع (الابن) في وضع النكوص والاستسلام. وربما تكون الحقيقة بعيدة عن كل تلك الاحتمالات التي تأخذ سمة التهشيم والتهويل والتركيز… وغيرها، وقد لا نتوصل – بوصفنا قرّاء – إلى هذه الاحتمالات إلا إذا أقنعنا القاص بأن للواقعي عجائبية تحيلنا عند انغلاقها أو انفتاحها من خلال الملفوظ الحكائي إلى دلالة ضمنية أو قرينة واقعية، ويحتاج هذا الإقناع إلى مهارة خلّاقة لتأكيد عجائبية الواقع.
يبدأ القص بتشكيل ينماز بالرعب والهلع عبر ضمير المتكلم، فالسارد يعيش حالة الفزع ويفقد توازنه بعد أن يغادر صديقه ورشة تقطيع الأحجار؛ لاقتناعه بأن هذه الأحجار السوداء ما هي إلا أقوام مسخت، ظلت هذه المعلومة تنخر روحه وهو يمارس عمله في تقطيع الأحجار، إلى أن أتى اليوم الذي حملت آلة الرفع واحدة منها، وبدأ قرص التقطيع بالدوران، فانبعث غبار لا مثيل له، وبعد أن شطرها إلى نصفين، انساح الدم وهو يحمل ذرات سوداء، في النصف الأول كانت الشرايين والأوردة تتلوى كالأفاعي، وفي النصف الثاني استقرت الأيادي المشعرة والمبتورة، وانسلت ثلاثة منها وتركت خلفها بقعا سوداء، وعلى الرغم من الهلع الذي أصابه من رؤية ما حدث، ظل شوق في داخله يتنامى لمعرفة ماذا تحتوي الأحجار الأخر، فأعاد التقطيع، وتكرر هذا الفضاء العجائبي مرة أخرى حين قطع إحدى تلك الأحجار إلى نصفين، فسمع أصوات نساء يصرخن في النصف الأول، ورأى شفة خضراء تنغلق فينقطع الصراخ بعد أن انبعث منها أنين مصحوب بالرأفة، ورأى في النصف الثاني سيقانا ملساء ناعمة.
ثم يستمر الراوي المشارك بتصوير الفضاء الفنتازي وهو يمارس تقطيع الأحجار مرة أخرى، وفي هذه المرة يخرج من أحد النصفين كلب، يسقطه على الأرض، ويجثم على صدره، فيختنق، ويحس بشلل كلي، وشيء ما يغادر جسده، ويستقر في فضاء ورشة التقطيع، يتزاحم العمال حول جثته، ويزيحوا نصف صخرة كانت مستقرة فوق صدره، ويسمع هرج العمال وهم يوصون بعضهم بالابتعاد عنه، في الوقت الذي جلب أحدهم شرشفا مليئا بالغبار كي يغطي جثته، بعدها ينقل العمال جثته إلى بيت أهله، ويبدأ الناس بالتوافد إلى دارهم، فيسمع بكاء النساء، ويلحظ كل ما يجري من طقوس الموت، فيتسلل الهلع إلى داخله فيتذكر (المعول) الذي حفر قبر أخيه وهو يتركهم مع أوراق دراسته المبللة ببقع الشاي، ويرى طفل أخيه وقد كبر وها هو يقول لطفله: لقد مات أبوك.
ويكمل الراوي تصوير هذا الفضاء المرعب وهو ينقلنا إلى طقوس غسل الموتى، فبعد أن يتيقن بأنه سيغادر كل شيء ولن تبقى سوى بضعة دموع ستنشف كل صباح، وثياب سوداء ستخلع بعد انقضاء الحداد، ينهض بجسده الأثري، ويدخل غرفته الخاصة كي يودعها، ثم يغادر الغرفة فيرى في باحة الدار أبيه وهو يحمل قماشاً أبيض فيحض أمّه على الاسراع بعملها ؛ لأن الظلام بدأ ينمو، ثم يجيء مغسل الموتى، ويتذكر كيف رفضه بعد أن شاهده ينظر إلى النساء مراراً، وكيف استرق السمع وهو يغسل جثة أخيه، وهو الآن يتولى غسله، ولا مفر من ذلك، يعيده بعض الرجال إلى غرفته فيسمع صراخ أمه وزوجته بعد أن يحتضن طفله الوحيد، ثم يحمل إلى الحمام؛ لتبدأ طقوس غسل الموتى. فهل يستسلم لهذا المغسل بعد أن طلب منهم البقاء لوحده مع الجثة؟ هنا تبدأ المفارقة الفنتازية التي أحدثت التوازن بين (قبل الموت) و(بعد الموت) ، فماذا ستعمل هذه الجثة التي رأت كل شيء؟
“حملت المعول وهويت به على رأسه فسالت دماء تحمل ذرات غبار سوداء، صرخت أمي في الخارج، وأقبلت مسرعة نحو الحمام، فتحت الباب بقوة، فشاهدت صخرتين ملتصقتين، مضرجتين بالسواد، ومعول يحفر في الهواء” (جذامير: 37)
وهنا ينتهي القص بعد أن يركسنا في قعر انكساراتنا وخيباتنا بأكثر من حامل سيميائي، وأكثر من محمول دلالي، ابتدأ بالـ(معول) وانتهى به، وبين البدء والانتهاء تخليق فنتازي احتفى به الراوي في هذا المتن القصصي ليعرّي تجاوزات التسلط والقمع، وقد تشظت الإحالات بجمل أخذ التعاقب فيها دورا مهما وهو يصف المعول في تتابع انتهاكات سلطة الأب بوصفه سلوكاً ينبثق بقوة تضادية متمردة. وهنا استطاع القاص أن يمنح الشخصية (الابن) فرصة الحياة والعيش فيها مرتين، مرة عندما كان يعيش بلحمه ودمه، ومرة أخرى عندما فقد اللحم والدم، وبقيت روحه تعيش زمن ما بعد الموت، وهذا يتناص مع الموروث الديني ومسألة بقاء الروح بعد فناء الجسد، وهنا تتجلى الفنتازيا ذات الأصول الواقعية.
ثم يأخذ بالتراجع قليلا عن توتراته إلى إقرار حالة عانى منها كثيرا بمرارة، ألا وهي سلطة الأب، هذه السلطة التي سوّغت العنف لضمان وجودها، وبقائها في رأس الهرم العائلي دون منازع، وسعت إلى تبرير مواقفها، وفرض وحشيتها بخطاب لا يتبنى تحكم العواطف وردود الأفعال، وإنما يتبنى تحكم المصالح، وتبعا لهذه الاستراتيجية، ينشأ الجدل التشكيكي بين قدرة الفرد على تشكيل هويته الإنسانية، والتمرد على السلطة، للوصول إلى الحرية والخلاص، وبين الخوف الذي يتغلغل داخله، والقمع الذي يجعله فاقدا لاستقراره الفاعل في خضم اضطراب الوعي، والترنح أمام الفجوات الفاجعة في وجوده، فما الذي فعله (الأبن) الضعيف، تجاه (الأب) المستبد في هذه القصة؟ هل تمرّد على الواقع وتدخّل في صنع (الكائن المحتج) الذي أطلقه ماكس شيلر على الإنسان؟ هل كان في نيّة القاص قيس عمر تصويره المأساوي في الحياة بشكل شمولي؟ وإذا عدّت القراءة قصة (المعول) قصة (أفكار) فهل تتغيّا التقوقع داخل الحيّز الموضوعاتي؟ أسئلة كثيرة يمكن أن تثيرها هذه القصة بخصوص العلاقة بين الاب والابن بوصفهما علامتين بين منطقتي السلطة والشعب، وأجوبة كثيرة تقابلها في تبرير الجدل القائم بين الخطايا والغرائز والانحطاط وما يرافقها من كبت وقمع، وبين الإشراق والتنوير والنهضة، وما يرافقها من جوهر إنساني.
لقد اشركنا القاص في تبرير خطابه ودوافعه التي جعلته يثبط مشاكستنا سلبا أو إيجابا، وذلك لتوضيح الضيق الذي يعانيه، والكبت، بل حتى الرعب الذي يتميز به عالمه المعيش وتطوراته الذهنية المشوّشة، فقبل الانتقال إلى ورشة تقطيع الحجر، يظهر القاص في اشتغاله القصصي الاشكالية الضدية (الأب / الأبن) المتجذرة في شكوك وظنون الأب التي يقترفها أو يسقطها بوحشية على الأبن بصورة مباشرة في المفتتح النصي، لتسوّغ للقاص فرصة تشكيل قصه بهذا التشكل، وفرصة فضح الأسباب التي أدت إلى الخيبة والانكسار في هذا القص تحديداّ. وبعد الانتقال إلى الورشة وعبر مسخ البشر إلى حجر بتخليق فنتازي؛ يعمد القاص إلى إضمار هذه الضدية، وعدم فضحها بشكل صريح، ليدع القارئ يمارس وعيه القرائي، فكل كتابة تجرّب نفسها على القارئ، كي تختبر ما تطرحه من خيارات ذاتية، تتعلق بما هو متموضع في الخطاب المعرفي من جهة، وما هو متموضع في التشكيل النصي من جهة ثانية.
























