بعيدا عن التزويق والمكياج اللغوي: حطّاب يُعلي مكانته في الشعر العربي المعاصر

قاسم مشكور
.
يصيبني الذهول، وأشعر بالدوار كلما تذكرت شاعرية الكبير جواد الحطاب، وهذ الدوار الذي يحوطني ليس للفتى البصري الوسيم أيّ ذنب فيه، بل السبب هو انا، فحيرتي التي تعن عليّ سببها انني أعجز –غالباَ- عن تجنيس الحطاب، وفي ظني أنّ ما من باب من أبواب الأدب قادر او بوسعه ان يحتوي كل الطاقات المتفجرة في داخل هذا الشاعر، وفي خضم هذا التيه الذي أعيشه تبرز أمامي صور نصوصه الشعرية التي اطل بها علينا عبر ديوانه المائز(سلاما أيها الفقراء) الصادر في العام ١٩٧٨م، ولي مع هذا الديوان حكاية عجيبة ، فقد قرأت كل قصائده ولم أجد نصا شعريا واحدا يشتق فيه ، الحطاب، شيئاَ من خارج ذاته، وكأني به إتخذ قراراَ باستثمار عالمه مع الفقراء، فوظفه- للآخر- في الكتابة الشعرية، ليقدم لنا ذاته مجردة وخالية من كل تزويق أو مكياج لغوي.
.
الحطاب في نصوصه هذه لا يتظاهر بعذاباته، ولا يتاجر بأنه رأى من الحياة ما لا يسر، بل هو يعرض ذاته خالية من الأوهام، والوساوس، والابتزاز، في لحظات صدق نادرة.

فهو شاعر جعل من خرابه وفاقته صوراَ آخاذة ساقها إلينا دونما نزق ولا تبجح، فجاءت مستملحة لذيذة ممزوجة ببعض جنونه، زاذلك فإن قصائده على كثرة ما تحمل من مميزات فنية إلاّ أنّ خلوها من العقلانية جعلته يغرف من المه ليعوض ما فاته من لذائذ العيش.

قد تبدو كتابات الحطاب أحيانا ملغزة وتحيط بها الطلاسم، لكننا ما انْ نفتح بوابة نصوصه وندخل الى التفاصيل سرعان ما نكتشف كم كنا نفتري عليه، ونقف بجانب العراقيل التي واجهتها قصائده، وكم بخلت عليه بالحد الأدنى من طموحات النص..
كل هذا وهو ساكن، ولا ينتصف منا لنفسه مع علمه اننا نراه مصفحاَ عن اقتناص ما يحصن به نفسه حماية له من عدواننا ضده ؟!!
.
باعتقادي ان تفرّد الحطاب يكمن في انه قادر، وفي أي لحظة، على أنْ يرتقي بك الى ما هو مدهش، فيحملك معه في سماوات نصوصه الساحرة الى مناطق بكر غير مألوفة، ولعلّ في كتابه المائز (يوميات فندق ابن الهيثم) ستكتشف في كل صفحة منه ما يخصك أكثر مما يخص الكاتب نفسه، وهذه لعمري هي القدرة على صناعة العوالم السحرية التي تمدنا بنزواتها، وتجعلنا قادرين على مقارعة عبث الحياة الشائكة بإصرار جديد.

مرّة كتبت عن الحطاب، ثم تهاتفنا لتبادل حديث لا يخلو من التفصيل، لأكتشف بعد انتهاء مكالمتي معه أنّ كتابتي عنه لا تبدو كافياة للاحاطة بالعديد من الجوانب الإنسانية الطافحة فيه.
أعني أنّ رغبة داخلية استعرت في نفسي تشبه سعير الجمرة التي تتلظى في اوارها جعلتني أضيف كتابة آخرى، ولو بمحض رغبة موضوعية تستدعي هذا الأمر الذي أراه ملحاَ..
فالكتابة عن المبدعين – الإستثنائيين- تشبه الدخول إلى حلبة صراع يتبادل فيها المتصارعان مزيداَ من الضربات قبل أنْ يظفر أحدهما بالفوز الممهور بالتصفيق..
هكذا أرى الرغبة في الكتابة عن الحطاب هي الأخرى تقبل، وتستميت لاخذ دوري في العلاج الذي استجير به لمواجهة ركاكة الحياة، لا تلك الحياة التي عشتها في الماضي فقط، ولكنها التي حُكم علينا أنْ نعيشها الآن.



أظن أنّ الأمر سيبدو طبيعياَ لدى القارئ إذا ما قمت بتنظيف عدسات الرؤية في باطنية روحي إزاء الشاعر الفذ جواد الحطاب، وأنا في هذا لا أمِنّ عليه، بل استعيد بانسيابية عالية من الخيال الجامح من فطرية ذكرياتي مع الفقر، لا لتفخيخ ذائقة المتلقي او مفاجأته ولو بعرضية تامة، من أيام القحط والجوع، مع إنّي ليس لي رغبة في إقلاق القارئ وتعريضه لقسرية اجترار الماضي، رغم أنّ هذه السرديات التي تقوم على الانثيال اللامركزي تستهويني، بيد أني أريد من خلالها أنّ أقول : إن الحطاب الشاعر، هو ذاته الحطاب الإنسان، في تطابق لافت حتى لنكاد نعيا في الحصول عمّا يفرقهما او فيما يهادن فيه الواحد عن الآخر.
.
لا فرق بين أنْ تقرأ له نصاَ شعرياَ، وبين أنْ تجلس أمامه لتحاوره، ففي الحالتين تحصل على معالجات تطهيرية عبر صرخات مكتوبة، واخرى مسموعة لفقراء مسحوقين ضاعت أمنياتهم المنسية تحت أقدام المتجبرين، صرخاته – إذن – لا تليق إلاّ بهم .. بالمحرومين الذين احتلّوا عوالمه، وشكّل منهم رغائب جامحة لإستعادة معنى الحياة المفقود..
فيه رغبة على مواجهة الموت بمزيد من الإيمان بالحياة، كيف لا، والموت لديه من صنف النسيان، لذا تراه دائما يلجأ إلى التخفي عنه بلعبة مشاكسة الحياة ذاتها، فهو مؤمن أنّ الموت لا يتآكل إلاّ بالاقبال على الحياة، هكذا كان يشير علينا دائماَ، ويقول: إنّ مشكلتنا الحقيقية مع الموت اننا نجهله على الرغم من اننا نعيش معه طوال عمرنا.
.
الحياة في منظور الحطاب لا تقدّم ولا تمنح نفسها للآخرين، بل أنّ ارادتنا في الانخراط بصفوفها هي التي تؤجل الموت، بل وتبعده عنا، فالحياة معركة يدخلها الإنسان يوم يولد، ثم يخرج منها مُحملاَ بغبارها، وهمومها، واحزانها، لكنها تستحق أن يقاتل الإنسان من أجلها ..
هذا ما قالته، وما تقوله لنا، نصوص الشاعر الفذ جواد الحطاب.