تكامل فعل التحديث السياسي والثقافي
الثنائية الصعبة في الأيديولوجيا والإبداع
علي محمد اليوسف
لدينا اشكالية فصل ام تواصل، انعزال ام ترابط الفكر الايديولوجي السياسي عن الفكر الإبداعي الثقافي وان بدت لاول وهلة انها اشكالية نظرية اكثر منها واقعية قابلة للتطبيق.. فرغم التداخل العضوي المتماسك بين الفكرين فالفصل بينهما حقيقة قائمة على صعيد الاختلاف الفني شكلا ومضمونا ايضا. فهما على اختلاف في عدم قدرة التظافر والانسجام لا في الاهداف القريبة منها ولا في الاهداف البعيدة وهما على انفصال تام لكل منهما وسائله ودوره الخاص ومراميه وعوالمه الخاصة في التواصل مع الاخرين والتوصيل اليهم. وهما على استقلالية متميزة ايضا لكل منهما تمليها مواصفات الشكل الفني والجمالي للعملية الإبداعية والمطالبة بالغاء هذه الفوارق او التقليل من اهميتها في القفز من فوقها ضرب من العبث الذي لا طائل وراءه في تبديل ما هو حاصل ولكن يبقى السعي لتكامل هذين الفكرين ضرورة امام مهمة تحديث الحياة العربية ومطلبا مشروعا ملزما تفرضه الظروف الصعبة للمجتمع العربي والسعي لاستحضار حياة مشرقة في امتلاء ثقافي عصري.. وليس من المصلحة الحقيقية تعميق هوة التباعد والانفصال بين الفكرين السياسي والابداعي وتوسيع شقة الخلاف بينهما وتغذية هذا التباعد والاختلاف يؤدى حتما الى شل او بالاقل تاخر تحقيق نوع من التحديث والمواكبة العصرية في الحياة العربية في مختلف جوانبها كهدف يراد الوصول اليه. من اهم الاسباب التي ثقف حائلا دون التقاء الفكرين الايديولوجي والابداعي هو وجهه النظر المختلفة بينهما الى مسألة الحرية، حرية المبدع فتحت وطأة والحاح ضروره أخذ حريته دونما وصاية عليه من الفكر الايديولوجي السياسي تعني للمبدع مسألة وجود او لا وجود ابداع او لا ابداع حياة او موت ليتحرك وينتج بفاعلية وابتعاد عن تحجيم دوره في الوصاية المباشرة عليه، ويرى الفكر الإبداعي انه من غير التمرد والخروج على عدم مطاوعة التسييس الايديولوجي للابداع فلن يكون هناك ابداعا حقيقيا يعتد به. ومعادلة الانفصال بين الفكرين هذه بدلا من ان تعمل في صالح النمو التحديثي الاصيل للحياة العربية كلا ضمن اسثقلاليته النسبية التي تمليها الخصوصيات الفنية في التطبيق والممارسة العملية التي من شانها تقوية اواصر اللحمة العضوية بينهما من جهة وتصب اخيرا في مجرى تاثيرهما المشترك على مستوى التحديث ونهوض المجتمع العربي بدلا من ذلك اصبحت عوامل استقلاليتهما وانفصالهما والقطيعة بينهما ذات طابع سلبي واصبح كل فكر يرى في الاخر عبئا عليه وعلى تحمل اخطائه وتسقط هفواته وانحرافاته واخفاق كليهما في مجالي التنظير والتطبيق معا. ولقاء تبعية التدهور والانحدار في الحياة العربية على مسؤولية الاخر وهناك معارك نقدية ثقافية متبادلة بين المنحى الايديولوجي السياسي والمنحى الإبداعي ما ليس بالامكان حصره ابدا.
المسالة المهمة الاخرى جدا هي تحرر الفكر الإبداعي عن أى التزام مباشر في نوع او شكل من التبعية التعبوية الاعلامية وراء الفكر الايديولوجي تمليه اشكال وانماط الخصوصية التقنية الفنية والجمالية لاشكال الفكر الإبداعي من ادب وفن المتخلق عن عملية الإبداع.
اسلوب جمالي
ويوجد من يقنع نفسه وربما الاخرين ان استقلالية الفكر الإبداعي نابعة اصلا من اتخاذه شكلا ومضمونا فنيا واسلوبيا جماليا خاصاً ينأى به عن المباشرة المسطحة في مهمة التواصل مع الاخر المتلقي وفي هذا يجب ان يفترق عن شكل التوصيل المباشر الايديولوجي الجاف الجامد الخالي من اللمسات الفنية والجمالية في سعيه تعميم قيم التقدم والحداثة في المجتمع في حين لا يحتاج الفكر السياسي اشكالا فنية ولا مواصفات جمالية التي هي من سمات الايديولوجيا حصرا.
فالافكار الحياتية والتاريخية او مجموع الافكار الاجتماعية والنفسية والاخلاقية المنسرحة المنسابة من خلال درامية وعلاقات وتحركات شخوص رواية مثلا هي حتما تختلف وغيرها عن الافكار والايحاءات والابعاد الحسية والجمالية مجسدة في لوحة تشكيلية وكلتاهما غيرها في الفكرة واللغة والصياغة وتوظيف المفردة والصور الشعرية المبثوثة في ثنايا قصيدة حديثة.
فالمبدع في نتاجه الفني الادبي يتوخى مزج واستقطاب توصيل جمالي خاص يؤثر في المتلقي للأثر الإبداعي. يقترن بخلق واستحضار هزة في شعوره وتفكيره وموقفه من ظواهر الحياة التي يراها امامه او يعايشها وطبيعي جدا ان تكون هذه الاستجابة في ذهن المتلقي العادي هي قطعا غيرها لدى المتلقي المتخصص الذي يقترب كثيرا من امتلاك ملكة الإبداع التي يحتازها المبدع الاديب الفنان وهؤلاء يمثلون شريحة الادباء والمثقفين.
فمثلا الفنان التشكيلي يحتاج لانجاز ابداع فني في لوحة الى درجة تقنية وقدرة استحضار جمالي واسلوب فني يختزل الزمان والمكان في التوصيل للمتلقي هي قطعا غيرها في زمن ومكان مساحة توصيل مايحتاجه عمل روائي او ادبي قصصي.. فما يريده الروائي او يريد نقله القاص في ابداع شكل فني لقصة او رواية قد يختزل ويتكثف لديه بايحاءات ورموز وتحركات وحوارات وعولم نفسية دفينة ومواقف من الحياة يمتزج فيها احيانا الواقع بالخيال، والحسي بالوجداني والعقلاني باللاشعوري مما يجعل من الروائي مبدعاً كبيراً يشعر بان عمله الإبداعي المنجز المكثف بشكله الفني الجمالي القصصي او الروائي المتميز الناجح قد يتجاوز تحقيق منجز سياسي استغرق كذا وقت من الزمن وربما السنين. اذن كلا من الايديولوجيا والفكر الإبداعي يرومان كلا بوسائله الخاصة تحقيق يقظة استفزازية لدى المتلقي يبدا من خلالها وبعدها يفكر في البحث عن الافضل في الحياة.
الفكر الايدلوجي يوصل افكاره بمباشرة خطابية خالية تماما من أي رغبة في توصيل متعة جمالية او فكرة باسلوب فني.. نجد الفنان على العكس من السياسي يتحاشى النمط الخطابي المباشر في التوصيل لان الخطابية والمباشرة في نظر الفنان تقتل الناحية الجمالية والتقنية الفنية الحداثية فيه فيصبح على ابعد تقدير اسلوب صحافي مترجما في الفكر الإبداعي وليس انتاجية جمالية فنية.
فنمط واسلوب الخطابة المباشرة للايديولوجيا التي تخاطب عقل المتلقي باسلوب جاف يحاول جاهدا الاقتراب من الاقناع ومنطقية الطرح للوصول الى قناعات تعبوية صحيحة لدى المتلقي في الغالب تنظيريا فقط. بينما العمل الفني يخاطب الانسان بكليته عقلا،عاطفة، ذوقا، فنا، احساسا، فائدة، باسلوب تمتزج فيه المتعة مع خصوصية العمل الفني وفي ذلك يتعامل مع المتلقي في عدم توصيله الى نتائج مقنعة جافة وانما يحاول ايصال المتلقي الى حالة كيف يعيش الحياة بامتلاء مادي وروحي متكاملين بعيدا عن قوالب الادلجة.
الايديولوجيا
وبالمناسبة فان خلود الاعمال الفنية والادببة العظمية هي ابقى من خلود الافكار الايديولوجية التي تغطي مرحلة زمنية او عصر معين لان الايديولوجيا يضيف عامل الزمن باستمرار مايتجاوزها من افكار ويتجاوز عصرها فالايديولوجيا محكومة بالتراكم الكمي في حين عامل الزمن لا يلغي ويطمس خلود عمل ابداعي عظيم ويتجاوزه لان الاعمال الادببة والفنية يحكمها التراكم الكيفي وعامل الزمن يستحدث ويخلق مبدعين ومواهب تعطي ابداعات تضاهي ما قبلها روعه وجمالا وتناسب عصرها لكنها لا تتمكن من الغاء سابقاتها فعلى سبيل المثال اعمال بيكاسو لم تلغ روعه وعبقرية لوحات فان كوخ، واشعار مايكوفسكي لم تلغ تاريخية اشعار بوشكيبن وهكذا امثلة لا حصرا لها.
بينما نجد على سبيل المثال الايديولوجية الماركسية وهي اصلب ايديولوجية معاصرة واكثرها قدرة منهجية علمية في مطاولة التاريخ ومسايرة تاثير عوامل الزمن نجد تم تجاوز الكثير من مفاهيمها التي كانت الى مرحلة قريبة جدا يعتبر المساس بها من المحرمات التي لا تغتفر في زمن لا يتعدى الثمانين عاما من عمر بناء الثوره الاشتراكية فيها حين جاءت المفاهيم الجديدة عليها وتجاوزتها بالغرباتشوفية ــ كورباتشوف 1985 البوسترويكا والغلانسونيست.
نخلص في نهاية هذه المقالة الى ضرورة خلق نوع من التواصل والتلاحم بين الفكرين الايديولوجي والسياسي ولا نقصد الفكر الحاكم كانظمة فقط ونحن لسنا مع ان يكون لكل ايديولوجية سياسية تعبير ابداعي او فني فوقي يشاكلها او يتطابق معها.
الفكر الإبداعي ليس اعلام دولة ولا تلميع صورتها وانما مهمة الفكر الإبداعي مهمة تنوير وتبديل مجتمع بمفاهيمه وموروثاته وذائقته الإبداعية والجمالية ولاقتراح حل او ما يشبه المقترح بضوء ما استعرضناه نرى..
1 ــ الفكر الإبداعي الادبي والفني وتنظيراته النقدية والثقافية باشكاله التعبيرية مطلوب منه وبضرورة ملحة ردم هوة التباعد وفجوة التوصيل الواسعة جدا بين المبدع وانتاجاته الإبداعية من جهة والمتلقي من جهة اخرى والفنان الاديب الموهوب الذى يكون في صلب اهتماماته حل ازمه واشكالية التوصيل المستفحلة بنفس اهمية اهتمامه ابتداع اشكال ومضامين فنية تغني تجريبيته في تحديث معاصر على الدوام.
2 ــ الاخذ بنظر الاعتبار حداثة وسائل الحياة العصرية في كافة ابعادها بما يلقي بتاثيره المباشر العميق على انماط التعبير الإبداعي واشكاله ومضامينه بما يبعده تدريجيا عن محيطه وبيئته وتفاعله الطبيعي السوي مع الجمهور ليصبح نتاجه الإبداعي ربما من غير ارادته نتاج نخبوي في الإبداع والتلقي على السواء. وينفرز لاحقا بانه بمقدار ما قطع من امتداد حداثي مسبوقا بمحصلة الوعي المعرفي والثقافي الجمعي والتذوق الجمالي للمجتمع بمراحل طويلة.. فانه سيجد نفسه بعيدا جدا ان يحمل ابداعه ملامح مجتمعه وتأصيل هويته ومعايشة آلامه واحلام الانسان العربي وهمومه وكلما ابتعد المبدع عن ارتباطه باصالة محليته وهويته المميزة كلما ازداد بعدا باطراد عن تحقيق حلم ان يكون لابداعه بعضا من خصائص الطموح في، الوصول للعالمية.
3 ــ ويؤكد د.نبيل علي في كتابه العقل العربي ومجتمع المعرفة ان فنون الحداثة تشكو من نخبوية طاغية، وهو ما ادى الى استفحال الامية الفنية خصوصا على صعيد الشعر والتشكيل والموسيقى، ومما زاد الطين بلة هو هبوط الفن الجماهيري الى ذلك المستوى المتردي الذي تبثه وسائل الاعلام، وبدلا من ان يرقى الفن بوعي جماهيره نراه يشوة هذا الوعي الى حد الابتذال.
4 ــ ومنذ عصر النهضة والاداب والفنون تشكو من اللاجمهور، أي اللا متلقي، فهذا سلامة موسى على سبيل المثال قام بشيء من المخاتلة ووصف الادب بانه كان يؤلفه الكتاب والشعراء لاجل الخلفاء والامراء والفقهاء, لان جميع هؤلاء كانو هم الدولة . ولم يكن للشعب وجود في اذهان الكتاب وعيبه انه يقصر علاقة السلطة على ادب معين ويبرأ نوعا من الادب يسميه ادب الشعب 1
/5/2012 Issue 4211 – Date 28 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4211 التاريخ 28»5»2012
AZP09
























