

بهاء زهير أحمد القيسي
ليس غريباً أن تحصل شخص ما على جواز (دبلوماصياً) أو فيلا على شاطئ دجلة، أو حتى سيارة جي كلاس راقصة (ملاهي) من الفئة العاشرة على مقياس قشمر للزلازل الاجتماعية، إذ يعكس هذا الواقع ببساطة زمن النفخ والشفط واللفط. كما قال كارل ماركس، “وقائع التاريخ تتكرر في حالين: مرة بحال مأساة ومرة مهزلة”. ولا شك أننا نعيش الآن في زمن “أم المهازل”، وليس مهزلة واحدة.
وفي كتابه “دراسة في طبيعة المجتمع العراقي”، وصف الباحث علي الوردي حال المجتمع البغدادي في أول مرة رأى فيها امرأة ترقص على خشبة المسرح بشكل علني، حيث كانت تهز جسدها بغريزة على أنغام البستات، وترتدي ملابس تكشف تفاصيل ما يُخفى منها عادة، كلها غنج وجمال ودلال وإغراء، وكان ذلك في عام 1908.
وكانت رحلو الحلبية والملقبة (جرادة ) قد سطع نجمها في أواخر العهد العثماني وهي القادمة من حلب لبغداد. وعرفت هذه الفترة العصيبة من تاريخ البلد والتي كانت موسومة بالفساد بكل شكل ولون والضارب في ٱقصىٰ زوايا مفاصل المجتمع وقد أعتمد العصملي منهجية أفساد (التابوهات العراقية ) من خلال أغراق البلد بالماي خانات ومقاهي الچالغي كما انتشرت المواخير وغيرها من أماكن اللهو وكانت كل هذه المسميات هي في حقيقتها و مجملها نوع من المشاغلة والتضليل الفكري للشعب العراقي في مقابل عدم توفير العيش الكريم وانتشار الأوبئة وتفشي الجهل والأمية بين الناس .
بعد أعلان الدستور العثماني في أسطنبول أرخىٰ العصملي من قبضته في الخناق علىٰ المجتمع العراقي من باب منح الحريات وكان من بين هذا الرخاء ويكاد المنحة الوحيدة التي نالها المواطن والتي تمثلت بحقوق الرقص أن جاز لنا اصطلاحاً التعبير لكونه واقعياً فقد أقتصر علىٰ هذا فقط لاغير فلا سيادة ولا استقلال ولا صحافة حرة ولا أقتصاد متعافي ولا حمص ولا زبيب .
جذبت عروض رقص (جرادة) ومن علىٰ خشبة مسرح حديقة بگهوة سبع في الميدان ..كل شخص من ذهبت أخلاقه، وتكدس علىٰ بابها أصحاب الثروات من التجار وغيرهم من ذوي السلطة ونجحت هي في تكون شريحة من المعجبين يوفرون ماتحلم به حتىٰ أنتشرت وأخذت تقيم لها عروضاً في البصرة وفي كل مرة كانت سمعتها تسبقها. وأصبحت ظاهرة يشار لها بالبنان شغلت المجتمع البغدادي الذي عرف بصرامته وقوة أعرافه حتىٰ أن الشاعر الرصافي في حينها نظم قصيدة نشرت في الصحف اسماها. (بغداد بعد الدستور) أنتقد فيها هذه الظاهرة وحذر منها وحلل أبعادها .
أصابة الست جرادة المجتمع البغدادي بصدمة سطرته دوخته كثيراً أن صح التعبير ولمس المجتمع وفي أول تجربة حديثة في نوعها له ومن بعد فترة تكوينة المغلقة الطويلة كيف يمكن أن تتغير منظومة العرفية الأخلاقية مع أول طارئ جديد غريب عليها وكيف يمكن لراقصة أو امراءة منفردة و بلا جذور أن تفعل كل هذا.
كانت ولا تزال الإجابة علىٰ هذا السؤال .
في منهج التجهيل المنظم الذي أتقنت القوىٰ المحتلة العمل به تجاه المجتمع من خلال تحول مجرىٰ أخلاقياته في جعل متقدمين الوجاهة المفترضين الذي هم في أطار معيشي يكون فيه من البحبوحة الشئ الغزير وتتطلع الأنظار اليهم كنوع من الطبقية الاجتماعية العليا المخملية التي تكون محصنة وبنفس الوقت تنال كل ما متوافر من الخدمات النفعية والترفيهية إضافة الىٰ طرح وترويج نمطهم الفكري الخاص كمنهجية سلوكية يوصىٰ به من خلال دعاية غير مباشرة توصل الطامحين الصغار الىٰ مكانه من خلالها يمكن منها تحقيق الاحتياجات الحياتة الطبيعية بجهد وعناء أقل والتي هي في مجملها حقوق اجتماعية منطقية ضرورية التوافر للفرد في وطنه وليست ترف استثنائي برجوازي أو ارستقراطي ينعم به أصحاب الطبقة الخاصة.
لم تختفي أشباه جرادة لا من الأوقات التي تلتها ولا في أيامنا الان ويمكن أن تحدث إفرازات مجتمعية أدهىٰ فساداً تطرح جيل جرادات يمكنها أن تجهز علىٰ الأخضر واليابس .
























