تطور التنظيمات النقابية في العراق عبد الوهاب عبد الرزاق التحافي في عام 1919 تم انشاء منظمة العمل الدولية … التي اصبحت في عام 1946 ، اول وكالة متخصصة ترتبط بالامم المتحدة ، واهم اغراضها العمل عن طريق التعاون الدولي على تحسين احوال العمل ورفع مستوى المعيشة واستقرار الاحوال الاقتصادية والاجتماعية . في 9 / تموز / 1948 وافق المؤتمر العام لمنظمة العمل الدولية على الاتفاقية المرقمة (87) التي تعاهدت الدول الاعضاء بالمنظمة على ضمان (الحرية النقابية) . كما اكد الاعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر عن الجمعية العامة للامم المتحدة في ديسمبر / كانون الاول / 1948 في البند (4) من المادة (23) ان (لكل شخص الحق في ان ينشئ وينظم الى نقابات حماية لمصلحته) . وتصاعد الاهتمام الاممي بالحرية النقابية حيث نصت المادة (8) في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الذي اعتمدته الجمعية العامة للامم المتحدة في 16 / كانون الاول / 1966 على تعهد الدول الاطراف في هذا العهد بكفالة:- – حق كل شخص في تكوين النقابات وفي الانضمام الى النقابة التي يختارها لتعزيز مصالحه الاقتصادية وحمايتها. – حق النقابات في انشاء اتحادات … وحق هذه الاتحادات في تكوين منظمات نقابية دولية او الانضمام اليها – حق النقابات في ممارسة نشاطها بحرية دونما قيود غير قانونية . – حق الاضراب وفقاً لقوانين البلد المعني … فما هو موقف المشرع العراقي من الحق في تأسيس النقابات ومن الحرية النقابية ؟ ابتداءً نوضح ان النقابة في اللغة العربية جماعة مهنية يختارون من بينهم هيئة تتولى ادارة شؤونهم المهنية وحماية مصالحهم القانونية ، منهم النقيب ونائبه ، والنقيب رئيس النقابة ، والنقيب كبير القوم المعني بشؤونهم ، والنقيب رتبة من رتب الجيش والشرطة ، فوق الملازم الاول ودون الرائد . (مجمع اللغة العربية – المعجم الوسيط – الجزء الثاني – دار احياء التراث العربي – بيروت – لبنان – صفحة 952) . والمدقق في قانون حمورابي (1694ق.م) يلاحظ انه اعتنى بتنظيم واجبات الزراع (المواد 42 – 48) وديونهم (المواد 49 – 52) وشؤون اصحاب المهن ومنهم الجراح والبيطري والرسام والمعمار وبناء السفن والملاح (المواد 215 – 240) واجور عمل الزراع ورعي البقر وواجبات الرعاة (المواد 262 – 267) واجور العمال الفصليين (المادة 273) . ولا تدل الوثائق التاريخية على ان ارباب العمل في العراق كانوا يتمتعون بحقوق غير محدودة تجاه العمال …. ومنذ العهود الاولى كانت السلطة العامة تنظم العلاقة بين ارباب العمل والعمال بتشريع القوانين في هذا الخصوص . (الدكتور هاشم الحافظ – تاريخ القانون – الجزء الثاني – جامعة بغداد – عمادة كلية القانون – 1987 – 1988 الصفحات 106 – 108 و 155) اما في المجتمع العراقي في صدر الاسلام فقد ظهرت تنظيمات اجتماعية جديدة فرضتها طبيعة الحياة في المدن والامصار … ومن هذه التنظيمات :- – رؤوساء الاسباع او الارباع :- وهم رؤوساء الاقسام التي قسمت بموجبها القبائل العربية عند تخطيط المدن . وكانوا يختارون ممن لهم نفوذ شخصي كبير ومنزلة محترمة في قبائلهم . – العرفاء :- وهم من اهم الموظفين حينذاك . – النقيب :- قال الطبري انه فوق العريف بينما جاء في مصدر اخر انه كالعريف على القوم المقدم عليهم الذي يتعرف اخبارهم وينقب عن احوالهم . وكان رسول الله محمد (ص) قد جعل في ليلة العقبة لكل جماعة من الذين بايعوه منها نقيباً على قومه وجماعته ليأخذوا عليهم الاسلام ويعرفوهم شرائطه وكانوا اثنى عشر نقيباً كلهم من الانصار . قال تعالى (وبعثنا منهم اثنى عشر نقيباً) . (د. محمد حسين الزبيدي – المجتمع العراقي في صدر الاسلام – الفصل الثاني من كتاب حضارة العراق – الجزء الخامس – الصفحات 36 – 39 – دار الحرية للطباعة – بغداد – 1985) . وفي النصف الثاني في العصر العباسي حدثت تطورات داخلية في تنظيم اهل الحرف اكسبتها اطارها العام ، فاصبح لكل حرفة شيخ او (رئيس) من اصحابها ، تعينه الحكومة عادة ، او تعترف به ، وتعده ممثلاً للحرفة ، وعن طريقه تجري الاتصالات ، وتتحدد المواقف . ومن هنا يتضح ان الصناع كونوا فيما بينهم ، تقاليد واعرافاً ، اعترفت بها الدولة واقرتها واخذ بها القضاة والمحكمون اثناء النظر في الخلافات التي تظهر بين هؤلاء الصناع ، واحياناً يلجأ القضاة الى استشارة اهل الخبرة من اصحاب الحرف لغرض الاستعانة برأيهم في البت بالخصومات التي قد تحدث بين اهل الصنائع . (د. حمدان عبد المجيد الكبيسي – الصناعة – الفصل السادس من الجزء الخامس من كتاب حضارة العراق – الصفحات 295 و 301 – بغداد – دار الحرية للطباعة – 1985) وفي العهد العثماني كان معروفاً نظام (نقابات الاشراف) على راس التنظيمات الاجتماعية في المدن الكبرى مثل بغداد والبصرة والموصل وكربلاء والنجف وكان للنقباء دور اجتماعي بين ابناء مدينتهم ، وسياسياً في مواجهة السلاطين العثمانيين ومندوبيهم من الولاة وقادة الجيش والبوليس . وكانت لهم قدرة اقتصادية تعينهم على تقديم خدمات لاطعام الفقراء وتعمير المساجد وتشييد المدارس ، ومصدر تلك القدرة هي الاوقاف على المراقد الدينية التي كان نقيب الاشراف يتولى ادارتها . كما بقت (الاصناف) كتنظيم اجتماعي للحرفيين ابان القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في العراق ، يجمع ارباب الحرف واصحاب المشاغل اليدوية واصحاب العمل . وكان لكل صنف قواعد عمل تتعلق بالامور المالية للصنف وخاصة اجور الصناع وكمية الانتاج والضرائب المفروضة على الصنف . (د. عماد عبد السلام رؤوف – التنظيمات الاجتماعية – المبحث الثاني من الفصل الرابع من الجزء العاشر من كتاب حضارة العراق – الصفحات 129 – 158 – بغداد 1985) . لكننا لم نجد ما يؤكد وجود تشريعاً عثمانياً يعتني بتأسيس النقابات وادارتها وضمان واجباتها وحقوقها … بل ان الدولة العثمانية لم تصدر قانوناً خاصاً ينظم عقد العمل وحقوق العمال ، وبقت (مجلة الاحكام العدلية الصادرة سنة 1876م) نافذة في العراق ، وتتضمن 1851 مادة وتشمل المجلة على احكام المعاملات والاحكام المنظمة للعقود المختلفة ، حتى الغيت المجلة بصدور القانون المدني العراقي ونفاذه عام 1953م . (الدكتور هاشم الحافظ – تاريخ القانون – الجزء الثالث – جامعة بغداد . عمادة كلية القانون – صفحة 237 – 238) . ولكن في العقد الاخير من حكم الدولة العثمانية صدرت تشريعات تنظم ممارسة مهنة وكلاء الدعاوى (المحامين) ونظام لممارسة الطبابة ونظام اخر لممارسة مهنة الصيدلة . (راجع مجموعة القوانين العثمانية – الجزء الخامس ترجمة عارف افندي رمضان – تدقيق يوسف ابراهيم صادر – المطبعة العلمية – بيروت 1928) . وبعد تأسيس الدولة العراقية صدرت مع بداية الحكم الملكي ، واستناداً لقوانين عثمانية سابقة او تقاليد دستورية متبعة في الدول الاخرى قرارات من الحكومة بتأسيس مجموعة من النقابات والجمعيات والنوادي منها نقابة المحامين 1918 ، الجمعية الطبية العراقية 1921 ، جمعية العمال 1928 ، جمعية تعاون الحلاقين 1929 ، جمعية اصحاب الصنائع 1929 . (د. ابراهيم خليل احمد – الجمعيات والنوادي – حضارة العراق – الجزء الثالث عشر – بغداد – 1985 – صفحة 145 – 146) . وحرصت الحكومة العراقية على مراعاة احكام المواثيق الدولية سواء تلك التي صدرت باطار هيئة الامم المتحدة ام جامعة الدول العربية ، وعبرت دساتير الدولة العراقية عن الموقف الرسمي باحترام الحريات العامة والحقوق الانسانية ، ومنها الحق في تأسيس النقابات وضمان الحرية النقابية ، واصدرت تشريعات تجسد ذلك الموقف .. ففي دستور المملكة العراقية الصادر عام 1925 نصت المادة (12) منه على الاعتراف بحرية العراقيين في ابداء الرأي والنشر والاجتماع وتأليف الجمعيات والانضمام اليها ضمن حدود القانون . اما في دساتير العهود الجمهورية فبقى فيها الالتزام بحرية تكوين الجمعيات والنقابات بالوسائل المشروعة وعلى اسس وطنية مكفولة حددها القانون ، وزاد بعضها بكفالة حرية الاجتماع والتظاهر وفق اغراض الدستور وفي حدود القانون . (مادة 26 من دستور 16 تموز 1970) .واعتنى دستور 2005 بكفالة الدولة لحق تأسيس النقابات والاتحادات المهنية والانضمام اليها ، وان ينظم ذلك بقانون (مادة 22) . والمدقق في التشريعات العراقية يجد عشرات التشريعات الخاصة بتأسيس نقابات وجمعيات او اتحادات مهنية ، منها على سبيل المثال :- – الاتحاد العام للادباء والكتاب – الاتحاد العام لنقابات العمال – الاتحاد العام للجمعيات الفلاحية – الاتحاد العام للطلبة – الاتحاد العام للنساء – الاتحاد العام للشباب – نقابة الاطباء – نقابة اطباء الاسنان – نقابة الجيولوجيين – نقابة ذوي المهن الصحية – نقابة الزراعيين الفنيين – نقابة الصيادلة – نقابة المحامين – نقابة الكيماويين – نقابة المحاسبين والمدققين – نقابة المساحين – نقابة الفنانين – نقابة الصحفيين – الجمعيات العلمية – الجمعيات التعاونية – جمعية المهندسين – جمعية الحقوقيين – اتحاد الصناعات – غرف التجارة – رابطة المصارف الخاصة ولجميع هذه التنظيمات مقرات ، ورؤوساء ، وهيئات ادارية واستطاعت ان تحقق لاعضائها مكاسب مادية ومعنوية ، وان تؤسس لهم جمعيات لبناء المساكن وجمعيات استهلاكية وتقيم لهم نواد اجتماعية وثقافية ، وتصدر عنها مجلات او صحف دورية … كما استطاعت بعض النقابات ان تؤسس لاعضائها صندوق تقاعد وضمان اجتماعي … واعتنى المشرع العراقي بتشريعات العمل التي نظمت عقود العمل وفصلت حقوق وواجبات كل من ارباب العمل والعمال كما اعتنت بضمان حق التنظيم النقابي للعمال ابتداء من قانون العمال رقم 62 لسنة 1936 وامتداداً الى قانون العمل رقم 151 لسنة 1970 وصولاً الى قانون العمل الحالي رقم 71 لسنة 1987 … كما صدر لاول مرة قانون خاص للتنظيم النقابي برقم 171 لسنة 1967 الذي الغي وحل محله قانون التنظيم النقابي للعمال رقم 52 لسنة 1987 ، النافذ حالياً . ومن الجدير بالذكر ان مشروع قانون العمل الجديد الذي انجز عام 2010 ، ولم يصدر حتى الان ، عاد الى دمج احكام التنظيم النقابي للعمال مع بقية احكام قانون العمل … وحدد اهداف التنظيم النقابي للعمال بانها :- اولاً // حماية الانتاج وتطويره لتحقيق الرفاه الاقتصادي والاجتماعي ثانياً // العمل على ترسيخ الحقوق الاساسية للعمال ثالثاً // تنمية الوعي الثقافي والاجتماعي والمهني للعمال رابعاً // تعميق الشعور بوحدة الطبقة العاملة في العراق وتطوير علاقاتها الاقليمية والعربية والدولية (مادة 135 من مشروع قانون العمل الجديد) . كما بين القانون الجديد ان التنظيم النقابي للعمال يتكون من :- أ) الاتحاد العام لنقابات العمال في العراق ب) الاتحادات العمالية في بغداد والمحافظات ج) النقابة العامة المهنية في بغداد د) النقابة المهنية في المحافظات والدارس لتاريخ العراق السياسي الحديث يدرك بدون عناء ان التنظيم النقابي للعمال كان في مقدمة جماهير الشعب العراقي في النضال من اجل استقلال العراق وحريته ووحدته والدفاع عن الحريات العامة والحقوق الانسانية ، ومقاومة الظلم والارهاب والاستغلال …. والى جانب التنظيم النقابي للعمال اسهمت الجمعيات الفلاحية والاتحادات العامة للطلبة والنساء والشباب ، والنقابات المهنية كافة وفي مقدمتها نقابات المحامين والمعلمين والصحفيين بالنضال الوطني العراقي العام الى جانب عنايتهم بالحقوق النقابية المهنية . وعلى الرغم من القيود التي وضعها الحاكم المدني لسلطة الاحتلال في العديد من الاوامر والقرارات والتي اصدرها بعد 9 / 4 / 2003 على حرية التنظيم النقابي ، استمرت الاتحادات المهنية والنقابات والجمعيات تمارس نشاطاتها باشراف لجنة قضائية شكلت في الامانة العامة لمجلس الوزراء ، ومازالت قائمة . { محام ولواء شرطة متقاعد



















