تأملات في كتاب صور المثقف لإدوارد سعيد

تأملات في كتاب صور المثقف لإدوارد سعيد
اتهامات ضد ضمير المتكلم
عدلان جمعة
نّ إحساس ادوارد سعيد بالظلم الذي يسلّطه الآخر على الذّات، بالهيمنة الغربية وبقسوة الاستعمار الاستيطاني لليهود على أرض فلسطين هو الذي حمله على التّركيز على علاقة المثقف بالسلطة وبمؤسسات الإعلام و بالأجهزة المؤثرة على آرائه لأنّ تحرّره من شبكة السّلط آنفة الذكر يساهم بقدر هامّ في تعديل الأوضاع. فالتحرّر من وطأة المؤسسات الإعلامية التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع أرباب السلطة وصانعي القرار الاقتصادي والسياسي والقدرة على التعبير الحرّ الجريء عن مواقف موضوعية هما عاملان أساسيان في مشروع التحرر الفلسطيني والعربي الذي كان سعيد يتمنّاه ويناضل من أجله. ألم يقل سعيد في مقدمة الكتاب ففي كل يوم تتعمّق الهوّة في الغرب وفي العالم العربي على السواء بين الموسر والمعوز كاشفة لدى المثقفين في مراكز السلطة لا مبالاة متعالية تثير الاشمئزاز حقا 33؟ هذا الاشمئزاز من أداء المثقفين هو الدّافع النفسي للكتابة و الجدل. فالمثقف العربي فارس في الهجوم على الغرب وتحميله تبعات التدهور والتخلف لكنّه قاصر عن مواجهة الحكومات العربية ونقد سياساتها وتوجهاتها. فحسبه مهاجمة الشرطي الأبيض والاحتفال بخروجه من البلاد العربية أمّا الشرطي المحلّي والحكومة الناشئة فدونهما الخوف والجبن. وقد لاحظ سعيد ارتهان أداء المثقفين العرب في التعاطي مع قضيّة احتلال العراق للكويت بقوّة النّفوذ المالي للدول النفطية التي أحدثت عملية إعادة انحياز مثيرة للمثقفين وبدأ القوميون العرب السّابقون يتغنّون بأمجاد المملكة العربية
السعودية والكويت، العدوّتين المكروهتين ماضيا الصديقتين والرّاعيتين الجديدتين حاضرا 34.
أمّا المثقف الغربي فلم يجد فيه الشعب الفلسطيني سندا كافيا رغم أنّه تعرض لأكبر مأساة يمكن أن تلحق بشعب من الشعوب وذلك راجع إلى استقالته وصمته عن جرائم الحكومات الغربية وعن دعمها لإسرائيل. وليس صمت المثقفين الغربيين إلاّ وليد ارتهانهم بالمؤسسات وولائهم للحكومات لذلك أسس سعيد للهواية بما هي شعور بالتحرر من قيود الحاجة يفضي إلى الوفاء للقيم الإنسانية العامة. يقول سعيد ولقد واجهت شخصيّا هذا الأمر في إحدى أعقد القضايا المعاصرة برمّتها وهي قضية فلسطين حيث أصاب الخوف من الجهر بالكلام عن أحد أفدح أعمال الظلم في التاريخ المعاصر الكثيرين ممّن يعرفون الحقيقة وممّن هم في وضع يتيح لهم خدمتها فقيّد أيديهم وغمّ أعينهم وكمّم أفواههم 35.
حقّ الحقيقة
هذا الشّاهد هو في اعتقادنا اختزال لأداء المثقفين المحترفين المأجورين فيما يتّصل بالقضية العادلة للفلسطينيين وهو أداء يستحقّ الإدانة لأنّ أصحابه آثروا راحة الذّات على نصرة حقّ الآخرين واستبدلوا سكينة الضّمائر براحة الأجساد والحال أنّ من حقّ الحقيقة أن يجهر بها و يمثّلها مثقّف شفوق عليها غير هيّاب منها 36.
هكذا ترتسم لنا صورة المثقف الهاوي المنشود في علاقتها بالمسألة الفلسطينية التي تحرّك في اعتقادنا الكاتب وتتحكّم في سيرته الثقافية وفي حكمه على الآخرين وهو المثقف الحرّ الذي تضيق به قيود الاختصاص فيحطّمها وتمارس عليه المؤسسات عنفها وإغراءها فيتمرّد ويعرض ويأبي الانقياد، يخرج عن المسلك العامّ فإذا هو الضّمير الرّقيب والشّاهد على الحقّ الضّائع، الذي لا يعرض شهادته للبيع. وهل يستعصي تمييز الحقّ الفلسطيني على مثقف هاو؟
II الفصل الثاني المثقف وشرك
الانتماء والهوية
1 ــ المثقف المتعصّب
إنّ أداء المثقف كما تراءى لنا في الفصل الأوّل رهين طبيعة العلاقة التي يقيمها مع شبكة من المؤسّسات. وعلى قدر تحرّر المثقف من هيمنة هذه السّلط يكون مقدار وفائه للحقّ
واحتفاظه بصفته التّمثيليّة. ولكنّ ادوارد سعيد يشير إلى قيد آخر يحدّ من حرية المثقف
ويتحكّم بقدر رئيسي في ضبط أحكامه وتوجيه مواقفه من القضايا المحليّة والإنسانيّة.
وهو قيد لا تراه العيون ولا يدركه الحسّ غير أنّه يغلّ المثقف ويلجم لسانه عن الصّدع بالحقّ وإدانة الظّلم والبغي. إنّه قيد الانتماء والهوية، قيد الثقافة واللغة والتقاليد. ففي حال ارتهان المثقف بالانتماء القومي أو العرقي تذوب ذاتيّته وتميع فرديّته فيغدو صوتا في جوقة من المقلّدين الذين يردّدون شعارات متوارثة ويكرّسون فكرة واحدة متداولة بغضّ النّظر عن صحّتها ودون إظهار لأدنى حسّ نقدي تجاهها.
إنّ ادوارد سعيد لا ينكر مسألة الانتماء ولكنّ الحقّ أولى بالولاء. فالجنسيّة التي يضحّي من أجلها المثقفون المعاصرون بمبادئ الحقّ والعدل الشاملة ليست سوى مفهوم زائف ابتدعه صانعو التاريخ السياسي وخلقته الأحداث الدولية فلا قداسة له ولا خلود أولى هذه الأفكار التي أريد مناقشتها هي الجنسية وتلك النبتة المنبثقة منها بفعل حرارة شديدة مصطنعة أي القومية 37.
و قد استدل ادوارد سعيد بنماذج الدول الغربية التي لا يمثل واقعها الديمغرافي المعاصر نفس واقعها زمن تشكّلها في القرنين التاسع عشر والعشرين. فالتّقسيم العرقي والجغرافي للعالم أنجزته دول تقودها حكومات تعبّر عن مصالح طبقات مخصوصة فهو تبعا لذلك ليس تقسيما مقدّسا تنسحق تحت جبروته أصوات الحقّ وتختنق بموجبه صيحات الاحتجاج في الصدور إذ ليست الجنسية كيانا فطريا أو كينونة وهبها الله وإنّما هي شيء مبنيّ ومنتج وحتّى مختلق في بعض الحالات له تاريخ من الصراعات والفتوحات 38. فانظر مثلا كيف حوّلت ظاهرة الهجرة التركيبة الديمغرافية للولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا. وانظر كيف رسمت حدود دولة الاتحاد السوفييتي زمن المدّ الشيوعي وكيف نشأت على أنقاضه دول جديدة إثر خسارته للحرب الباردة. وهذه الدول الناشئة شكّلت هويّتها السّياسيّة على قواعد أنكرها الاتّحاد السابق. إنّ مقولة الهويّة تبدو مقولة زائفة أو نسبيّة في ظلّ واقع سياسي وتاريخي أساسه التحوّل والتقلّب فثمّة دول تتشكّل وأخرى تضمحلّ وثمّة حركة هجرة أو تهجير وتواصل إعلامي لم تشهد البشرية له نظيرا في الفترات التاريخية السابقة.فهل يجوز تقسيم العالم إلى ماهيات مختلفة مثل الانكليز أو العرب أو الأمريكيين …؟ إنّ هذه الجغرافيا المتخيلة وهذا التقسيم العرقي أو القومي يجعلان من البشر مجموعة من الماهيات المتصارعة التي لا تتحدّد ملامح الواحدة منها إلا على أساس الاختلاف والتّضارب والقطيعة مع سائر الماهيات القومية أو العرقية الأخرى، فكأنّ العرب وفق هذه الرؤية يشكلون ماهية واحدة متجانسة راسخة عبر الزمن. فإذا ما عادت دولة غربيّة دولة عربيّة عادى مثقّفوها العرب جميعا بل قد يختزل العرب جميعا في تنظيم عربيّ واحد أو قل في شخص واحد. وليس هذا الاستنتاج من وحي الأحداث وردود الفعل الأمريكيّة التي أعقبت تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر لسنة 2001 بل أشار إليه ادوارد سعيد في سياق إدانته لهذا الوعي القومي الذي يرتوي من الصراع مع الآخر فأن تشعر مثلا أنّ الروس آتون أو أنّ الغزو الاقتصادي الياباني دهمنا أو أنّ الإسلام الجهادي زاحف نحونا لا يعني فقط بقاء الذعر الجماعي مستعرا و إنما يعني أيضا تعزيز هويتنا نحن و كأنّها محاصرة و معرّضة للخطر39.
ولعلّ الصّراع الذي احتدم بين المثقفين الأمريكيين والمثقفين اليابانيين إبّان الحرب العالمية الثانية خير شاهد على ارتهان المثقف المعاصر بالهوية القومية إلى درجة تحوله إلى مجرّد وكيل للسلطة السياسية.
وقد انتبه ادوارد سعيد إلى خطورة مؤسسة اللغة بما هي مؤسسة ثقافية على أداء المثقف.
فاللغة التي هي الأداة الأصلية للنشاط الفكري40 تمارس على المثقف سلطة ما بصيغها التعبيرية الجاهزة وبما تختزنه من طاقات فكرية ومن دلالات راسخة. إن المثقف وهو يستعمل لغته القومية يجد نفسه محاصرا بجهاز مفهومي راسخ وبطرائق للتعبير مألوفة. فاللغة إذن تحمي الوضع الراهن وتساهم في تكريس القيم التي تواضعت عليها الجماعة العرقية أو القومية41. خذ مثلا المثقف الأمريكي الذي يحلّل حدثا متّصلا بالولايات المتحدة الأمريكية. انه لا يجد حرجا في استعمال ضمير المتكلم الجمع نحن لإبداء وجهة نظر قد لا تحظى بإجماع كلّ الأمريكيين ذلك أنّ مؤسسة اللغة تتيح له هذا الاستعمال بما درجت عليه من قبول للصيغ الجماعية ولأنها بالأساس مؤسسة قومية. فلا غرابة إذن أن يستولي المثقفون المأجورون المتعصبون على ضمير الجماعة نحن لنقل أطوار الحرب الأمريكية على فيتنام أو العراق متى سنبدأ الحرب البرية؟ ولا غرابة أن يستعير الكتاب في الصحيفة الأمريكية النيويورك تايمز هذا الضمير ليختزلوا كل الأصوات في صوت واحد. إنّ هذا الاستعمال اللغوي يجعل من الحرب قرار أمة لا فعل زمرة من الساسة ومن أصحاب رؤوس المال ويجعل كلّ الأمريكيين منخرطين في الحرب حتّى وإن كانوا من معارضيها بل إنّ استعمال نحن التّعميمية يلغي كلّ الأصوات غير صوت المعركة. وبذلك تتّضح خطورة مؤسسة اللغة على أداء المثقف وخطورة التعصب القومي الذي يقع في إساره المثقفون فتنطمس هويتهم الفردية ويغدو الآخر لهم عدوا.
إنّ الحرب الأمريكية على فيتنام حرب جائرة من منظور المثقفين الأمريكيين المعاصرين لكنّ مجرّد الاعتراض عليها زمن اشتعالها كان يمثّل خيانة عظمى. وقد قاد التعصب القومي المثقفين في وسائل الإعلام الأمريكية زمن هذه الحرب إلى التّماهي مع خيارات الحكومة آنذاك حتى ذابت فرديتهم وفقدوا القدرة على التعبير الحرّ. فحجّة الولاء للمصلحة القومية لا تعلو عليها حجّة حتّى إن سفكت دماء الأبرياء واستبيحت أوطان الغرباء، كذلك كان شأن المثقفين الألمان في عهد النازية وكذلك كان شأن المثقفين اليابانيين الذين صنعوا إيديولوجيا الإمبراطور 42 في بداية القرن العشرين دفاعا عن هويتهم ثم غذّوا هذه النّعرة القومية فصارت عنوانا للتفوّق على بقية الأجناس فاستباحوا دماء الصينيين وأشعلوا فتيل حرب عالمية، ولمّا هزمت اليابان ارتدّ على إيديولوجيا الإمبراطور صانعوها.
صفوة القول إنّ الثقافة والهوية واللغة عناصر متحكّمة في أداء المثقف وفي نسبة وفائه للقيم الإنسانية العامّة، محدّدة لطبيعة رؤيته للذات وللآخر. فكلّما زاد تأثّر المثقف بها اتسع مجال الذات ليشمل كلّ من يشاركها بعض ملامحها وغامت صورة الآخر لكنّه يبقى غريبا مختلفا أو عدوّا لا سلامة للذّات منه إلاّ باستبعاده.
2 ــ المثقف المتحرّر من ضغط الانتماء
نظرا لخطورة هذا التأثير الثقافي وهذه النّعرة القومية على أداء المثقف43، جعل سعيد كتبه رسائل نقدية تنبه المثقفين في الشرق كما في الغرب على حد سواء إلى هذا الشّرك الذي يحدّ من حريّتهم و يقلّص من درجة صدقهم في التّعبير فبناء أوهام مثل شرق و غرب ناهيك من ماهيات عنصرية مثل الأعراق التّابعة والشّرقيّين والآريّين والزّنوج ومن شابههم هي الأمور التي حاولت كتبي محاربتها 44 وتشكّل هذه الإدانة إحدى الغايات الأساسيّة من كتاب الاستشراق إذ يقول سعيد وتلك بالطبع كانت واحدة من الرّسالات المضمرة في الإستشراق وفحواها أنّ أيّة محاولة قسريّة لفصل الثقافات والشعوب إلى أنسال وماهيات متميّزة لا تفضح حالات إساءة التّمثيل والتّزييف النّاجمة عن ذلك فحسب بل أيضا سبل التّفاهم المضمر مع السلطة بغرض إنتاج أشياء مثل الشرق و الغرب .45
فهل خضع كل المثقفين إلى إملاءات الهوية الثقافية خضوع العبيد؟
إنّ إدانة سعيد للمثقفين الواقعين في شرك الهويّة والانتماء لا تحجب إجلاله لبعض المثقفين الذين تحرّروا من هيمنة الثقافة والتّقليد ومن سطوة الهوية والجنسية وكانوا أوفياء لمبادئ الحق والعدل التي هي أولى بالوفاء. ويمكن أن نستحضر في هذا السّياق نماذج لمواقف موضوعية وقفها مثقفون غربيّون في مقامات تاريخية وسياسية يحتاج المرء فيها إلى جرأة كبرى ورباطة جأش إذ أنّ قول الحقّ فيها مغامرة. وهي نماذج استثناها جوليان بندا من تهمة الخيانة وجعلها كائنات متعالية على الدّنس الذي يلفّ هذا العالم هل من داع لأعيد إلى الأذهان كيف شجب فولتير تدمير البلاطيّين؟ وكيف شجب رينون أعمال نابليون العنيفة؟ وكيف شحب باكل تعصّب إنكلترا ضد الثورة الفرنسية؟ وكيف شجب نيتشه الأعمال الوحشية لألمانيا ضد فرنسا؟46.
هذه بعض النّماذج التي أثنى عليها جوليان بندا وأعجب بأدائها في دفاعه عن مبدأ التزام الكتّاب وهو الذي كان يجادل مثقفي عصره الذين آثروا الحياد وفصلوا بين الفن والحياة.
ونحن لا ننكر وجود مثقفين غربيّين معاصرين أثبتوا قدرة رهيبة على التحرّر من أوهام الجنسيّة والمصلحة القومية دفاعا عن رؤيتهم المخالفة لرؤى حكوماتهم. ففي منتصف القرن العشرين تميّز برتراند راسل وهو عالم وفيلسوف إنكليزي بنظرته الإنسانيّة ومواقفه الموضوعية و حسّه النّقدي. كان من دعاة السلام والإخاء الإنساني ولعلّ هذه الفقرة المنتخبة من كتابه كيف أتصور العالم 47 تنير لنا رؤيته الإنسانية وتعاليه عن كلّ الحدود التي ابتدعها البشر.
الآن صرتم تتمتّعون بفضل معارفكم وعلومكم بطاقات لا عهد للإنسان بها وأنتم أحرار في استعمالها إن لخير أو لشر. ستستعملونها استعمال الأخيار إذا تذكرتم الرّابطة الأسريّة التي توحّد كلّ البشر، إذا أدركتم أنّنا يمكننا أن نسعد جميعا أو يوحّدنا البؤس جميعا .48
شتّان ما بين هذا الخطاب الإنساني وبين خطاب المثقفين المتعصّبين لقوميّاتهم أمثال المثقف الفرنسي في القرن التاسع عشر أليكسيس دوتوكقيل الذي انتقد المعاملة الأمريكية السّيّئة للهنود والعبيد السّود لكنّه تعامل بشكل مختلف مع الاحتلال الفرنسي للجزائر لأنّ دماء المسلمين المراقة لا تثيره ومن أكثر المناورات الفكريّة كلّها خسّة التحدّث بعجرفة عن انتهاكات في مجتمع الغير وتبرير الممارسات ذاتها تماما في مجتمع المرء نفسه .49
AZP09