تداعيات فلسفة القطيعة والتواصل في العملية السياسية
عماد علو
تشكل ظاهرة القطيعة والتواصل واحدة من أبرز سمات العملية السياسية العراقية التي انطلقت منذ عشر سنوات عند الشروع بالتحولات السياسية الأخيرة التي تمثلت باحتلال العراق من قبل الولايات المتحدة الأمريكية 2003 وتغيير نظام الحكم العراقي بالقوة ، وإنشاء شكل جديد وطرق جديدة لإدارة النظام وشؤون الدولة وبالشكل الذي فتح الباب واسعاً أمام الرؤى والأفكار المختلفة والمتضاربة في بعض الأحيان مما سرع في بروز عدد من الاشكاليات في إدارة الشؤون السياسية وطرق واساليب التعامل مع التركة السياسية والاجتماعية والاقتصادية الثقيلة والوضع السياسي الجديد الناشئ عن طبيعة الاحتلال والبيئة السياسية الداخلية والخارجية للعراق . هذه الاشكاليات اتاحت للحاكم الامريكي بول بريمر زرع بذرة الازمة السياسية المزمنة في العراق عندما وضع نظام المحاصصة الطائفية من خلال، ما سمي بمجلس الحكم الانتقالي . واصداره في ايار 2003 ، للقرار المعروف بقانون اجتثاث البعث ، والأمر رقم (2) الصادر عن سلطة الائتلاف المؤقتة في العراق ، والذى نص على حل الكيانات العسكرية وشبه العسكرية ، فدخلت البلاد منذ 2003مرحلة فوضى سياسيّة وأمنيّة وإداريّة لم تتوقف حتى بعد إقرار الدّستور ودخوله حيّز التّنفيذ في 2005، حيث استمرت الأزمة السياسية في العراق ، بفعل عواملَ داخليّة وخارجيّة برزت مظاهرها في تصعيد المعضلة الأمنيّة وفي أزمة اقتصاديّة واجتماعيّة وانكشافٍ أمام التّدخّلات الخارجيّة . ان اساليب التملق والنفاق السياسي التي اتبعها عدد من الاحزاب السياسية والوجوه الاجتماعية والعشائرية للمحتل الامريكي بتصعيد الافتراق الطائفي وانتهاج اسلوب القطيعة والافتراق الاجتماعي على اسس طائفية وعرقية ودينية ومذهبية ومناطقية ، عزز من حالة الرفض المتبادل للآخر واوجد نوعا” من القطيعة غير المبررة منطقيا” فيما بين اطراف العملية السياسية الراهنة نفسها ، وايضا” بين المنخرطين بالعملية السياسية بصورة عامة ، و المتضررين منها الذين رفضوا أو منعوا من الاشتراك بها. واتّخذ هذا الرّفض في بعض الحالات مظاهر عنفٍ مسلّحٍ، حيث لجأت ولازالت بعض الجهات والقوى السّياسيّة التي رفضت النّظام السّياسيّ أو العملية السياسية ، تحت مسمّيات عدّة إلى استخدام العنف السّياسيّ المسلّح لبيان رفضها. وقد غطّى الواقع السّياسيّ السّلبيّ المتسم بالإصرار على القطيعة والرفض للآخر ، على مدى القصور الذي طال الأداء الحكوميّ وحتّى التّنفيذيّ، في مجالات غياب الخدمات وسلبيّة الأداء الإداريّ، واتّساع نطاق الفقر، مما عزز التّنبّؤات التي كانت تقول إنّ العراق يتّجه نحو التّفكّك . ومنذ مطلع العام 2009؛ أظهر الوضع السّياسيّ اتّجاها نحو الاستقرار ، الا إنّ هذا الاتّجاه رافقه اتّجاه آخر في تحوّل الشّكل الرّافض للنّظام السّياسيّ من اعتماد العنف السّياسيّ المسلّح إلى ممارسة الرّفض السّلميّ، دون إعطاء اهتمام جدي للملفّات ذات التّماسّ مع حياة المواطن المعيشيّة والخدميّة. وقاد هذا التّحوّل إلى حدوث إرباكٍ في المشهد السّياسيّ وسيادة لغة المصالح الحزبيّة وغلبة السّياسة واعتباراتها على الكفاءة، بمعنى غلبة “طلاب السّلطة” على “رجالات الدّولة”، فبان أثر كون أغلب الملاكات السّياسيّة غير مؤهّلة لتولّي المناصب التي احتلّوها، وكذا علاوة على التناحر الواضح في تشكيل الحكومة وتسمية وزراء للوزارات الامنية ، والمساومات التي طرحت من أجل تمرير مشاريع فئويّة حزبيّة أكثر ممّا هي مشاريع وطنيّة في أغلب القضايا التي تهمّ المواطنين . ان المحاصصات السياسية على اسس طائفية رسخت فلسفة القطيعة والتباعد مما فتح الباب على مصراعيه ، بشأن اعادة تركيب الدولة العراقية على اسس طائفية وعرقية ، لتفتح الابواب على مصاريعها لتدخلات دول الجوار في الشأن العراقي الامر الذي انعكس بشكل سلبي وواضح على الوضع السياسي والاجتماعي والامني العراقي. ان تشجيع العديد من القوى والاحزاب السياسية المشتركة في العملية السياسية و وقوى واحزاب رافضة للعملية السياسية أو ممنوعة من الاشتراك بها ، على القيام بعمليات تطهير طائفي وعرقي شاملة ، مهد بشكل اساسي لمفهوم الانفصال والتقسيم مستقبلا(انظر ، كاتزمان،كنث،العقوبات الدولية ضد العراق وخيارات السياسية الامريكية، قسم الدفاع القومي والشؤون الخارجية، البنتاغون،1994م. منشور أيضا بعنوان ، توجهات امريكية تجاه الشرق الأوسط، مجلة مركز دراسات الشرق الأوسط، 1995م، ص125) وعلى الرغم من لجوء أطراف الأزمة السياسية العراقية الى الجلوس والتحاور في أربيل عام 2010 وتشكيل ما أطلق عليه (حكومة الشراكة الوطنية ) ،الا أن فلسفة القطيعة ونبذ التواصل المتخمرة في اذهان معظم قادة ورموز العملية السياسية بقيت كنار تحت الرماد، حتى تفاقمت وبلغت ذروتها بالتزامن مع الانسحاب العسكري الامريكي من العراق في 18/12/2011 لتندلع نار الأزمة السياسية العراقية من تحت رمادها ، مهددة السلم الاهلي في العراق من خلال المهاترات الكلامية والسجالات العقيمة هبطت الى مستويات كشف ونشر غسيل شخصي لرموز العملية السياسية كان لها اثرا” سيئا” في نفسية المواطن العراقي واحباطا” لديه ازاء من يتصدى لقيادة العملية السياسية في العراق من تيارات واحزاب وقوى سياسية وشخصيات بارزة سواء منها الليبرالي أم من يتخذ من الدين غطاء” لعمله السياسي! كما تزامن ذلك مع تدهور أمني واضح ، تمثل بعودة التفجيرات العشوائية بالسيارات المفخخة والعبوات الناسفة والاغتيالات بالأسلحة الكاتمة للصوت ، وصولا” الى ما سمي بنكسة الموصل التي نجم عنها سقوط واحتلال اجزاء كبيرة من محافظات نينوى وصلاح الدين والتأميم والانبار بيد عصابات داعش الارهابية!
ان نبذ فلسفة القطيعة التي تتسم بها علاقات القوى والاحزاب السياسية والعودة الى التواصل والحوار الموضوعي الجاد والهادف الى مصلحة الشعب العراقي بالدرجة الاولى سيكون هو الوسيلة والجسر الذي يمكن العراق وشعبه من العبور الى بر الامان والخروج من هذه الازمة ، للمضي في عملية اعادة اعمار العراق وبناء الدولة الديمقراطية وتحرير الاراضي التي تحتلها عصابات داعش الارهابية .


















