تماه – نصوص – حسن البصام
ليس من الحكمة أن أبدأ بطرق الباب … من الممكن أن تصدّه بوجهي أو تنصب لي فخاً … أو يفزعُني كلبها ،والتي غالباً ما تكون منشغلة عنه .ربما حين يسمع الطرقات يتوثب ويتحفز،ثم يقترب ليشم جسدي بغية التعرف على نواياي. وإذا ماجس حرارة تفوق المعتاد أو عثر على رعشة مرتبكة أو نبض متسارع مضطرب ،سيتخذ موقفاً . سيتحرك حولي أما أن ينهشني .. أو يتركني في زاوية مهملة ويهمشني ..أو يرحب بي هازاً ذيله منتصباً الى الأعلى .. لكني خلعت حكمتي ورزانتي ورميتها على العتبة. وقادتني الرغبة الملحة الى الدخول .
حدست ذلك لأن كلبي يتبعني كالظل مني ..حتى ان غفوت فهو يظل يقظاً يحرسني .. يحب أن يتشمم كل شيء،والشيء الذي يزدريه يبول عليه ..ولكني لحظت عليه في السنين الأخيرة إنه يميل الى النوم ،يغفو أو يتكاسل عني ،لاينبهني أو يوقظني في مواقف كان نبهاً فيها .. بدأ يغض النظر عن الكثير من واجباته .. صحيح هو يوفر لي الحرية في عدم ملازمتي ..لكني أستوحش في غيابه ،ويقلقني ذلك . كان يتقدمني في المشي .. خوفاً أن أقع في مطب ..ثم بدأ يلوذ بظلي ..وكلما تقدم بي العمر ينسحب خلفي كأنه ذيل.رأيت أن أفعل تقية .. أن أرتدي مانعاً للشم ،كيس نايلون ،أو أطلي جسدي بزيت الثوم ،لكنه مقرف .. أو أجمد جسدي ,لأن الحرارة أوالرعشة هي نتيجة حركة او تفاعل لوجود صراع ..وهنا من المؤكد سأموت أو أفقد الوعي .. لذلك إرتديت كيساً ممتلئة جيوبه ثلجاً.. تحولت من الخارج الى قالب ثلج وقد لامس قلبي فماعاد القلب يضخ الدم بلهفة ولم تتسارع نبضاته .. حتى طرقاتي كانت عنيفة،بصلابة الثلج قبيل ذوبانه . سمعت صوتاً غير مفهوم .. دفعت الباب ودخلت ..كان بالفعل يربض خلف الباب كلب كبير متمدد باسط ذراعيه ورأسه يعلو ويهبط كمسافر يغالبه النوم على المقعد إثناء مسيرالسيارة على المطبات..لكنه شم رائحتي ،نهض بتثاقل دائراً حولي،لم يجس حرارة ولم ير رعشة ،بال على ساقي ،ثم أهملني وكأني حائط.. دخلت أجول في عالم البيت .. عالم فسيح مترام .. كنت أتمنى أن تستقبلني وجهاً لوجه ..لأرى ردة فعلها مباشرة لأعرف حقيقة مكانتي عندها .. جلت في البيت على مهل ،كل الغرف مغلقة إلا باب موارب…. تملكتني لحظات الطيش لم أعهدها من قبل ..ولم أفكر بخطورة ماأقدم عليه …تقدمت بهدوء مشوب بالحذر .. وكأني جندي أمشط المنطقة بتوجس … مددت برأسي من فتحة الباب ..كانت شبه عارية … ترتدي ملابس النوم القصيرة …قلت في سري ..
: لماذا لاتستحي من الكلب ؟من الممكن أن يتشممها أو يلحسها او يتمرغ عليها أو يتبول عليها وهي نائمة ..الكلاب لايأمن جانبها .. فغرت فمها وإنذهلت لرؤيتي ..
: كيف دخلت ؟؟؟ سألتني بأستغراب ودهشة ..
: من الباب .. أجبتها ببرود.
: هل شاهدك الكلب ؟
: إرتديت مايخلصني ..وحين تشممني لم يرتب مني ..هز ذيله ..وتركني أدخل ..
تنفست الصعداء وأومأت لي أن أجلس ..
إنفتحت أمامي واحة مخضرة مزدهية بالورد … أشجار فاكهة متنوعة أحار أية فاكهة ألذ من الاخرى وأطيب .. الغريبة إني رأيت الفواكهة المتنوعة في شجرة واحدة كيف يكون ذلك ..ان يحمل كل غصن نوع من فاكهة ؟؟ بل ان طعم الفواكه اليانعة التي تذوب في الفم لايمكن وصفها ..شيء عجيب حقا ..كانت عائدة تواً من خارج البيت ..ربما الأحساس بالأنوثة تتفتح تويجاتها،كلما خلعت قطعة من ملابسها ..هي تحب ان تكون عارية ..قالت ذات ليلة مقمرة : إن حواء نزلت على الارض عارية .. إذن أن تكون عارية هي الأصل ..لذلك فهي تتحول الى طفلة في تلك اللحظات التي تشعر أنها تملك الحرية المطلقة ..وساعات الليل الطويل تترك ندوباً حمر على بتلات روحها .. الذي أسعدني أنها قالت لي : أدخل .. فقد نخرت شراييني دقائق الإنتظار .. وحين جلست محتفية بلهاثي .. لكنها نظرت لي واستدارت غير آبهة لزحف روحي . قلت : كم أنت قاسية وعنيدة ومملة في لحظات قطيعتك ..كاد صدري ينفجر ويوشك أن يغطي فناء الغرفة ويمتلئ بأنفاسي..لكني تحسست بقايا الثلج المتراكم على جسدي .. وبدأت بالعد التنازلي ..ثم قفزت واصبحت أنظرفي عينيها .. فلم أجد فيهما صورتي ..
قلت أعيد ملامحي من جديد ..خطوة خطوة حتى تكتمل الخطوط .. وحين أوشكت على الإنتهاء ..حدقت في الصورة ..كان نصفها أنا والنصف الآخر هي .. ولا أحد يعرف فيما إذا كانت الصورة رجلاً أم إمرأة .. لأن الملامح إختلطت والشرايين إتحدت .. وكل شيء تماهى مع الشيء المثيل له.
























