أمثلة من السائرين وراء الوميض
بلاغة الإضمار وفن الحذف والبياض – اضواء – رحيمة بلقاس
إن كان أسلوب الحكي في المرويات التراثية كما عرفناه يعتمد تقنية الاستطراد والتفصيل والإضافات، فإن القصة القصيرة والقصة الومضة تنبني على التكثيف والايحاء وبلاغة الإضمار وفن الحذف والبياض والدهشة والقفلة المباغتة، مما يجعل منها رصاصة بسرعة السهم، وبهذا تشكل اللغة الوعاء المادي الذي تنبني فيها لبناتها لتخرج اللقطة المقتنصة بأبعادها وملامحها المكتملة إلى الوجود الواقعي، مستثمرة الجرأة والقدرة على استغلال أسلوب السخرية والتخييل والتضاد لانتقاد الواقع.
وهذا الجنس الأدبي القصة القصيرة جدا والوميض هو نتيجة حياتنا المعاصرة التي تتسم بالسرعة والنفس القصير. ومن هنا فهذا النوع يتجه نحو العمق وليس نحو التمطيط، إذ يحتفي بالبياض والإيحاء، ويراهن على مساحة التأويل والدلالات التي قد تتعدد حسب المتلقي ومزاجية المكان والزمان، ليصبح الترميز وسيلة يحقق شحنة الاستمتاع بالتخييل وفسح المجال للتحليق في فضاء تمردي يساير مستجدات الآنية ويبعث في الذائقة حياة تناغي زمن تكنولوجيا المعلومات. زمن الغزو السمعي البصري وشبه القطيعة مع الكتاب والورقيات. هذا الشكل من التكثيف والتحول النصي الذي استطاع بواسطته القاص من خلاله تطوير ذاته ليتحدى القولبات التقليدية منطلقا في العطاء والاستمرار ومواكبة التغيرات وثقافة الصورة التي أصبحت سائدة، فلأن القصة تعيش عصرها وحاضرها أيضا كم كل فنون التعبير من رسم وسينما ومسرح وشعر، أَوَ ليس القص صورة تعكس واقعا؟ أوَ ليست جسدا مشكلا بتقنيات فنية تبعث فيه روحا ليحتل فيه البعد الجمالي والفني مكانه، ويحتل بدوره مكانته في الفكر المعاصر المتحول في صيرورته الثقافية المتطورة باستمرار؟ أوَ ليس العصر عصر العولمة وعصر الانفتاح والتلاقح بين الحضارات العالميةّ؟ بحيث لا ضير أن نتحدث عن أجناس جديدة تفرض نفسها علينا، ليبرز في مجال القصة القصيرة جدا والوميض، في الساحة العربية على العموم والساحة المغربية على الخصوص أقلام لها باعها الطويل وتجربتها الباذخة، نذكر من بينها (محمد العتروس، عزالدين الماعزي، إسماعيل البويحياوي، مصطفى لغتيري، السعدية باحدة، نعيمة القضيوي الإدريسي، جمال الدين الخضيري، عبد الحميد الغرباوي، محمد محقق، محمد زفزاف…)
ولكوكبة الرواد انضافت لائحة من عشاق هذا الجنس الذي استهواهم ركوب موجه، بحيث نجد أقلاما كثيرة كانت تبدع في الشعر والقصيد ولكن القصة القصيرة جدا والوميض أخذهم فبرعوا في هذا المضمار، فالقصة القصيرة جدا تقترب للغة الشعر في أجوائه التعبيرية وفي الترميز والايحاء وفي التكثيف والصور والمجازات، وربما لهذا السبب نجد كثيرا من الشعراء يتألقون فيها ويتميزون، ومن الشواعر التي أخذتها الومضة والقصة القصيرة جدا الشاعرة احسان السباعي، وقد أصدرت أول مجموعة لها في هذا الجنس تحت عنوان “هوية مغتصبة” كان لي شرف مصافحته بإهداء منها، وأنا أطالعه طالعتني صورة الغلاف وغرابة العنوان، فتمتمني سؤال: ما علاقة العنوان بالكتاب؟ وأنا المتتبعة لما تكتبه صديقتي وعلى دراية بمواضيعها التي كثيرا ما تكون حول المرأة ومعاناتها وحول مواضيع اجتماعية تخص هذا المجال، وسؤال ثان: ما علاقة العنوان بالغلاف؟ هذه الصورة التي تقشعر لها الأبدان، ومن هنا شدني هذا الكتاب وجلست في خلوة أسائله.
منذ عتبة العنوان نلمس غرابة المفارقة، بين الهوية والاغتصاب، وبين تكاملهما وما ينتظرنا في مضمون الكتاب “هوية مغتصبة”
فإذا كانت الهوية هي نسب الانسان وجذوره، أصوله وانتماءه، فالاغتصاب هو فقدان الشيء بالقوة، ورغما عن أنف الانسان. هذه العلاقة تثير فضولنا لنبحث عن مصدر العنوان وعن الصلة العلائقية بصورة الغلاف من جهة، ومن جهة أخرى بما يحتويه من فحوى هذا الكتاب.
منذ الوهلة الأولى وملامح الانفصام تتقافز إلينا، تنافر بين الهوية والاغتصاب، مفارقة تجاذب طرفين نقيضين، موجب وسالب، هوية وتشبت بالانتماء، واغتصاب وانتزاعها، ليبقى الفرد متشرذما تتقاذفه قوتين، سلبية وإيجابية، كيف سيحافظ على هويته؟ وهو المطرود منها تحت وطأة القهر والبحث عن مصدر عيش يحفظ كرامته وماء وجهه؟ وكيف يمكنه الهروب من العطالة من الجوع، من الفاقة والحاجة، ليسقط في بطن المجهول تدحرجه الأمواج والعدم بين الأخذ والرد، ورايات السواد تلوح من الضفتين، وهو يقبض بخيط دخان يصارع جحافل المستحيل في الحالتين معا، سواء في هذه الضفة أو في الأخرى، لا شيء ينتظره سوى القلق والوجع، وهو المتشبت بالحياة، يلهث خلف النجاة، قد تستمر اللعبة هنا أو هناك، وقد ينتهي طعاما للأسماك. العنوان ينسجم ولوحة الغلاف.
ويستمر بنا الفضول لنغوص في البحث بين دفتي المجموعة، وملامح الانفصام لا تفارقنا، هذه الأضمومة تقدم شخوصها في حالة وجدانية مضطربة، تعري المكبوت عندهم، ليكشف عن زيف الأحداث وعن مدى الانفعال العصابي الذي تخبؤه نفسيتهم بطلاء الألوان وروتوشات يقدمون بها وجوههم لتناسب وتواكب أخلاقيات المجتمع والواقع المعاش، ومراعاة المحيط، مقيدين بالعادات والتقاليد، في نص انفصام(ص10)
تتوسط القاعة
تتمرد عليه
تهجوه
تقصفه بسهام الكلم الجارح
تلعنه…
تتحدى الجمع…
نصفق لها…
في هزيع الليل تطوي وريقاتها في حضن أغصانه تبتسم براعم الفجر.
ذات االبطلة في قمة الثورة والتمرد ضد الأخر بكل ما تملكه من هجاء وشتم وسب وقذف ولعن، لكن مجرد حالة وهي تتوسط القاعة لتلقي خطابها ويصفق لها المتلقي، فتكتفي بنشوة التجاوب مع كلماتها، إذ سرعان ما تعود لحالتها الطبيعية وقد شفيت تماما من شخصيتها الثانية، فتنام في حضن الأخر راضية بواقعها بل سعيدة به.
وفي نص زوج الست(ص 17)
وقف أمام المرآة
أطل وجه زوجته، بسروال “الجينز” وشعرها القصير.
تسابق الزمن، تغتسل بعرق جبين
تمتشق حقيبة التعب…
زم شفتيه، لونهما بأحمر الشفاه.
فكأن واقع العطالة دفع البطل بقبول تبادل الأدوار والآخر، الزوجة متشبهة بالرجال، في سروال جينز وشعر قصير، ممتشقة حقيبها لتغادر البيت طول النهار، تكد من أجل توفير لقمة العيش، بينما الرجل يقبع في المنزل، طبعا من أجل رعايته والاهتمام به، ما دامت الزوجة لا يمكنها التواجد لظرفهما القاهر، هذه الوضعية طبعا أحدثت انفصاما لدى البطل وقد أشارت الكاتبة لذلك ب ” زم شفتيه، لونهما بأحمر الشفاه”.
وفي نص(انتقام ص 25)
أدركت أنه ميت، حفرت له قبرا في الذاكرة حتى لا ينهشه النسيان المسعور.
كفنته بجرحها الغائر.
فتحت بابا وعانقت الحياة.
نص مفتوح على عدة تأويلات التخييل على مصراعيه يحلق بأفكارنا لنقلب الكلمات ومعانيها في كل اتجاه، قد تكون البطلة هنا وبعد أن سئمت تعنيف الآخر واللامبالاته، وجراحه، وقد أدركت أخيرا أن الرحيل قد حان، وأن موته قد اقترب، “تغدت به قبل أن يتعشى بها” كما نقول، فأقبرته نسيان ليس كأي نسيان “إنه النسيان المسعور” وحسب رأيي هو نسيانه لكن الاحتفاظ بما عانته منه، لكي لا يرأف قلبها ويرق فتتراجع عن فكرة الانتقام. وبهذا فتحت أبواب الحياة فعانقتها لتعيشها وكما يحلو لها بعيدا عن المعاناة.
لكن البطلة ضمنيا لا تزال تحت وطأته ولا تزال تحاول التخلص منه فجرحه لا يزال غائرا بها، ومنه نسجت كفنه لتنساه. قد تنساه وقد تبقى في حالة الاضطراب والانفصام.
وفي نص مغامر(ص39)
سجنه فقر الواقع
حفر نفقا
يبني قضبانا لرغد العيش.
هذا النص من أجمل ما قرأت للكاتبة في هذه الأضمومة، البطل يفرض عليه الفقر والفاقة اكتساح المجهول وكل ممنوع، يغامر من أجل تغيير واقعه ولو كلفه ذلك ببناء سجن له من أجل توفير رغد العيش وتحقيق أحلامه، السجن ترميز للتفاني في العمل والبحث عن الطرق بشتى الوسائل مستندا على عكازة “الغاية تبرر الوسيلة” قد يدخل في المحظور والممنوع، ولكنه قرر المغامرة بكل شيء من أجل هدفه “رغد العيش” أليست هذه قمة انفصام، وحالة مرضية تستحق العلاج، نشكر قلم المبدعة أنه يثير مواضيع مجتمعية مربكة.
فإن كان الكاتب يمارس الترميز والإيحاء، فالقارئ يمارس التأويل، وبهذا فعليه أن يمتلك اللغة بمستوييها الوضعي والانزياحي، كي يفهم ما خفي وراء تلك الأشارات والرموز.
نص وجوه مستعارة (ص5)
سقطت في جب إهماله، استنجدت بدلو مستعار، أغرق حاستها السابعة في موقع استثنائي.
اشتغلت في هذه الومضة على خطاب الترميز، هذا الأسلوب يجعل المعنى يتراوح بين تاويلين أو أكثر، فالرمز يأخذ مقام معنى آخر بالايحاء وليس بالتطابق، ليغدو المضمون مجازيا مفتوحا على التخييل والتأويل المشرعة أبوابهما أمام المتلقي.
استعملت الكاتبة كلمة “جبّ” لتوحي إلينا إلى فداحة هذا الإهمال التعسفي من الآخر، وهنا نشير إلى التناص مع قصة يوسف عليه السلام، فتحيلنا لننظر للآخر من زاوية الغدر والخذلان، لكن إن كانت نجاة يوسف بدلو عابري السبيل وبقدرة إلهية، فالبطلة هنا تنجو بدلو مستعار، هنا تلميح أن البئر الذي سقطت فيه ليس حقيقيا ولكم مجازي، وأن الدلو أيضا هو يشير لمعنى مجازي، وتكون نجاتها لا كما يوسف على يد آخرين، بل على يدها وبيدها تهرب إلى عالم افتراضي تبحث عن الاهتمام بوجه مستعار.
وتنحو بنا هذه الأضمومة إلى جوانب أخرى كشعرية القصة القصيرة جدا، فلا غرابة ونحن نعلم أن كاتبتها شاعرة، فتوقعنا في شبكة سلطة التجنيس، والانتماء الأدبي لبعض نصوصها، يتداخل على القارئ تصنيفه، هذا يحملنا للارتباك بتداخل الأنواع، ونخرج منه بدهشة تقنيات التوطيف لمؤهلاتها الإبداعية، وآليات التعبير الشعري، موظفة التكثيف وبلاغة الإضمار والبياض والحذف.
ونلمس هذه الشاعرية الرقيقة في نص الياسمين (ص16)
حــــــزن الياسمين حــــين اجتزت الأيدي العابثة رقاب الفلّ.
جفّ ماء العيون.
ذبُلت أشجار الزيزفون.
مرت عليها نسور كاسرة، حملقت في عصافير تواصل بناء أعشاشها.
رصاصة طائشة أشعلت النار.
لبست الأرض ثوب الرماد.
كما نلمس اللعب على لغة الحذف والبياض في نص ذو نفوذ (35)
على رأسه نظارات.
عيونه زائغة
تراقب…
تغمز…
ترمش…
تطلق الرصاص
يسقط العصفور على بطنه
يرمي جلبابه
في جعبته كيس حب و…و…و…
يأمر لا مجال للانقلاب
الأمر الذي يجعل هذه المجموعة تفسح المجال للبعد القصصي في الحكي والسرد بتوظيف عدة أشكال من التقنيات والآليات، لتصب في بؤرة الجمال والتشويق يشد القارئ إليه.
تحياتي للكاتبة احسان السباعي وعلى إصدارها هذا، فهو إضافة نوعية للساحة الأدبية، وأقول أن هذه ليست إلا قراءة عاشقة، لأن دراســـــتها قد تستلزم كتابا، وقد لا يكتمل في تطرقه لكل جوانبها.
كل التقدير لمن له طــــــول النفس ليقرأ محاولتي هذه، وتحياتي.
























