
العقل والمدينة المنتجة
تداخل سيرة المفكر عزيز السيّد جاسم
جاسم عاصي
لا يمكن الفصل بين المدينة والفاعل العقلي(المبدع ــ المفكر) ،تماما مثلما استحالة التفريق بين المكان والإنسان، لأن المكان حامل للجينات على شتى صنوفها وتداخلاتها ، والتي تضفي على الشخصية خصائص متفردة. من هذا المنطلق سوف تكون مداخلتنا عن المفكر(عزيز السيّد جاسم)معززة بعلاقة المدينة بالنموذج في مجال الوعي وتطور الحقل المعرفي ،وخلق النموذج الحامل لعدته التي لا تستسلم سوى للمؤثر العقلي ــ الجيني والمكتسب ــ الذي يرفع من قيمته المعرفية المكتسبة ذاتياً . وخير مثل لنا على هذا علاقة مدينة(أوروك) بنماذجها كتاريخ قديم. ومدينة(الناصرية) كحاضنة منتجة للمعرفة عبر التاريخ بشطريه القديم والحديث ،تماثلت معها حد التطابق بمقياس التبادل الجدلي لما ينتجه العقل المفكّر.
لا شك في ؛أن السلطة المركزية في مدينة أُوروك كانت للمعبد ،وفي هذا الجمع المقدس ثمة تباين في طبيعة السلطة بين رموز الآلهة سواء في الوظيفة أو التسلط. الأمر الذي أحدث تبايناً في معطيات المدينة ، متمركزاً في شخصية(جلجامش) ، التي بارك آلهة المعبد بعض من سلوكه السلبي مثل( اخذ الأطفال من أحضان الأمهات والحاقهم في معسكرات التدريب ،والدخول إلى منزل العرائس قبل الزوج ، والاعتداء على الجيران من المدن) . كل هذ رفع مقياس التذمر عند الرعايا، وحدث جراء هذا أن خلقت(أوروروــ أنكيدو )بدافع من الإله(شمش). إن الامساك هنا بالمخلق الذي صعّد وجوده حدّة الصراع داخل الحاضنة ومكوّنها السياسي والاجتماعي. لأن الوافد كما يصفوه، أي الدخيل على مكوّن المدينة غير مقبول . فقد تم وجوده بإرادة وفعل إلهي أيضاً. مما أحدث وجوده انعطافه ايجابية في شخصية الملك في التخلص من ممارساته اللاإنسانية والصعود إلى قعل قتل حارس الغابة(خمبابا). لذا اجتمعت الأسباب للتحريض والتعبئة لقرار اغتيال (أنكيدو) حسب رأي الباحث(ناجح المعموري ).
ما نوّد التركيز عليه من هذه المقدمة ؛ إن(السيّد جاسم) تماثل في معرفته وسلوكه الاجتماعي والسياسي مع هذا نموذج أنكيدو. فهو وافد من مدينة صغيرة باتجاه مدينة أكبر ثم أوسع(بغداد) ، وكان له دور كبير التأثير في البنية العامّة لمكوّنات المدينة الكبيرة كما سنرى من مسار التحليل والبحث في المسكوت عنه في شخصية السيّد ضمن علاقاته العامّة.
هنا لا بد من الفحص الدقيق لتشكيلات المدينة ، لكي نصل إلى استنتاج يخص العلاقة بينها وبين المثقف. ذلك لأن السيّد جاسم امتدت تأثيراته نتيجة فعالياته الفكرية(العقلية) إلى خارج المدينة ، ومنها العاصمة بغداد ،وأصبح له موّقعاً في الثقافة العربية والعالمية ،ودليلنا على هذا اصدار بيانات استنكار لاعتقاله واغتياله عالمياً ،وتكرار الاحتفاء واستذكاره. وهذا بطبيعة الحال أثّر وأغاظ السلطة السياسية .
المكان والتوجهات
ما نعنيه بالمكان ؛المدينة وحصراً (مدينة الناصرية) ،لأنها المكان الذي شهد علاقات متلازمة وناميةومنتجة. ولنبدأ بالمقاهي باعتبارها الحاضنة التي يلتقي في رحابها المثقفون. فمقهى المفكر(عزران) ، بالرغم من وجودها في سوق شعبي ،إلا أن شخصية صاحبها جاذبة للآخرين. لذا فالمثقفون يلتقون دائماً داخلها وتدور بينهم حوارات يُشارك خلالها(عزران) بحيوية، هو يُدير المقهى ويُلبي احتياجات الجلّاس، إلا أنه سمعياً ينشّد إلى الحوارات الدائرة .لذا يُشارك بطرح الرأي أثناء توفر الفرصة. وعزران ليس شخصية عادية ، بل مثقف من طراز متميّز ، لديه اهتمامات فلسفية ،تركزت في مبحث ما دار في حقل فلسفة(افلاطون، سقراط) وله كتب مخطوطة لم تر النور. وكان السيّد تستهويه هذه الخصية فيرتاد مقهاه مع أقرانه . ثم مقهى (التجار) ،وهي من عنوانها تنتسب إلى تجار المدينة، وهي كذلك ،لكنها فتحت مجالها للمربين والمثقفين، فجل أُدباء المدينة من المعلمين والمدرسين ،لاسيّما ذوي الميول السياسية يلتقون في رحابها . كذلك مقهيي (اللواء والعروبة) .وقد وصفناهما هكذا لتقاربهما ، فهما متقابلتين ، ويحتل كل منهما رأس السوق الكبير جهة بناية المحافظة، اللواء سابقاً. وكانت تشهد صراعات مستمرة ، حيث كانت مقهى العروبة يرتادها القوميون والبعثيون ، وقرينتها اللواء يرتادها اليساريون عموماً .ولا ننسى مقهى(أبو أحمد) صغيرة المساحة ،كبيرة بروادها . في هذا المقهى تختلف العلاقة بين صاحبها وروادها، فهي مبنية على الود والمحبة. وأبو أحمد يراعي الأدباء ممن يتعذر دفعهم ثمن الشاي. ولا يطالبهم به على الأطلاق. كان جل المثقفين يلتقون داخله ،لاسيّما الوافدين كزائرين إلى المدينة ،فيكون لقائهما في مقهى أبو أحمد الشهيرة.
إن هذه المقاهي وغيرها هي ورش عمل ثقافي، تُنتج داخلها الأفكار وتطور للكتابة والتخطيط للأعمال المسرحية، لأن من بين روادها المسرحيون، كتاب ومخرجين وممثلين. توضع اعلانات العروض على جدرانها ،كذلك الاعلانات عن الندوات . ومن بين روادها الفنانون التشكيليون .كان السيّد جاسم يتواجد مع أقرانه، ويتصدر مجالسهم بالحوار ،ما كان يتحلى به من سرعة بديهية وعمق معرفي .فهو يحظى باحترام خاص . وعلاقته مع الجميع مهما اختلفت الأجيال يسودها الاحترام والود وقوة التلقي وحساسيته عبر الاصغاء إلى طروحاته الأدبية والفكرية .فهو مفكرو شاعر وروائي وناقد من طراز كبير ،تعلمنا منه الكثير ،لاسيّما طروحاته في مجلة(الآداب) اللبنانية. ومن خصائص التحلي بخاصية ارتجال الخُطب في المحافل العامّة ،حتى لُقِبَ بـ(ميرابو)الثورة.
العلاقات الثقافية
لا شك إن العلاقات لتي كان يُقيمها السيّد جاسم مع أقرانه وعلى تباين الأجيال ، كان مبرره كامن في انتمائه اليساري .فهو سياسي مثقف ، ومفكر جدلي ، يبحث عن الأكثر صلاحاً للواقع .فتحولاته نابعة من قدرته على الإحاطة بالمعرفة التي تؤدي إلى جدل الحركة العقلية ، ووضع كل معرفته المكتسبة ضمن ميزان خلق التوازن الفكري . وهذا بطبيعة الحال أدى إلى احداث نقلات نوعية عبر أزمنة غير قصيرة. فعنده البقاء للأصلح. فبنيته الفسلجية تنحو إلى الفحص الدائم للمكتسب ومداورته وفق قانون الوجود والديالكتيك الذي يشكل ناظماً له. لذا فعلاقته مع المثقفين تحتكم إلى قانون الحوار الدائم والحيوي؛ الأخذ والعطاء ،قبول الصالج ورفض الطالح. ربما هذا السلوك العقلي البحت من أوقعه في اشكالية الفهم عند الآخرين والسلطة السياسية حصراً .
لكننا نحتكم إلى قانون التقارب الذي ارتبط بالمدينة كمكان منتج للمعرفة منذ القِدم. ولتكن سياحتنا لرصد العلاقة بالآخر من باب تبادل المعرفة ، وتحريك ما ركد جرّاء مسيرة الوجود. فعلاقته بشخصية(رزاق النجار)،يعرفها الجميع . فهي علاقة تواد واحترام ،نستطيع أن نصنفها ضمن حقل العلاقة الصوفية. توأمان عرفهما مجتمع المثقفين .وعرفوا أيضاً ؛أن السيّد جاسم لا يقصد عند زيارته للمدينة إلا صاحبه الروحي أولاً .تستقبلهما المكتبات والمقاهي ، يتصفحون الجديد من الاصدارات ، والدوريات من الصحف والمجلات العراقية والعربية, وتحتويهما المقاهي عبر تعليقاتهما الثقافية وطروحاتهما السياسية . السؤال ماذا أحدث عمقهما المعرفي..؟ وهل كان هذا من أسباب ما وصلا إليه من مصير؟ الاجابة : بنعم . ففي نعم ؛كان الواقع السياسي حصراً غير قادر على استيعاب طروحات المثقف الجدلي . ماذا حصل بعد تعاقب السنين والأحداث، أن اتخذ (رزاق النجار) قراره بعدم الركود في بقعة واحدة ، ملتحقاً بالمقاومة الفلسطينية حد الاستشهاد على أرض لبنان.
كذلك العلاقة المبنية على أُسس أُسرية مع بيت(آل عمران) ،وهي علاقة مبنية على الود والوفاء. فالسيّد أقام الصلة مع أفراد أُسرة عاقروا الثقافة عبر اختصاصات مختلفة كالمسرح والتشكيل والكتابة السياسية .فعبر المخرج والممثل والشاعر(عزيز عبد الصاحب) كان مثقفو المدينة يراقبون هذه العلاقة ،ويعتزون بها كثيراً. ،فشخصية (عبد الصاحب) دالة على جهد غير طبيعي في صقل الخاصية الذاتية، فهو مجدد في مجال الاخراج المسرحي ، وممثل بارع على المسرح ، وشاعر مارس مبكراً كتابة قصيدة النثر .والسيّد جاسم تستهويه مثل هذه الشخصيات ، لا لشيء ، سوى كوّنها مكملة لوجوده المعرفي. شهدت الأجيال تلك العلاقة ،وباركوها عبر تطلعهم إلى تطورها .هذه العلاقة إلى ماذا انسحبت من مصير؟ فعزيز استقبلته رهافة الصوفية المتألقة ، والتجرد من بهرجة الحياة . وحين رحل خلّف نموذجاً يحمل قيّمه الخاصة وهل النجل(سعد عزيز عبد الصاحب)، فناناً مجتهداً ، ومثقفاً جريئاً في طروحاته . وبقي عبد الصاحب علامة فارقة في تاريخ المدينة المعطاء مثل زميله السيّد جاسم.
وتأتي العلاقة مع (ورشة) المثقف (عبد الرزاق رشيد الناصري) ، وهي بقالية مزدوجة الوظيفة ، حيث تحتوي زوايا الدكان على المصادر من الكتب ، وكثيراً ما كنا تجد المثقفين يقفون أمام الدكان وهم يحملون دزينة الكتب ،يتحاورون عن بُعد ،وبعض منهم يجلس داخل البقالية . والسيّد يقف بقامته الممتلئة ، ورشاقته الدائمة ، كأنه استنبت على الأرض بقوة . مرة تجده بقيافته الاعتيادية كمعلم، وفي أُخرى يرتدي (الدشدائة مع السترة ) وبين يديه كتاب ضخم كأن يكون جزء من رأس المال ، أو كتاب في الفلسفة. وقد أربك رجال الأمن يومهاً بما يحمله من مثل هذه الكُتب ، فضنوا أنهم أمسكوه بالجرم المعهود .وحين اقتيد إلى دائرة الأمن اكتشف المدير أنه قاموس اللغة الانكليزية للبعلبكي . وقد نشر هذه الطرفة في مجلة الآداب اللبنانية في ستينيات القرن المنصرم. ورشة الناصري تستقبل الزوار من المثقفين مثل(عبدالرحمن طهمازي، الفنان قتيبة الشاعر شريف ، جمعة اللامي) وغيرهم .
ومع القاص والروائي(عبد الرحمن مجيد الربيعي) ، شهدت الأجيال الثقافية تلك العلاقة ، فقد بارك السيّد ناقداً مجموعته البكر والجريئة في التجريب( السيف والسفينة) ،كذلك روايته( الوشم) ، وكانت علاقاتهما قد امتدت إلى بغداد حيث أقاما ، وعملا في الوظائف الثقافية كوزارة الثقافة لعبد الرحمن، ومجلة وعي العمال بالنسبة للسيّد .
أما علاقته مع الكاتب والمخرج والممثل المسرحي (مهدي السماوي) فكان اللقاء معه يعتبر معجزة كان يتمناها السماوي، كما وصفها نفسه، بعد أن شجعته على تحقيق هذا اللقاء . حدثني عن اللقاء قائلاً : السيّد يعرف عن أعمالي أكثر مني ! أخذني بحديثه طيلة الساعات سياحة في المسرح الروماني وما كان يحفل به المشهد العراقي والعربي والعالمي من مدارس للفن المسرحي ، مدارس ومؤلفات وإخراج . أسهب في طرح رأيه بمدرسة(بريخت) واجتهادات (عوني كرومي وصلاح القصب )، بعد أن عرّج على( يوسف العاني ، خليل شوقي، ناهدة الرماح) وغيرهم. هكذا كان السيّد موسوعياً في ضروب الثقافة والمعرفة. المعرفة التي تأكل صاحبها في العراق وترديه قتيلا .
انتبه الروائي(جمعة اللامي)إلى هذه العلاقات ، فعالجها في روايته(الثلاثية الأُولى). وكان المناضل والمثقف العضوي(خالد الأمين)من بين الشخصيات في الرواية. كذلك عزيز الموسوي وكريم البقال .كانت علاقة السيّد مع الأمين مبنية عل احترام وجهات النظر لحداثة السياسي والمثقف الفتي. كان يتميّز بصغر سنه وكبر معارفه . فهو سياسي من طراز خاص، وتنظيمي بارع يدير خلايا التنظيم الشيوعي في الناصرية بجدارة تنظيمية، مثقف وشاعر . انتهى به المطاف في قصر النهاية سيء الصيت، وحسبما ذكر الراحل (كريم القصاب) وقد شاهده صدفة أثناء خروجهم إلى تواليت المعتقل قائلاً : كان خالد يسير على أطراف أصابعه ، لأن جلاوزة ناظم كَزار أحرقوا ساقيه بالقطن المغمس بالكحول. مات معانياً من ألمه بعد بترت ساقيه بسبب مرض الغنفرينا .ابتدأت علاقة السيّد به أثناء وقوفه أمام بقالية الناصري ، فأعجب بثقافته وخاصيته السياسية القوية. كذلك علاقته مع الروائي والقاص والشاعر والمترجم (أحمد الباقري وقيس لفته مراد) .هذه العلاقات المتشعبة في اختصاصات مبدعيها ،وفّرت للسيّد فرصة إقامة حوار مباشر وغير مباشر. بمعنى رسخت من تجربته في واقع وتاريخ المدينة . لأن العدة المعرفية والثقافية لشخصه تميّزت بالسعة والتنوّع وشجاعة الموقف. وقد وضّحنا ذلك في كتابنا(لكي لا تنكسر مساحة البياض) المكرس لتاريخ نماذج مدينة الناصرية. أما علاقته بطاهر النداف ،الشخص البسيط مهنياً واجتماعياً ، لكن السيّد كان يهتم به ويتخذ من واجهة دكانه ملتقى للمثقفين .ثم زياراته للمكتبة المركزية في المدينة ،واللقاء بأمينها القاص والمثقف(صبري حامد) . الكل كان يتطلع إلى وجود السيّد بينهم ومنهم(صالح البدري ،كاظم الخالدي ، أحمد الجاسم ، حيدر عبد الحسين الجاسم، رملة الجاسم، قاسم دراج ، حسين السلمان ، كاظم جهاد )والقائمة تطول.
المكتبات الأمكنة المستقبِلة
بضع مكتبات لتسويق الصحف والكتب والدوريات، لكنها واجهات مهمة للمشهد الثقافي للمدينة هي (مكتبة الأهالي لجبر غفوري / مكتبة طاهر غفوري/ مكتبة الوعي الوطني). فالأُولى تغير مكانها ، بعد أن كان موقعها خلف مقهى اللواء ،وصاحبها عضو في الحزب الوطني الديمقراطي، وله علاقة بأمينه(كامل الجادرجي) ، كان يتكفل بتوزيع جريدة الحزب الأهالي). أما الثانية فقد حفلت بشتى المطبوعات والدوريات والصحف المحلية والعربية. والثالثة واضح انحيازها لليسار العراقي ،خاصة في شخصية (كاظم شناوة) المناضل من بين عائلة مناضلة. كل هذه الشخصيات والمراكز الثقافية التي يرتادها السيّد جاسم باستمرار كانت شاهدة على علاقة المثقفين مع بعض ، وعلاقة السيّد بها وبهم من خلالها.، فأنت تراه يخرج من هذه المكتبة أو تلك محمّل برزم الكتب ، هو ورزاق النجار ،أو كاظم عجمي الصديق المقرّب للسيّد ، بثقافته الموسوعية ، والفلسفية .كان شخصية متميّزة من بين جيله والأجيال الأُخرى اللاحقة. كانت تجمعهما جلسات طويلة في أزمنتها ومادتها المطروحة للنقاش كما شهد على ذلك عدد من الذين حضروا مجلسهم.
خاصية العلاقة والتأثير: كل ما أملته علينا الذاكرة الفردية ،والتي اتكأت على ذاكرة جمعية ، وضعت شيء من مشهد وسيرة واسعة بالتأكيد، وغفلت عن غيره. وهذه خاصية ملازمة لكل من يروم تسجيل تاريخ المدن والشخصيات الاستثنائية عبر التاريخ. ونحن إنما سجّلنا انطباعات مزيج بالتاريخ ، الذي شيّده المفكر(عزيز السيّد جاسم) بجهده وطيبته وسعة قلبه وملكته العقلية ،حيث استفاد من علاقاته لتطوير ذاته المستندة إلى ؛أن لا شيء حقيقي دون الحوار والمكاشفة. فقد فاض على الآخرين بفيض احساسه الوطني وحساسية انتمائه إلى مدينة جنوبية مسوّرة بالماء .إنها مدينة عائمة على غمر مسطحات المياه ، تستنشق عبير قصبه وبرديه ، وتحمل من نكهة سومر ، وملاحم أرضها وعقول نماذجها.
رحم الله السيّد جاسم أباً وأخا ومعلماً نستلهم منه دائماً العِبَر من شخصيته الفذة ولياقته العقلية الفائضة، فتقوى عزيمتها واصرارنا على استعمال العقل الذي أكدت عليه مدوّنات السيّد كتباً وأفكاراً ،ستبقى دروساً دائمة للأجيال ، فهي دليل قاطع على علاقة العقل بمنتج المدينة. فبدون العقل يؤول الأمر إلى الخراب .. والخراب المستمر.
























