سالم المندلاوي يدخل الوجه الرسمي للبلاد عبر ضحايا الإضطهاد
تقاطب هيكل الدلالة في رواية المخبر السري – نصوص – اسماعيل ابراهيم عبد
اليوم 9/4/2003 في ساحة الفردوس.. هذه الساحة وهذا التمثال تحديداً ما ألهم الناس بروح الثورة واشددهم بالشجاعة، من دون الاماكن والأنصاب الاخرى!
كيف كنا سنعرف أن هذا الرجل سيغادر نهائيا، صفحة العراق السياسية.. هذه الكلمات تبدو مفتتحاً لمثاقفة سياسية في الرواية.” المخبر السري ” هي الرواية التي جعلت من هذا اليوم، ومن تلك النقطة محورا للوعي الروائي المتخصص بفن الوصف اليومي مقولاً سردياً مقنعاً يبشر بالرواية اليومية. إنها تذكرنا بالجريدة التي وجدها جيمس جويس والتي تصف أحداثا لليلة واحدة من أحداث أهل مدينة متخيلة مشابهة لدبلن، ايرلندا.
الوقوف عند شظية لا يغني عن الاحساس بعدد الجرحى ومعاناتهم من الألم. حين نرى الجموع متفقة على أن التغيير نهائي ولا عودة الى وراء فذلك يعني أنهم وضعوا أكفافهم على الشظية، وحاولوا لف القيد على اسنانها القاصمة القاسية… لكنهم لم ينهلوا من التمتع بشفاء جرحاهم بعد… المخبر السري رواية فعلت هذا واكثر من هذا، إنها تمسك بالشظية وكأنها تضمد الجرحى جميعاً… كيف؟
إنها مدونة وضعت الراهن المدون بمقدم حراك دائم، يرصد الدقائق والثواني، للناس وللأشياء، يستقدم عدوانية الماضي ليسمح بالحاضر أن يمر.
الراوي وضع نفسه بديلا أصيلا للباحثين عن أحبتهم الغائبين المجهولين. لرواية عزاء صغير لمن لم يتذوق عشاءه الاخير عند عائلته. الملاذ سالم بخشي المندلاوي كتب عن أوضاع الخلل في العقلية والوجدان والاضطراب الخلقي والنفسي، لا للحكام فقط، بل وللساديين من الطبقات المسحوقة، الطامعين بالرفاه والمجون وتحقيق النزعات المنحرفة (الازدواجية والنفاق).
ترى أية وسائل ساعدت الكاتب على التوصل ببساطة وعمق الى مثل هذه النتائج ؟ لنتوجه الى موضوع له اهمية خاصة على صغره وتبعثره, ذلك هو البيئة وأدواتها المادية، وامتداداتها الميثولوجية!!
الشخوص هم: البطل ثائر ابن المرأة الجميلة، عفاف الأُم المرأة الجميلة، الاب المغيب، آزاد صديق ثائر، سعدي صديق ثائر، المختار أبو عروبة، العم منخي وارث زوجة أخيه. هؤلاء جميعا في بيئة واحدة ولهم ذات المرجعيات النفسية والسلوكية واللغوية لكن ليسوا جميعاً يتملكون ذات الأدوات… كأنني ألوح الى “أن الادوات تغير السلوك” .. نعم ذلك ما أقصد! ولكن هناك اختلافات أخرى منها “الشكل المظهري، ثم طبيعة تعامل الوالدين المربيين، وطبيعة الاصدقاء، ومقدار التحصيل الدراسي، كذلك الامراض العضلية والنفسية”.
إذن لكي نفهم عقلية الابطال في رواية المخبر السري علينا أن نجزئ المتابعة على وفق النموذج المقترح الآتي:-
أولاً: المؤثثات الشاملة: تؤلف نوعين من الادوات هما:
- الادوات العدوانية: الادوات العدوانية لا تناظر بينها، خاصة تلك المستخدمة بطريقة انتقامية منفعلة، ولقد قدم الروائي نماذج منها لا يجمعها أي توافق لا لوني ولا صناعي ولا ذوقي، بل هي أشكال مادية، العراقي وحده من يعرف كم هي متسخة، والتعامل بها هو من أكثر أبواب الاحتقار فجاجة !! وبذلك فأن مستعملها سيبلغ أعلى درجة من النشوة، بالعرف الشعبي ذي العاطفة الشجية، وسيدلل على انفعال يشابه ما مورس ضده، إذ أن الفعل الذي كان مخططاً لإملائه على الشعب، رُدَّ بطريقة غير مخطط لها وبعنف أقل، والحصيلة، أن ثورة الانتقام أكثر تحضراً من مطبات السطوة والتحكم المنفذة بحرفية منتظمة زمناً ومكاناً.
يمكن أن نميز نمطين رئيسين من الأدوات العدوانية:-
- الأدوات المنتظمة الرادعة، هي سلطة مؤسسة الدولة القامعة: قوى الجيش والامن الداخلي والشرطة والمقرات والسجون الخاصة والعامة والسرية وتحت الارض، ومباني الأمن الخاص والامن القومي والفدائيين والجهاز الحزبي، وجهاز المخابرات، وأخيرا جهاز أمن مندس داخل جهاز الحزب، تساعدها أحدث أنواع الاسلحة النارية واحدث وسائل التعذيب النفسي والجسدي.
- منظومة المجتمع: حاولت مجاميع القوى الشعبية التعبير عن ألمها ولوعة فقدانها لأحبتها بضرب الصنم بأدوات تعد مهينة، ولكنها موجهة لتمثال… تمثال يوجد منه مئات في كل محافظة. يا للمفارقة وحتى بعد أن رجع الناس الى حياتهم شبه المستقرة، لم يتصرفوا بلا ضوابط لاتهام مناوئيهم، بل راحوا يبحثون في أوراق دوائر الأمن والمخابرات ومراكز الشرطة لإثبات وقائع حياة ذويهم، الاوراق التي صار البحث عنها ومعرفة اسرار السلطة السابقة هَمَ جميع المتضررين، هي ذاتها الأوراق التي وضع الروائي ثيمة روايته اليومية فيها.
- الأدوات الرحيمة: الادوات الرحيمة تلك التي هيأت للرواية مؤثثات مبرمجة للوجود لتصير بيئة حركة تعدُّ فقيرة العدد، لا تتجاوز البيوت والمقاهي والشوارع، وبعض دوائر حفظ الاوراق الرسمية، وهذه جميعاً أدوات ثابتة، لكن ثمة أدوات أخرى متغيرة الوجود والمهمات، كالحافلات وعربات النقل وعربات الحمل والاكياس والنقود والاواني ومستلزمات الحياة اليومية الاخرى، وأهمية وجود تلك الأدوات في الرواية، وظيفية.. كيف؟
يتأثث الوجود بعناصر متممة بعضها للبعض، فالمكان يوفر أطارا لحركة الزمان، والزمان يمرر طقوس وطبيعة حركة الأحداث، وهذه تسمح بتحرر الشخوص من شرط الوجود الثابت، وذاتها الشخوص من يصنع مادة الحدث التي تتمتع بحرية استثمار الأدوات، الرحيمة والعدوانية، ومن هذه المنافذ تنتج عملية التحيين الروائية، التي قد تشمل برويها على مؤثثات جديدة كالريح والرائحة والاصوات والألوان والغيوم والغبار، من ثم يقوم المظهر الكتابي بالدور الأخير حين يلف جميع هذه العناصر بما يشابه عملية نسج الشيرزة القماشية، ومن ثم يتولد المشد الكتابي الذي يؤالف بين المقاطع بعلامات (أدوات نحوية املائية)، وبعد التأمل الكتابي سيلفت النظر الى الهيكل الدلالي (التقاطب المكاني للأحداث) ليسهل فاعلية الاشارة، ثم البؤرة القولية، ثم الحدث الأهم، ثم الضربة الروائية الدرامية… ترى هل تسير رواية المخبر السري بهذه الدروب كلها دون أن يتيه الطريق منها؟ لنرى!
ثانيا: المؤثثات المتممة: مكملات أخرى تنحدر من أصولها (المراجع النسقية) نحو مصاغاتها اللغوية، تبدي مرونة خاصة في شد أواصر الدلالات الى بعضها. طبيعتها ومضمونها يتحدد بموجب المجريات الآتية:-
أ- مؤثثات التعميم : يترتب على وجودها ضمن الحوادث فواصل بيانية تركب المظهورات اللغوية من مضامين دلالية عامة (شائعة) لنتابع:
((وصلت مجموعة أخرى من المنتفضين… شرعت هي الاخرى بالاحتفال وتضرب بحماس ما تبقى من التمثال بما تيسر لها من مطارق وعصي وسلاسل حديدية، ليحيلوه أخيرا الى هشيم منثور)).
يحمل المشد المشهدي هذا نوعا واحدا من تلك السياقات العمومية، لكنه يربط خمسة مؤثثات أساسية تضبط حركة السرد الروائي.
- المؤثث السياقي هو “هشيم منثور” إذ ان هذا القول يعود الى سياق تراثي شائع في الاستعمال التقليدي وكذلك في الاستعمال الحديث لوصف الحالات الهلامية للأشياء القابلة للتغير والتفتت والاحتراق فهو قد اكتسب صفة العموم والشيوع بسبب قدمه ومرجعيته السياقية.
المؤثثات المرتبطة بالمؤثث السياقي هي:
1ـ الأدوات الجارحة: تشتمل على المطارق والعصي والسلاسل الحديدية، ولها وظيفتان هما ربط أجزاء المظهر التدويني، ثم إعطاء القول صيغة الدلالة الحركية الحدثية ليقوم الفاعلون بالتهشيم والنثر.
2ـ الادوات الهشة: تشتمل على المجموعة الاولى من المنتفضين، والمجموعة الاخرى من المنتفضين، والمتبقي من التمثال.
3ـ الادوات الحركية: وتشتمل على هيئات الشروع بالاحتفال، ثم هيئات الضرب بحماس.
4ـ الادوات الفنية: وتشتمل على مكونات اللغة من الجمل، ومكونات الفواصل قبل المشهد وبعد القول النهائي.
5ـ ادوات الدلالة: وتعدُّ من المؤهلات الاساسية للقول الذي ينجز فعل التفتت، ويتجه الى فعل الإكمال السردي للروي، ثم مجمل مشدات الربط والفصل والتوقف التي تدلي بالمشاهد نحو اللقطة “اللوحة” التي تنهي الرواية.
لكن هذه الأدوات “الدوال” تكاد تنحصر في مظاهر الكلمات الآتية (المنتفضين، الضرب، الاحتفال الهشيم).
ثالثا: مؤثثات الفضاء.
تتميز هذه المؤثثات بكونها تحيل الأمكنة نحو قيم استعمالية على وفق وجهة النظر المقترحة الآتية:
أ- قيمة اقتصاد الاختزال الوجودي:
في تصفحنا للرواية يتبدى لنا أنها تتوخى الاقتصاد الشديد للمساحة الجغرافية العمرانية، حتى ان القارئ ينسى ان جميع الأحداث تجري في بغداد، المدينة المقهورة المبتلاة بما تحدثها التغيرات من نكبات. ينسى الشوارع والمقاهي والبيوت والساحات والحدائق والفنادق والاسواق، ينسى دجلة والجسور. يتذكر حالين من مكونات الارض والعمران في بغدادهما التمثال وبيت ام ثائر.
عندما نتبادل المعرفة الإبلاغية في المشد الآتي، قد نبرر للروائي هذا الاقتصاد، لنتابع:
((مسكين ولدي، لم اشاهده بهذه السحنة المنقبضة سابقاً! ترى هل كان السبب في ذلك هو ما جرى له مع شيماء أم يكمن السبب في عدم عثوره على ما يدله على الواشي؟!))
((اطمئن يا ولدي لقد ذهبت الى شيماء واصلحت الامر معها… لا بأس يا اماه، لم أعد أهتم لهذا الأمر الآن… ماذا تعني يا ولدي ؟… سأصلح الأمر بنفسي ولكن بعد أن أصل الى نتيجة نهائية بشأن الواشي… يا لهذا الواشي اللعين!)).
للمشد المشهدي أعلاه أهمية خاصة في إفهامنا كيفية الاشتغال على الاقتصاد او الاختزال المقصود لساحة العرض الأرضية في رواية المخبر السري لسالم بخشي المندلاوي، فالمحدد هنا هو غرفة المعيشة التي تضم ثائر وامه وعمه. كما انهم مجتمعون لغاية تناول الطعام، وتلك أشياء يومية روتينية، بل توجد لدى الثلاثة ثلاث قضايا، ثائر لديه قضية البحث عن الذي وشى بأبيه الى الامن وتسبب بحبسه وإعدامه، والام لديها قضية حسم مسألة زواج ثائر، والعم لديه قضية جذب الام للاهتمام به والاحسان اليه في الفراش.
الآن يمكن ان نبرر سبب اختزال سعة الفضاء لساحة وجود الاحداث:
1- القضايا التي تهم الثلاثة (الحب والوشاية والنفاق) لا جغرافية لها لكونها تهم أكثر من ثلثي البلاد.
2- الروائي لا يحتاج الوصف لكون الموضوع هو موضوع يومي شبه دائم، له من الشيوع ما يخلق منه موضوعاً مطلقاً يخص الأخلاق الفردية والمجتمعية.
3- الغرفة بدلالتها الروائية مكان عميق الأثر فهي الوطن، لأن فيها الأُم والجمال والنفاق، تلك المكونات القيمية لشعوب الارض جميعاً.
د- الحميمية الفائقة بين الأُم والابن هي علاقة بايلوجية لا تحتاج وجوداً جغرافياً او اجتماعياً يؤكدها.
4- من الناحية الفنية فأن الاختزال الجغرافي معوض عنه بالتوسع الأفقي لحركة الأحداث.
يمكنني بعد الفهم المتقدم، القول “ان الروائي تعمد ان يرسل موضوعته الأساسية عَبْرَ الروي الخالي من الشرح والوصف والتوسع في الإيجازات البلاغية لأنه، منذ الصفحة الاولى، وضع لنا الحركة الروائية بموضع يؤشر تسارع التغيرات، مبيناً أنها ستنتج عجائب جديرة بالمتابعة بغض النظر عن مكانها، أي أنه جعل حركة الزمن فاصلة ورابطة ومتصلة، ووحدها ستحكم التداول الحدثي بين الناس، بغياب السلطة كلياً… التقدم الذي سيحققه الباحثون عن حقهم قضية مشروعة ومشاعة ولا وقت للكلام دونما فعل يحرر القيم لتنحو نحو أصالتها.
ب ـ تحدد موضوعة التشكل الحسي:
يتشكل الحس بالموجودات، في الرواية، بطريقة التأهيل المكاني المتغير الدلالة، حيث يصبح الصنم مكاناً للحركة الآنية لزمن قصير لا يتعدى ساعات الهياج الشعبي، ثم تتشكل أماكن جديدة تأخذ مكانتها الروائية من قيمتها الجديدة تلك هي “الوثائق الرسمية” وبعدها يدخل الشارع وقيمه “الفرهود”، وبعدها تقوم الأماكن بزرع الرعب والخوف وانعدام الثقة. من هذه النمذجة يستجد التشكل الحسي كموضوع أثير مشترك لجميع الحالات بأن يجعل هذه الموضوعة، الحس المتبدل بالأشياء، ذات قيمة فضائلية، أي أن البيت والشارع ومكمن الوثائق هي الحياة العراقية تحت مظلة ظرف “الفرهود”، وعلى الرغم من هذا كله فأن الحس العام بالموجودات، برأينا، يأخذ بالتشكل التصنيفي الآتي:-
1- الموجودات المختارة: البيت، مكامن الوثائق، الساحات، المقاهي. لها قيمها الخاصة التي تقترب من تحديد تشكل القيم الرسمية لمؤسسات “الدولة والعائلة والمجتمع”. تميل الى تكوين العلائق الحميمية بين الافراد، كعلائق الأُمومة والانتماء والتنزه المرح الصافي من عقد الدونية والصداقة. تتصف جميعها بالتغير الدلالي المستمر على ما في ذلك التغير من تقليدية. هي أماكن لإيواء عموم الناس واحتواء حركتهم اليومية سواء كانوا متضررين أم غير ذلك.
2- الموجودات المضطربة: ولا تتعدى بيت المختار، والبنوك. إنها متغيرة الأهمية والقيمة. أهم ما في تغيرها أنه يسبب الاضطراب الأمني. هي فضاءات التصارع الرسمي والشعبي والخارجين على القانون، مثل أصدقاء منخي الأدبس.
3- الموجودات الخطيرة: تتميز بكونها محلات غير مأهولة، تتجمع عندها العصابات، والسراق، والمجرمين، وهم أصحاب منخي الأدبس الذي حاول أن يسمم زوجته وابن أخيه لأنه كره الأُم لامتناعها جسدياً ونفسياً عليه.
4- الموجودات الاضطهادية غير المرئية: هي موجودات من مخابئ سرية تخص السجون وأقبية التعذيب، لم يرها أحد، لا موصوفة ولا معلمة في الرواية، ليدلل الروائي على مقدار الظلم الذي يحيق بالناس سابقاً بحيث حتى بعد زوال أسباب التستر على السجناء لم يعرفها الا القلائل. وقد نزل بها الأب الشهيد أبو ثائر والمعدوم داوود، وآخرون كثيرون جدا.
تتصف تلك الموجودات بأنها:-
– معنوية حاوية للبشر وقيمهم.
((تركنا ثائر حانقا على سعدي ودلف المنزل ممتعضاً وبقي سعدي في مكانه مطرقاً نادماً ثم غادر بعد أن لطم جبينه متمتما: يا لي من حمار !)).
– تختص بالمظهر الحضاري السلبي، على العموم.
((عندما وصلنا مبنى مديرية الأمن العامة في منطقة البلديات، وجدنا اللصوص قد سبقونا إليها وهم يواصلون نهب محتوياتها والنار تلتهم بعض أجنحتها، وهناك الكثير من الوثائق السرية تتطاير في الهواء، بعضها كانت مقضومة الأطراف بعد أن “لاحتها” النيران قبل أن تفر خارج المبنى)) .
– جلها يعاني من الانزواء وراء واجهات مضللة.
((ركبت سيارتي… عند وصولي ساحة المظفر انعطفت يميناً باتجاه دور العمال بعد أن خطرت لي بعض الافكار… وصلت منزل جبوري، أطلقت العنان لزمور السيارة، لم يتأخر جبوري كعادته.. أأمرني يا حاج، ستجدني في خدمتك (شبيك لبيك)!… أريدك أن تجهز لي قنينة ويسكي من النوع الفاخر، حبوب فياغرا أصلي، حبوب مخدرة من (الهروين)).
ج ـ تدفق الشعرية في الوجود:
لم ترسم الأشياء في “رواية المخبر السري” وجوداً ضامراً حتى لكأنها موجودات حرة، هذه الحرية قربتها كثيراً من الأداء المستقل لغوياً ودلالياً، على أساس أنها مؤطرات للوجود الروائي. ما الوجود الروائي دون اشياء؟ إنه الوجود اللا مرئي! وأين موضعه؟ في الذاكرة والتصور!
لنتصور الوجود اللامرئي وجوداً للشعرية في الرواية فكيف يعمل؟ لنتخذ من المشد المشهدي الآتي مبتدأ ندخچل به هذا الوجود:-
(( نهضتُ عن الطاولة الخشبية التي تتوسط غرفتي، وحملتُ المصباح النفطي الذي يعلوها لأستعين بضوئه على ظلام الدهليز الحالك. توجهتُ نحو المطبخ بخطوات وئيدة وحذرة خوفاً من تعثري بشيء ما، بعد أن أجهدني الصداع والأرق… شربتُ قدحاً من الماء المنعش لينزلق الى معدتي…)) .
يجتمع المشهد على 42 لفظا مصيغاً لجمل المقطع البالغة 5 جمل فقط، من النوع المركب الذي يضم اكثر من فعل واحد.
تُرى أي الألفاظ يؤدي دلالة لغوية مستقلة، وبذات الوقت يسهم في إتمام الفعل الروائي؟
في تصوري، بموجب الفرض السابق “الشعرية = الوجود اللا مرئي”، نرى تلك الشعرية، كقيمة جوهرية للجمالية الادبية، مجسدة في الالفاظ الآتية:-
(التوسط، العلو، الاستعانة، الحلكة، الخطوات، التؤدة، الحذر، الخوف، التعثر، الاجهاد، الصداع، الارق، الانتعاش، الانزلاق) لعل هذه الموجودات مشتركة في صفة “عدم الرؤية البصرية، وعدم القدرة على لمسها”. ولكل واحدة منها وظيفتان الاولى دلالتها الخاصة والثانية المساهمة الصياغية.
يمكن اللجوء الى جدول مختصر يوضح الملامح الرئيسة لها بحسب التفاصيل الملحقة بها:
الفاظ
الوجود
التوصيف البصري للوجود
الدلالة الخاصة للوجود
الثيمة الشعرية للوجود
التضبيط الصياغي للوجود
التوسط
تمركز متخيل
دقة التحديد
تحفيز الوجود على الثبات
ربط معاني الجمل بالدلالة
العلو
ارتفاع هندسي مدرك عقليا
تعيين الحدود الإيهامية
تحيين الوجود بنقاط شبه تجنيسية
ربط معاني الجمل بالدلالة
الاستعانة
بعد نفسي متصور
تأشير الضعف البشري
بث الوجد بالاشياء كونها تحس بالحياة المشتركة
ربط معاني الجمل بالدلالة
الحلكة
بعد نفسي متصور
تأكيد لقسوة التضليل
التساوي بين ظلام النفس والمحيط
ربط معاني الجمل بالدلالة
الخطوات
بعد انتقالي متصور
لتغطية فعل الإضطراب
مباهاة المظهر الوجودي بالبشر الاحياء
ربط معاني الجمل بالدلالة
التأده
بعد نفسي متصور
تأكيد إشارة الضعف والاضطراب معا
التوجس برقة عاطفية
ربط معاني الجمل بالدلالة
الحذر
بعد نفسي متصور
تأكيد درجة التذبذب السلوكي الآني
القلق لأي فعل مرتجل
ربط معاني الجمل بالدلالة
الخوف
بعد نفسي متصور
تأشير مقدار التعسف السابق واللاحق
تجنب الغفلة عن مسببات الألم الحقيقية
ربط معاني الجمل بالدلالة
التعثر
بعد حركي مدرك عقليا
تأكيد التردد وانعدام الثقة
لترسيم الخطى الصائبة عن غيرها
ربط معاني الجمل بالدلالة
الإجهاد
بعد نفسي جسدي متصور
استكمال مظهر الحيف المستمر
لدفع الخلل الجسدي بعد العمل الكبير
ربط معاني الجمل بالدلالة
الصداع
بعد نفسي جسدي متصور
تأكيد انتشار الخلل البشري جسديا ونفسيا
لإظهار أثر الهدف المشترك بين الروح والجسد
ربط معاني الجمل بالدلالة
الارق
بعد نفسي جسدي متصور
تأكيد عدم تحمل الاوجاع النفسية والجسدية
لتعطيل قوى الدمار بتحويلها الى ألم موضعي بسيط
ربط معاني الجمل بالدلالة
الانتعاش
بعد نفسي متصور
تضليل النفس والعيش بلحظة سعادة موهمة
التمتع بالهناءة كزاد للقادم من الأتعاب
ربط معاني الجمل بالدلالة
الانزلاق
بعد انتقالي متصور
تحريك قيمة الترويح عن النفس جسديا
التوفيق بين ذوبان الروح في الاشياء والجسد في اللحظات الحرجة
ربط معاني الجمل بالدلالة
من نتائج الجدول أعلاه:
1 ـ ان التوصيف البصري يتجه نحو الأبعاد النفسية بواقع 9/ 14 وان التمركز للوجود التخيلي يحتل نسبة 1/14 وان الوجود للمدرك العقلي يعادل 2/14 والوجود الانتقالي يساوي رتبة النسبة 2/14.
2 ـ ان الدلالة الخاصة تتجه نحو الضعف البشري والهشاشة الوجودية والتعتيم والإحالة الى الخلل السلوكي.
3 ـ ان الثيمة تميل الى تأكيد فعل الانتشاء باللا مرئي والعاطفي والوجد بالأشياء حال وجودها لذاتها ولذاذاتها.
4 ـ جميع التوصيفات تشترك بميزة كونها تقارب بين معنى الجمل ودلالاتها كروابط للبيان الجملي للّغة التدوينية التي تخص الروي.
5 ـ المؤكد الحتمي هو ان الوظيفة اللغوية فرضت الفضاء التوليفي للدلالة الخاصة والتوصيف البصري والقيم الجوهرية المستقلة الناتجة عن البناء الجملي.
6 ـ تدفق الشعرية يتنامى مع تدفق الروي باتجاهه العام نحو البناء الدرامي المتصاعد للرواية.
د ـ افضلية الوجود المتخيل:
من البديهي ان يكون للوجود مسميات مادية واخرى غير مادية, وكلاهما يحيلان الى مسببات الاستعمال, المادي وغير المادي عندما تتحين الوظيفة البنائية لأجل إظهار الوجود اللغوي “الأدبي خاصة” لأن الادب يقتضي التنويه والتوضيح والاشارة والايحاء، لذا يقتضي الحال وجود مؤطرات متخيلة تعادل، أحياناً، المؤطرات المادية وتخترقها نحو التعدد الدلالي، وهو ما يبغيه أي كاتب، كهدف لما وراء التدوين. إذن للوجود المتخيل أفضلية استعمالية متأتية مما له من خصائص مثل: قدرته على التشكل المتعدد الصياغات، أي يمكنه الوقوع في أي ترصيف جملي واي توصيف وظيفي على العكس من الوجود المادي الذي تقيده ماديته بواقعية الاستعمال الضيق.
للوجود المتخيل ميزة التغير المظهري بحسب الفلسفة التي توجهه. يمكن للمتخيل من الموجودات ان تسهم في إزادة الحس الشعري والشعوري، دونما تسبب في خلل للمباني والمقاصد المرجوّة لما بعدها.
للموجودات المتخيلة ردائف عديدة تضلل الدلالة وتزيدها جمالاً من الناحية التأويلية. تتفضل الموجودات المتخيلة بالتداول الأكثر شيوعاً وانتشاراً بسبب مميزاتها السابقة مما يسهل عملية التبادل النفعي بها عبر قنوات الـ “ميديا الجديدة” بعدّها أقصر وأسرع وسائل التفاهم عالمياً:(( لم أكد أغفو حتى حلمتُ بها… إنها حبيبتي شيماء، لمحتها تقبل نحوي ناشرة ذراعيها تنادي: أقبل حبيبي ثائر فأنا لن أكون لرجل غيرك.. هرعتُ نحوها ملبياً: لبيكِ، يا حبيبتي، لبيكِ.. ولم أكد أصل إليها حتى صحوت من حلمي…)) .المشهد كله وجود متخيل إذ أن الحلم هو وجود مدرك ضمن الباطن النفسي للفرد يحظى بالصدق الكامل في لحظته، لكنه وجود معكوس وتعويضي، أي أنه ليس ســـــــــــــوى وجود له إطار خارجي يقنع العقل الباطني بواقعيته، فيما هو يبين النقص في الواقع بدليلين هما، عدم وجود شيماء حقيقة، وعـــــــــــدم رضاها كلياً، بحسب المشاهد السابقة واللاحقة بالصفحة 144)).من المتوقع أن يمتلك الحلم شيئاً ضعيفاً من الواقع الحدثي الشبيه بالوجود الملموس، ونراه في، النوم الحقيقي والصحو الحقيقي، وهما هنا صفات للزمن وللحال وللوجود المادي لجسد وغرفة وسرير ثائر.
ان لدينا من نتائج الوجود الحلمي، خمس خصائص هي:
1ـ ان الوجود الحلمي يقبل أن يشكل مصاغات متعددة للجمل، فهي جمل شاعرية، وجمل تبوح بالأماني الدفينة للحالم والمحلوم به، وهي جمل قادرة على إيصال فهم لرسالة احتجاج على الظرف الآني للبطل ومحيطه.
2 ـ الوجود المظهري للمشد المشهدي يمكنه أن يتغير دلالياً بحسب الفلسفة الموجهة له، صياغياً وقرائياً، فمن حيث الصياغة قد يكون الهدف بث الحزن والشكوى، وبذا تستجيب القراءة الى كون المشهد تعبيراً يفيض بالتوجع والأماني المقموعة، ولو تغير الهدف الفلسفي نحو دلالة الاحتجاج فأن القراءة ستكون متجهة نحو لوم القوى المنتجة للاضطهاد الاجتماعي، وهكذا.
3 ـ بث الشكوى والاحتجاج ولوم قوى الاضطهاد، هنا معبراً عنها بنظام تعبيري يقع بين الشعر والنثر وكلاهما لهما مجازات جمالية، مما يرشح المشد الجزئي هذا، أن يكون بثاً شعرياً وشاعرياً له قيمة جمالية مستقلة عن القيمة الدلالية.
4 ـ من الناحية التأويلية نجد التغير والتعدد في تأويلات المغزى الجمالي والدلالي موجبات لوصفه بالنص متعدد التأويلات مثلما أشرنا في النقاط الثلاث السابقة.
5 ـ لو تصورنا المشد عبارتين هما:
((لبيك يا حبيبتي، لن اكون لغيركِ)) و((لبيكَ يا حبيبي لن أكون لغيركَ)) فمعنى هذا إنهما عبارتان موجزتان يمكنهما ان يرحلا عَبْرَ النت (الميديا) بثوان الى ثلاثة أرباع الأرض المعلمة بقنوات الميديا. لو تصورنا ذلك لعني هذا ان المشد المشهدي تم تصديره بقصدية واقتصاد ليلائم الموجودات الافتراضية الجديدة “ميديا النت”.
ه ـ التقاطب المعرفي لفضاء الروي: مهم الاستمرار في تقصي الوجود المشهدي أن تتكون فكرة دلالية للمقدار المعرفي الذي يحمله والذي به نحدد مركز الدلالة الكلية.
المؤكد تماماً عدم وجود تقاطب دلالي دونما دال ومدلول، فلنتابع:
((وجدتُ أُمي تجلس عند رأس ثائر، أين ذهبت عفاف، ولماذا جلست أُمي عند ثائر ولم تكترث لأمري ؟!!
أُماه، أنا هنا يا أُماه أنا ابنك منخي الأدبس، ألم تطلقي هذا اللقب عليَّ منذ طفولتي، هأ هأ هأ! إذن لِمَ تنكريني يا أُماه وتتجاهليني… لا تتركيني مجدداً، فأنا أُحتظر يا أماه… مرري كفكِ الدافئ على رأسي قبل أن تخرج روحي الملعونة الى الجحيم، فأنا بحاجة ماسة إليك الآن…!
اختفت أُمي فجأة وحلت مكانها عفاف، وهي تطلق صراخها نحوي قائلة: لماذا أيها الظالم، لماذا أيها المجنون، لماذا فعلت بنا كل هذه الفظائع؟ جبتها بصوت مخنوق متحشرج: لأني أحبك، أحبك، أحبك…!
سقطتُ مضرجاً بدمي ، فإختلطت حشرجتي بعويلها وأنين ولدها ثائر …!!)) .
نرشح ان يكون القطب الدلالي الأول في المشهد هو منخي للأسباب الآتية:
1ـ هو مَنْ وشى وصار مسببا لجميع أحداث الرواية بشكل مباشر وغير مباشر.
2ـ هو من صاغ أهم فصول العشق المريض والجريمة شبه المنظمة، وهو الممثل للانتحار السياسي “المقاومة” الذي صاغ مسار القوى الحاكمة والمحكومة لما بعد 2003.
3ـ منخي الشخص الأكثر حيوية روائية في تقلبه وجرائمه وصداقاته.
4ـ هو الابن المتهم بعدم شرعية انتمائه لأبيه، هو العم المُغْتَصِب لزوجة أخيه، وهو قاتل أبيه وأخويه وزوجته وآزاد.
5ـ هو منخي المصاب بلوثة الاحتقار للنفس كونه أدبس، ودميم، وعديم الرشاقة بمقابل الصفات المعكوسة لأخويه.
نرشح عفاف لتكون القطب الثاني في الدلالات الكــــــــــــــبرى للروي للأسباب الآتية:
1ـ هي رمز العفة والفطرة الطيبة للأمومة والتضحية والاخلاص، للعائلة وللعرف الاجتماعي.
2ـ هي الجمال الرمزي والمطلق للمواطن العراقي المنسجم مع ذاته ومتطلبات حياته. 3ـ هي ام البطل السردي وليس بطل مركز “قطب الدلالات”، الذي قاد الروي لأغلب فصول الرواية بصفته السارد العليم، على الرغم من أن الرواة متعددون ومتبادلون في هذه الميزة. لكن ثائر هيمن على الروي متجاوزاً الآخرين في الأقوال والأفعال والرمزية على الرغم من أنه ليس القطب الدلالي، لا الأول، ولا الثاني ، إنما هو القطب الثالث التابع لعفاف.
4ـ عفاف هي من صارت ضحية جميع قوى الاضطهاد، الرسمي والشعبي.
5ـ هي التشكيل الأوحد للوجه الأجنبي الجديد في العراق فهي شقراء وتلقب بالإنكليزية. وهذه الصفة هي دلالة مغطاة كثيراً لما يمكن قراءته مستقبلاً، أي أن هناك موحيات مبطنة تحيل الى، أن يكون العراقيون بسحنة شقراء جميلة مثل محتليهم، أو أجمل، وربما هي إشارة الى تبعية الأجنبي للتراث المهم والراقي حضارياً لبلاد ما بين النهرين!!























