
تركيا .. الغاز القطري ومصالح العراق – محمد عبد المحسن الخفاجي
يا أصحاب الشأن والقرار في دولة متهالكة اسمها العراق
أكدت المتابعة أن أهم ملف من ملفات مباحثات الشيخ تميم آل ثاني أمير دولة قطر خلال زيارته العراق هو مشروع مد أنبوب عبر الأراضي العراقية لنقل الغاز القطري إلى تركيا .
الأمر في أساسه طبيعي ومألوف في سياسات التعاون الإقليمي وتبادل المصالح بين الدول . ومن منطلق المصالح يبدو بحث هذا المشروع على قدر عالٍ من الأهمية فيما يتعلق بالعلاقات العراقية التركية من جوانب عدة .
أول هذه الجوانب أن حاجة تركيا إلى التعاون لتنفيذ هذا المشروع الحيوي تشكّل فرصة إيجابية متاحة للعراق في التفاوض معها حول حقوق له تبدو واضحة لكنّ تركيا استغلت وما زالت تستغل ظروفه المضطربة وضعف الدولة فيه لغمط هذه الحقوق والتجاوز عليها وتجاهل الإتفاقيات الثنائية والإقليمية والدولية التي تنظمها ، وأبرزها :
1- حقوق العراق في مياه نهرين دوليين ينبعان من أراضيها ويمران في أراضيه ويشكلان أساس الحياة فيه، وبسببهما قامت الحضارة ونشأت التجمعات البشرية على ضفافهما منذ آلاف السنين في بلد صار يسمّى منذ العصور القديمة ” بلاد الرافدين ” أو ” أرض ما بين النهرين “.
واليوم ، وقد ظل إيغال تركيا في التحكم غير المشروع بمياه النهرين من خلال إقامة السدود تلو السدود عليهما وتغيير مجرى روافدهما على مدى عقود من السنين ،يفاقم الضرر بالعراق حتى لاحت مظاهر التصحر وشحة المياه في مجرى كل من النهرين وزادت نسبة الملوحة فيهما وأصيبت الزراعة والثروة الحيوانية في العراق في مقتل وشحت مياه الشرب الضرورية لحياة الإنسان دون أن تعبأ السلطات التركية بهذه النتائج الكارثية، بل صارت تتسرب تصريحات تركية بشأن مقايضة المياه بالنفط !.
وما يبعث على الإستغراب هو عدم إيلاء المسؤولين العراقيين هذا الوضع الخطير الإهتمام الذي يستحقه ، والأدهى من ذلك أن بعض السياسيين يتلقون الدعم التركي لتنفيذ برامجهم السياسية مفضّلين التبعية الخارجية وتغليب مصالحهم دون اهتمام بدوافع هذا الدعم التي تتقاطع مع المصلحة الوطنية العراقية، ودون أن يفكروا ببحث الحقوق العراقية خلال تهافتهم على أرض الخلافة العثمانية !.
من هنا يجدر بالمسؤولين انتهاز فرصة الحاجة التركية إلى العراق في إيصال الغاز القطري الضروري ومطالبة الجانب التركي باحترام حق العراق المائي المشروع وإطلاق حصته في مياه دجلة والفرات .
2- التجاوز التركي على السيادة العراقية ؛ حيث دأبت تركيا طيلة السنوات الماضية على التجاوز على سيادة العراق ، واتخذ تجاوزها هذا أشكالاً شتى، أهمها التغلغل داخل الأراضي العراقية بذريعة مطاردة مقاتلي حزب العمال الكردي دون تنسيق مع الحكومة العراقية ؛ فرغم أن العراق كان في سنوات سابقة قد اتفق مع تركيا على السماح لكل من البلدين بالدخول إلى أراضي البلد الآخر بعمق خمسة كيلومترات لأغراض عسكرية فإن تركيا صارت تتجاوز ذلك دون التزام بعمق محدود وتنتهك الأجواء العراقية باستخدام الطيران الحربي، بل تعدّت ذلك إلى إقامة معسكرات وقواعد لقواتها ، وقاعدتها في بعشيقة دليل سافر على الغطرسة والإنتهاك وعدم الإلتفات إلى المطالبة العراقية بإزالة هذا التجاوز المرفوض .
لقد استخدمت تركيا ملف المياه وحاجة العراق المائية للحصول على تسهيلات ومعاملة تفضيلية عند تزويدها بالنفط العراقي ، كما أن الصادرات التركية ظلت تشكّل نسبة عالية من استيرادات العراق، وبالتالي ظلت مصدراً لموارد مالية كبيرة لتركيا دون أن يفكر العراق باستخدام النفط وسياسة الإستيراد ورقةً تفاوضيةً فاعلةً في علاقة العراق الإقتصادية معها ؛ وقد آن الأوان الآن ، في ظل الحاجة التركية العراقية الملحّة إلى أرض العراق لوصول الغاز إليها ، لاستخدام ورقة قوية لإعادة التوازن إلى ميزان العلاقات بين البلدين انطلاقاً من مصالح مشروعة تمس حياة الإنسان العراقي في الصميم.
























