تكلّم حتى أراك – ناجح صالج

تكلّم حتى أراك – ناجح صالج

 

( تكلم حتى أراك ) حكمة بالغة قالها شيخ الفلاسفة سقراط وهو يقابل فتى حسن المنظر يرتدي الثياب الفاخرة .

ترى ماذا أراد سقراط بهذه الحكمة ؟

انه أراد أن يفصح هذا الفتى عن حقيقته .. أن يتكلم ليرى ان كان كلامه حلوا عذبا رائقا كما هي حلاوة هيئته ورونقها وجمالها ، أم أن كلامه مرا نزقا ليست به حلاوة تماثل حلاوة هيئته .

تكلم حتى أراك .. هو لم يقل ( تكلم حتى أسمعك ) فقد أراد أن يعرف ما وراء هذه الصورة البراقة التي بدا عليها الفتى ، وهل سينطق لسانه كما تنطق صورته .

الحق أننا في حياتنا تتراءى لنا هذه المشاهد بين حين وحين .

يتراءى لنا مشهد رجل عظيم الهيئة يرتدي الثياب الفاخرة وله الملامح التي لا يعاب عليها ولكنه حين يتكلم لا يبدو عليه أنه يحسن الكلام وليس لكلماته أي صدى تترك آثارها على آذاننا ولا على عقولنا .

ويتراءى لنا مشهد امرأة بارعة الجمال تحسن اختيار ثيابها فنعجب بها أيما اعجاب ، ولكنها حالما تتكلم نصاب بخيبة أمل لما في هذه الصورة من تنافر ، لتتبدد الرؤية الى سراب .

قيل (أن المرء مخبوء تحت لسانه )

ان هذا اللسان هو الذي ينطق جمالا أو قبحا ، حسنا أو سيئا .

ونحن جميعا تبهرنا الصورة الجميلة ولكن أي ردة فعل نتلقاها حينما نكتشف ما وراء هذه الصورة من سقط الكلام وردائته وفحشه .

قد تغرينا القشور غير أن المحتوى هو الأهم ، فكم من رجل رث الثياب بشع الهيئة يتكلم بكلام يقطر حكمة وبلاغة .

ان حكمنا يكون قاسيا اذا اكتفينا بما تراه أعيننا فحسب وقبل أن تصغي آذاننا لسماع ما يمكن أن يغير دفة الحكم التي انسقنا اليها .

ان أحلى الكلام لا يأتي جزافا انما يأتي من عقل سليم ناضج كما أن أسوأ الكلام لا يأتي الا من عقل طائش متهور.

( تكلم حتى أراك ) ألف معنى وراء هذه الحكمة .

أترانا بعد ذلك لا نقف موقف الحذر والريبة من الصور البراقة التي تتماثل لأعيننا كل يوم فلا نتفحصها الفحص الدقيق ولا نبحث ما وراءها لتنقلب هذه الصورة على غير ما بدت لنا ، ثم لنقول بعدها أننا كنا مخطئين في قياساتنا الأولية قبل الرجوع الى العقل والمنطق والى حكمة سقراط الخالدة ( تكلم حتى أراك ) .