تأملات في مشاكسة الذات الأخرى –اضواء – حامد عبدالحسين حميدي

حامد الراوي يكتب أرشيف الغوايات

تأملات في مشاكسة الذات الأخرى –اضواء – حامد عبدالحسين حميدي

الدلالة التي توحي الى الاشياء ، لها حضور استنطاقي استباقي مميّز ، وليس غريباً هذا ، بل انه من صلب النقد الادبي ، كونها اشارة الى ماهية النّص الابداعي الذي يشغلنا احياناً بما فيه من تحفيزات اثارية ، لا يمكن لأيّ شاعر ان يقف عندها إلا بعد ان يجد لها تحويلاً نقدياً ، يأخذها على محمل الجدّ الفاعل ، ولان الدلالة الايحائية ذات تردّدات و تموجات تحاكي مخيلاتنا المختلفة في تقبلها وعدمه ، لأننا نعاني – احياناً – من ضعف في استقبال الاشارات المنبعثة عن طريق المفردات والتراكيب التي نحن بصددها ، فالشعر .. يمثل حالة تتمخض من ولادات متفاوتة ، وجيّده هو ما آتى عن فطرة وملكة شعرية فذة ، ومتانة لغوية ذات طابع رصين ، لا ميوعة فيها ، بل انه يجرّنا الى تحركات اتساقية منتظمة ، وبذا يحقق ما نطمح اليه في معرفة مقدار الشحنات والطاقة التي يلقيها الشاعر في قصيدته هذه او تلك ، وعلى اختلاف نمطية النوع الشعري .

للشاعر حامد الراوي قصيدة نثرية (ارشيف الغوايات ) ضمن مجموعته الشعرية الرابعة التي تحمل العنوان ذاته ، الصادرة عن دار الجواهري / العراق –  2015 ، تقع القصيدة في ثلاث مقطوعات ، فيها كمٍّ من التحوّلات النفسية المتضخّمة في نفس الشاعر ، كونها ذات سمة ايحائية دالة على ما يروم اليه الشاعر في توصيلة الخطاب الذاتي الى الاخر / المتلقي .. فهل ” حامد الراوي ” شاعر مثاليّ افلاطوني ، يغوص في ذاته ليسبر اغوارها تخلّصاً مما يثقل عقله وفكره الجيّاش المتأزم ، ليلجأ الى التطهير الذاتي ، ام انه مجرد شاعر متمرّس يمتلك الادوات الفنية ، يتلاعب بالألفاظ ويسوقها كيفما شاء وأراد هو حسب رؤيته ، ليغيض الذات الاخرى ، رغبة منه في شدّها وأسرها الى اعادة قراءة افكاره وغواياته ، هاتان السّمتان عرف بهما الشاعر المبدع ” الراوي ” في ما ينظمه ، ولاسيما حينما يخاطب الانثى ، وأيّة انثى تلك .. الانثى التي حطمت ذلك السكون والصمت في حنجرته ، كي يبوح لها عما في جدارياته المتلعثمة ، لأنها لغز كوني يثير جنونه وفلسفته ، فهو يقف عن كثب في صومعة الغواية التي بناها بحرقةٍ ونكران ذات ، وكأني به يفصح عن جدلية المرأة التي غوته ، وعلى الرغم مما تميّز به من العقلانية ودماثة الخلق ، لتحيله الى شاعر يلتهم وسوستها بشراهة ونهم ٍ لا نظير لها.

( الغواية ) ترميز لرغبة جامحة طافحة بالانفلات والضلالة ، انها الولوج في بواطن الاغراءات التي تجذبنا اليها رغبة ورهبة ، هي تأزمات نفسية متثاقلة في ذواتنا التي تعاني من الكبت والحرمان والفردية الانعزالية ، لذا فهي المتنفّس الضاجّ الذي يسوقنا في تفريغات متتالية للذّة السالبة ، التي طالما اختفت في طلسم النفس ، فكانت رمزاَ دالاً لما نخبئه في مكنوناتنا ، الغواية وأرشفتها لا تحتاج منا إلا التأملات في ما نحمله ( سرّاً وعلانية / هدوءاً وقلقاً / راحة و انزعاجاً / صمتاً وثرثرة ) ثورات متداخلة انفجارية تغصّ بحمولاتها الكبيرة .

نقرأ له :

-1-

مثل جدار ينصت الى الموسيقى

أنصت أنا الى موسيقى غواياتك

و أنش النشاز عن عزلتي

و محنيا مثل وعد

أنحني على الذكريات

لأنفض ما تراكم عليها من غبار

وفي الغرفة التي لا يفتح بابها لي

ثمة هديل مسروق من سرو

و نقيق موروث عن مستنقع

و وتر مقطوع

” الانصات ” للذات والآخر ، وما يشكله من رغبة مشاكسة في لملمة البعثرة الداخلية ، لأنها تحولات مقترنة بالصمت والهدوء والتأمل في ” العزلة ” التي تكون لنا احياناً حاضنة للخلاص من اشكاليات الضغط النفسي المتوالد مما قد يقع علينا من مثقلات لا حصر لها ، والغوايات هنا ما هي الا مجرد ذكريات قابعة في دهلزة العقل الباطني للانسان ، حراكها لحظات مسروقة من واقع … فالشاعر الراوي استطاع ان يضعنا في ثلاثية متجانسة الرؤى ( جدار – ينصت – الموسيقى ) تقابلها ( أنا – أنصت – موسيقى غواياتك ) كي يوحي الى القارئ الى انه في عزلة تامّة ومفرّغة مما قد يعكر صفو مزاجه الذي يحاول من خلاله ان يسوق الينا ، ان في العزلة امكانية الغوص في عالم المثالية الذكورية ، والصفاء الذهني والتسامي عن منغصات الحياة .. (و أنش النشاز عن عزلتي / لأنفض ما تراكم عليها من غبار ) فطغيان الذات الذكورية هنا واضحة في قول الشاعر (أنصت أنا / أنش / عزلتي / و محنيا / أنحني / لأنفض / لي ) وهو أمر لا شك فيه ، كونه خطاب الذات الموجبة / الذكورية ، التي لا يمكننا ان نتملصّ منه .

-2-

تأكد لي هذا الصباح

أنك لم تقرئي خرائط نومك جيدا

ولم تلتفي على الجدار الذي كنته

و لم تتلفتي باتجاه الينابيع

كان الحرير ذابلا

و الوسادة لما تزل

تدعك عين أحلامها

و تلعن الخواء المدهون بطمم الخوخ

الذات الذكورية .. لا يمكنها ان تحافظ على كينونتها ، وتوازنها التكاملي إلا بالذات الاخرى المستترة فينا ، ففي هذا المقطع اشارات ايحائية ، ورغبة صامتة في دعوة الآخر الى الاحساس والاستجابة الملحّة ، وعلى الرغم من يافطة الهدوء النفسي التي تترآى لنا ، إلا ان هناك حمولات متناوبة غير مستقرة لذات ثائرة ، ( أنك لم تقرأي خرائط نومك جيدا / ولم تلتفي على الجدار الذي كنته / و لم تتلفتي باتجاه الينابيع ) فأيّ خطابية هذه التي تجعل الشاعر ” الراوي ” يجيد المراوغة في جذب الاخر اليه ، وهو يبرع في اسقاط اضاءات متتالية مكثّفة في الكشف والتنقيب في زوايا خبايانا ، انها لوحة متناغمة الالوان ، وهي تعجّ بتلك الارساليات ، وأيّ انوثة هي التي لا يمكنها إلا ان تكون ” عين احلام ” الراوي ، الذي يحاول بما اوتي من امكانية وبراعة اسلوبية ان يأسرها ويحيطها بهالة من الجمالية التي تليق بمنزلتها وكينونتها من خلال القاء شباكه ومغرياته ( كان الحرير ذابلا / و الوسادة لما تزل( لأنه شاعرٌ صيادٌ محظوظ ٌ بصيده .

-3-

ما الذي يوجل المسرة ليلة بعد ليال

و لا يأذن لشرفة عانس أن تستضيف نعاساً ماجنا

أو تستعين بذكرى زجاجة نبيذ

ما الذي يؤجلنا

لنظل عالقين كالرموز

و معلقين كالأوراق

بدبابيس النسيان

وما الذي يضحكك

فتبرق الرغبات المكبوتة فيك

وعلى غفلة منك

في كوة جدار قديم …..

انها محاولات سؤالاتية متكرّرة يطرقها الشاعر ” الراوي ” في مقطعه الاخير : (ما الذي يوجل المسرة ليلة بعد ليال / ما الذي يؤجلنا / وما الذي يضحكك ) دلالة منه عن الكشف المعلن سلفاً عما يجول في خاطره ، ويقضّ مضجعه ، سوى الافراط في الدعوة المصرّح بها ، والتي حملته على اطلاقها دون الالتفات لعواقبها ، لأنها غويات متخمة بأنفاس لا يمكن السيطرة عليها ، او لجمها ، او التغافل عنها كونها رغبات قد تكون متبادلة ما بين الطرفين ، عنــــــــــدئذ / تلغى الفروقات التي نحن نطلقها – أحياناً – لتصبح الصورة في جسد واحد ، ورمق واحد ، ونَفَس واحد ، (فتبرق الرغبات المكبوتــــــــــــة فيك / وعلى غفلة منك / في كوة جدار قديم ) هذا هو ( حامد الراوي ) الذي ارى فيه قول شكسبير: ( المرأة ترى أعمق ، بينما يرى الرجل أبعد) رجل ينظر من ثقب صغير جداً الى ما يغيب عنها ، وهو يخاطب في ذاته الظمأى .. هامساً للآخر / الانثى ، ان تلمّ شتاته ، وتخرجه من ضياع في عزلة ممقوتة ، هو لا ينظر إلا في ذات تستقبل مرسلاته / وتلبي طموحاته الغلوائية / لأنها من المكملات الحياتية ، لا يمكننا / ان نبعدها أو نغضّ الطرف عنها ، فهي : الانثى نتاج / الذكر الذي لا يؤجل ” غواياته ” ليؤرشفها للزمن ضمن جدولة يرى انّها ” ارشيف غويات ” ليس إلا .