
الذكرى 65 لتأسيس العلاقات الدبلوماسية بين الصين والعراق
بلدان حضاريان عريقان يعزّزان جمال بعضهما البعض – تسوي وي
قال رسول الله محمد: “اُطلب العلم ولو في الصين”. تضرب العلاقات بين الصين والعراق، وبين الصين والدول العربية بجذورها في أعماق التاريخ، التي ترجع إلى طريق الحرير القديم قبل أكثر من 2000 سنة. يربط العراق أوروبا وشمال أفريقيا من الغرب وآسيا الوسطى من الشرق، وكان منذ فترة طويلة المركز السياسي والاقتصادي والثقافي للإمبراطورية العربية ولؤلؤة على طريق الحرير. في مسيرة التاريخ الطويلة، ظلت الصين والدول العربية في مقدمة الركب للتواصل الودي بين شعوب العالم في الأزمنة القديمة. وظل السلام والتعاون والانفتاح والتسامح والتعلم المتبادل والاستفادة المتبادلة والمنفعة المتبادلة والكسب المشترك عنوانا رئيسيا للتواصل الصيني العربي.
بدأ التواصل بين الأمتين الصينية والعربية قبل أكثر من 2000 سنة، حيث انطلق طريق الحرير البري من مدينة تشانغآن عاصمة أسرة هان الملكية، مرورا بآسيا الوسطى ومنطقة الرافدين، حتى امتد إلى سورية ومصر والمناطق الأخرى. أما طريق التوابل الذي تم شقه لاحقا، فانطلق من مدن قوانغتشو وتشوانتشو ويانغتشو وهانغتشو ومينغتشو (مدينة نينغبو اليوم) وإلخ، مرورا بمضيق الملقا ومضيق هرمز، حتى وصل إلى العراق وعُمان واليمن وسورية ومصر والمناطق الأخرى.
أصبح طريق الحرير البري وطريق التوابل البحري شريانين أساسيين للتواصل بين الحضارتين الشرقية والغربية، حيث انتقلت صناعة الورق والبرود والطباعة والبوصلة من الصين إلى العالم العربي، ومن خلاله إلى أوروبا، الأمر الذي عزز التطور والتقدم الثقافي والتكنولوجي في العالم العربي وأوروبا والمناطق الأخرى. كما انتقلت علوم الفلك والتقويم والطب والصيدلة والرياضيات من العالم العربي إلى الصين، الأمر الذي أثرى إنجازات الصين في هذه المجالات. كما نالت المباني والملابس والرسوم بالأسلوب العربي إعجاب الشعب الصيني.
طريق الحرير
شهدت أسرة تانغ فترة الازدهار لطريق الحرير، وهي أيضا فترة الازدهار في تاريخ التواصل الصيني العربي. كانت البضائع الصينية تدخل من ميناء البصرة مرورا على طول على طول نهر دجلة حتى تصل إلى بغداد. في المقابل، كانت عاصمة الصين آنذاك تشانغآن يقبل عليها التجار العرب. تم إرسال المبعوثين العرب إلى أسرة تانغ الملكية لـ40 مرة في الفترة ما بين عامي 651 و798م. وصف سليمان السيرافي، تاجر عربي زار الصين في أسرة تانغ الملكية، في كتابه تحت عنوان “رحلة السيرافي”، وصف الصين بأنها “أرض جميلة وجذابة”. وصل الرحال الصيني دوهوان في أسرة تانغ الملكية إلى دا شي (المنطقة العربية حاليا) وسجل المشاهد المزدهرة فيها واصفا بأن “أراضيها تنتج كافة الأنواع من المحتاجات”. في أسرة سونغ الملكية، ازداد عدد التجار العرب في الصين، وهم مكثوا في فانفانغ (مجمعات سكنية مخصصة للأجانب) في قنوانغتشو وغيرها من المدن الساحلية في جنوب شرقي الصين. في أسرة يوان الملكية، وصل الملاح الصيني وانغ دايوان إلى مصر والسعودية وغيرهما من الدول العربية في الوقت الحالي، ووصل إلى مكة المكرمة. في أسرة مينغ الملكية، سافر الملاح المسلم تشنغ خه إلى “البحار الغربية” لعدة مرات، وزار في رحلاته عديدا من المناطق العربية. إن التواصل بين الجانبين على مدى أكثر من 2000 سنة عبر الزمان وعلى رغم البعد الجغرافي، زاد من التعارف والثقة المتبادلة بين الشعب الصيني والشعوب العربية، وعزز تدفق السلع والتواصل الحضاري بين طرفي قارة آسيا، وقدم مساهمة مهمة في التطور والتقدم للبشرية، مما سجل فصلا رائعا في تاريخ التواصل الحضاري العالمي. منذ تأسيس العلاقات الدبلوماسية بين الصين والعراق في عام 1958، يتقدم التواصل الثقافي والإنساني بينهما باطراد. في عام 2015، أقيمت علاقات الشراكة الاستراتيجية بينهما، مما سجل صفحة جديدة للصداقة الصينية العراقية، وأحرز التواصل الثقافي والإنساني بينهما ثمار جديدة باستمرار، حيث توفر الصين 40 مقعدا من الزمالة الحكومية للعراق كل سنة، ويسافر دفعات متتالية من الطلبة العراقيين المتفوقين إلى الصين لإكمال دراستهم. كما تتكثف التبادلات بين الشخصيات الحكومية والحزبية والإعلامية الصينية والعراقية. في بداية هذا العام، افتتح أول مركز تعليم واختبار اللغة الصينية في بغداد، وأجري أول اختبار كفاءة للغة الصينية HSK بنجاح.
في يوم 15 مارس هذا العام، ألقى الرئيس الصيني شي جينبينغ كلمة رئيسية تحت عنوان “نتكاتف على الطريق نحو التحديث” خلال حضوره الاجتماع الرفيع المستوى لحوار الحزب الشيوعي الصيني مع الأحزاب السياسية العالمية، ويطرح مبادرة الحضارة العالمية. أشار الرئيس شي جينبينغ إلى أنه في يومنا هذا الذي يرتبط فيه مستقبل ومصير جميع الدول ارتباطا وثيقا، يلعب التسامح والتعايش والتواصل والاستفادة المتبادلة بين مختلف الحضارات دورا لا غنى عنه في دفع عملية التحديث للمجتمع البشري وازدهار حديقة الحضارات العالمية. علينا أن ندعو سويا إلى احترام تنوع الحضارات في العالم، وإذكاء القيم المشتركة للبشرية، والاهتمام بتوارث الحضارات وإبداعها، وتعزيز التواصل والتعاون الدوليين في المجال الإنساني والثقافي. إن الصين مستعدة للعمل مع المجتمع الدولي على فتح آفاق جديدة للتواصل الإنساني والثقافي والتفاهم الثقافي وتقارب قلوب الشعوب بين مختلف الدول، بما يجعل حديقة الحضارات العالمية أكثر ازدهارا وحيوية.
حضارة عريقة
إن الصين والعراق، كلاهما من البلدان ذات الحضارة العريقة يعززان جمال بعضهما البعض في تاريخ التواصل الودي بينهما الذي يمتد لـ2000 سنة. في المسيرة الجديدة، يحرص الجانب الصيني على العمل مع العراق على تطبيق مبادرة الحضارة العالمية، وتعزيز التواصل والاستفادة المتبادلة بين الحضارات، وإذكاء القيم المشتركة للبشرية. إن الاستفادة المتبادلة بين التحديث الصيني النمط بصفته شكلا جديدا من الحضارات البشرية وبين الحضارات العالمية الأخرى ستجعل حديقة الحضارات العالمية أكثر ازدهارا بكل تأكيد. إن تكاتف الصين مع العالم على الطريق نحو التحديث في العصر الجديد سيقدم مساهمات جديدة أكبر لتعزيز السلام والتنمية للبشرية وتدعيم إقامة مجتمع المستقبل المشترك للبشرية بكل تأكيد.
{ سفير جمهورية الصين الشعبية لدى العراق



















