

سحر الحقيقة لباسم عبد الحميد حمودي
تتبع العلاقات المعرفية بين الموروثات – جاسم عاصي
كتاب الأُستاذ الباحث باسم عبد الحميد حمودي الموسوم بـ سحر الحقيقة ، جُهد واسع في سياقات الموروثات ضمن تاريخها ومثابرة مختصيها في شتى الصنوف والأجناس البحثية. لكن المركز الأساس في المتن ــ كما نرى ــ في كوّنه يتوسع في مدى العلاقة بين صنوف الموروث، بين استقلالها كبنية ، وامتدادها إلى المجاورات. ومثل هذا الفعل لا تتيّسر سبله بسهولة دون معرفة تامة بمعظم ما أُنتج من دراسات وكتب بأقلام وملكات باحثين ، سواء كانوا عراقيين أو عرب أو أجانب .إن الفرشة المعرفية التي اعتمد عليها الباحث هي جمع أطراف المعادلة والتركيز على الهدف الأسمى ، حيث العلاقة الجدلية بين تلك الموروثات ،لاسيّما التراث الشعبي والأساطير. وهما متنان معرفيان ينتميان إلى الأنثروبولوجيا البشرية . ما المقصود بسحر الحقيقة ؟ سؤال يُحيل إلى طبيعة المؤلَف . وأُولى هذه الاعتمادات في اختيار العتبة للكتاب ؛كوّنه زاخر بالبحوث والعيّنات التي قُدمت على مدى التاريخ الإنساني ، سواء كان ذلك منتج معرفي
عبر سيّر الكتّاب ،أو طبيعة منتَجهم المعرفي ،الذي كشف عن العلاقات الكبيرة سواء بين المجتمعات ،أو بين الكتّاب خلال جُهودهم المتميّزة .فالسحر متأت من جواهر ما أُنتج ، والحقيقة من طبيعة تشكل ما تداولته الشعوب من عادات وتقاليد وطقوس منذ القِدَم ،في كوّنها نتاج فاعل اجتماعي ،يرتبط مباشرة بالعقل وما ينتجه من أفكار .هذه المفردات شكّلت بنى فكرية تصب في جانب أهمية ديالكتيك تاريخ وسيرة الشعوب . وبهذا تكون قد بلورت الحقيقة عبر معانيها الواضحة في الكشف .لذا فهي أي الحقيقة بسحرها قد أرخت لسيرة الشعوب والبلدان والجماعات ، لأنها نتاج فكرهم البري والحضري. ولعل مثال الملاحم والأساطير القديمة ، قدّمت معاني مختلفة الدلالة ضمن العلاقات الذاتية في النص الحيوي مثل ملحمة جلجامش الزاخرة بسح أساطيرها. ولنأخذ مثلاً ما آلت إليه العلاقة بين جلجامس ــ أنكيدو بعد رحيله إلى العالم الأسفل .، ورغبة الملك في رؤية صاحبه التي بدت مستحيلة بسبب عدم تقيّد أنكيدو بالوصايا وهو سائر إلى العالم الأسفل . لكن التذرع وزيادة الطلب دفع الإله بإخراج روحه بأن أحدث ثقباً في سقف العالم الأسفل ، خرجت منه روح أنكيدو، تلبست جسده. الحقائق التي انبثقت من خروجه ،كانت عبر وصفه لسكنى العالم لأسفل ، والمعايير التي تُدار بها الحياة هناك ، مما يوصلنا إلى حقيقة العقاب والثواب في العالم الآخر . هذه الحقائق أنتجتها الأُسطورة ضمن الملحمة . وهي أساساً بنى فكرية أساسية في الفكر الميثولوجي وسحره. أما التقسيم لمفردات مباحث الكتاب ، فكانت ترتبط بسيرة المؤلِف على مدى سنين ليست قصيرة، استطاعت ذاكرته المعرفية والثقافية ودربته في الكتابة، أن يضعها موّضع التوزع والشمول لحراك الوسط الذي شكّل تاريخه المعرفي . وما يهمنا في التداخل هنا، هو الصفحات التي افتتح بها المؤلف، لا لشيء أو قصد ، سوى كوّنها فاتحة لامّة عبّرت عن مفتتح منهج ارتكز عليه الكاتب من جهة ، ومن جهة أُخرى فيه نوّع من التركيز على مانح جدلية التاريخ والمعرفة في آن واحد .لذا سيحظى باهتمامنا.
نتاج العلاقات والتأثر
للعلاقات ناتج يخص البنى الفكرية التي أنتجت مثل هذا الحراك . فالمجتمعات البدائية مارست طقوسها المتحولة إلى شَعيرات عقائدية ثم دينية، هي أساساً دالّة على حراك العقل إزاء الطبيعة والوجود ،ثم الإجابة على الأسئلة المقتحمة وجود الإنسان. فهو استجاب لها عبر عقله البري ، ثم الزراعي ، بعدها الصناعي .. وهكذا. ما نتوصل إليه هنا هو علاقة كل هذا الحراك بالفكر المنتَج على مستويات متعددة في تاريخ الشعوب. ولعل التراث الشعبي اكتسب أهميته عبر علاقته المباشرة بحياة الناس ويومياتهم. فمنها التوفر على اللذة الروحية، والأخرى لإراحة النفس ،أو التنفيس عما يختلج في الذات. إن قول الزعيم الهندي الأحمر لـ بدكت ؛ من أن كأسنا تكسر ، يعني أساساً بقيمة هذا الذي في الكأس . ثم مبررات تعرّض الثقافات الأُخرى المتسلطة دون إرادة الشعوب ، ذات محمولات ماحية لكل ما هو قومي رفيع ، كالخاصية الشعبية والتاريخ الأُسطوري للشعوب ــ كما ذكر المؤلف ــ..وجهد الباحثبندكت يشتغل على محور ما اشتغل عليه الباحثجيمس فريزر ، سواء في الغصن الذهبي أو في مؤلفاته ذات المبنى الأنثروبولوجي. فهي دفاعات بحثية لسيرة موروثات الشعوب. وكان معظمها ميدانياً كما فعلفريزر. إن هذا التاريخ الشعبي كان أساساً مرتبط بالتاريخ العام، بل أن بعضه شكّل تاريخاً كما هو للشعوب البدائية ،وسكنى الكهوف والمغاور، بما كانت تمارسه من فعل الصيد، ثم الزراعة ، والصناعة . أما علاقة كل هذا التراث بالأُسطوري، فهما لا ينفصلان عن بعض ،بالرغم من توفر كل جنس على مقومات ذاتية، فلمفردة التراث لغتها و أُسلوبها وذاتيتها ،وللأُسطورة مثل هذا أيضاً .أما علاقتهما بالسحر والحقيقة، في كون كل واحد منهما يتناول حقيقة ما تُمثل زماناً ومكاناً خاص بها . لذا فمبرر ظهورهما مرهون بجدلية العقل. فكلاهما مرتبط بالعقل والحاجة الروحية ،وبالتالي بالحاجة والرابطة الاجتماعية .إن تمثّل كل منهما للواقع لا يختلف إلا في المبنى وتشكل الجنس .إن أساطير الشعوب تشكل أداة علمية في استخلاص عبرها ودروسها ، وهو ما أسفر عنه جهد جيمس فريز ومسيرته ، سواء في البحث عن مواطن تلك الأساطير ،أو ترجمتها . لذا نجد أن حيويتها تنبثق من حيوية ونشاط محتواها الذي يُسفر عن عالم واسع يُثير المتلقي ، ويبعث في ذاته سحر حقائق ما يطلع ويقرأ .وهو نوع من المثابرة التي بذل خلالها المؤلف جهداً لتوصيفه تلك العلاقات بين الموروثات مهما كان ضربها . أكد الباحث خلال مبحثه هذا على تداول مستويات من العلاقات المنتجة للحقائق . فمن ذكره حالة النشاط الذهني والسيكولوجي والاجتماعي والذي يصاحب التلفظ هو القدرة اللسانية الفيزيائية على الوفاء به ص016.
أي أن اللغة بإيقاعها اللساني تنتج فكراً ، فاللغة والفكر يدوران في محور واحد، ينتج أحدهما الآخر. والأساطير وموروثات الشعوب لها لغتها ونسقها المعرفي. لذا وكما ذكر المؤلف من أن التفكير باللغة والصوت اللغوي غير ممكن الحدوث دون اسناد المدرك الحسي وتحويله إلى المدرك الفكري . لذ نرى كما رأى الكاتب ؛ من أن الكلام المنطوقالشفاهيأكثر قدرة على الإبلاغ . وهذا ما يرشح كون الأساطير والطقوس والشَعيرات القديمة بدأت شفاهياً ، كذلك الموروثات الشعبية بكل أصنافها ابتدأت وترسخت خلال التداول الشفاهي . إن الأمر الذي يميّز اللغة الشفاهية ؛ كوّنها تخضع للإضافات والصياغات الجديدة، فالشعوب برواتها تعمل على تطوير متنها الشفاهي، بما تخصبه من افرازات الأزمنة والأمكنة. فتداول أي ثيمة أُسطورية أو شعبية بين الشعوب يخضع إلى مبدأ التأثر والإضافة بطبيعة الحال . وهذا ما نجده من تطورات خضعت إلى المبنى الفكري مثل نباتاللّفاحالتوراتي الذي خصب رحم راحيل زوجة النبييعقوب وحملت بـيوسف ــ ينظر في ذلك سفر التكوين من العهد القديم ــ وهو نبات كنعاني أصلاً ،تطور بفعل التداول إلى اليبروح في بيئة أمريكا اللاتينية .وهما يحملان نفس الخصائص رغم تباعد وجودهما الجغرافي . فالشعوب تخلق أساطيرها ، وهي أيضاً من ينقلها ويتداولها بإضافات مناسبة .وهو ما نعنيه بجدلية الموروثات ،وجدلية فكرها المتطور. من بن التفاتات المؤلف المهمة والتي حفل بها كتابه وهو يتناول إرث الآخرين ، من أن الأُسطورة وهي نسيج مضطرب يقع خارج التاريخالمعجزات لا يلغي وجودها التجريبي . غير أن محاكمتها بالمنطق العلمي يبدو غير وارد ،لأنها كحقيقة يجري تداولها بين الشعوب لحاجة ذاتية بحته .ويتفق الباحث مع مالينوقسكي ؛ من أن الأُسطورة تمثل تبريراً .ويتفق الباحث معه ؛ كون الأُسطورة تمثل تبريراً يرسخ اًلاعتقادات والممارسات التي تؤلف عصب التنظيم الاجتماعي .ص21. كذلك تكون الأُسطورة نتاج يتحكم فيها الزمان والمكــان.
تراكم كمي
وليس بالإمكان تحول كل شيء إلى أُسطورة .إن هذا خاضع إلى التراكم الكمي والنوعي في حياة الشعوب .فالتكرار يقود إلى فرز النوّع ومن ثم الإضافة. هكذا تُخلق الأساطير، نتيجة الحراك الذهني مقابل الممارسات الطقسية .
فالأُسطورة لا تموت . وهذا ما أكدهرولان بارت في الأُسطورة اليوم . ومرسيا إلياد في العود الأبدي. كذلك تطرق الباحث في هذا الفصل على مدى العلاقة بين الأدب والموروثات ، وعدّه محرك معرفي يعمل الكتّاب والشعراء على توظيفه في نصوصهم. غير أن هذا التوظيف مرهون ــ كما يرى المؤلف ونرى ــ بوعي متن الموروث ، وليس نقله إلى النص. فنص الموروث في هذا الجانب محفز لخلق أُسطورة نص الكاتب ، وابتكار فضاءاته التي تنهل من سحر حقيقة الموروثات والتاريخ . نرى أن الباحث باسم عبدالحميد حمودي كما عودنا في كتاباته من بين القلائل ،حيث يعمل على ربط الأجزاء بالكليات ، فهو يُفكك الثيمة ، قصد التوصل إلى مبانيها وفواصلها . وهو ما تجسد ليس في مهد التقديم ،وإنما في كل مباحث الكتاب. فمثلما دخل إلى الأُسطورة والموروث الشعبي ، تناول الكثير من متون التراث عراقياً وعربياً وعالمياً بروية الباحث الجاد، مما يُرشح مؤلفه سحر الحقيقة أن يكون مهماً ومتداولاً من بين مصادر الثقافة الشعبية .
– باسم عبدالحميد حمودي/ سحر الحقيقة / دار ميزوبوتاميا ــ بغداد 2014
























