بتهوفن قضى حياته يبحث عن المرأة المثالية – عبد الكريم البليخ

بعد مرور مئتين وخمسين عاماً على ولادة الموسيقار المعجزة

بتهوفن قضى حياته يبحث عن المرأة المثالية – عبد الكريم البليخ

يحتفلُ العالم خلال أيام بمرور مئتين وخمسين عاماً على مولد لودفيج فان بيتهوفن Ludwig Van Beethoven الفنان العبقري الثائر الذي عشق الموسيقى وأحبَّ الطبيعة، وأسعَد العالم كلّه بموسيقاه الخالدة، وفَشل في أن يُسعد قلبه!.

كتبت أمه ماريا ماجدالينا Maria Magdalena  تصف يوم مولده في رسالة بعثت بها إلى شقيقتها، قالت: “زارني اليوم ضيف غريب وأنا راقدة في فراشي وبجواري طفلي الجديد لودفيج. كان الزائر عصفوراً أصفر اللون جميلاً، وكان يقف وراء زجاج النافذة التي غطتها الثلوج، وكان العصفور يغرّد ويطلق صفيراً طويلاً وكأنه ينقل لنا لحناً سماوياً!”.

ففي هذا اليوم من شهر ديسمبر/ كانون الأول عام 1770? ولعلّه اليوم السادس عشر، أو السابع عشر، لا أحد يدري على وجه التحديد، وفي مدينة بون الألمانية، تلك المدينة الصغيرة التي أصبحت اليوم عاصمة القسم الغربي من ألمانيا، وفي بيت صغير عند سفوح تلال سايبنجبرج  Siebengebirge كان هناك جمع كبير من الأقارب والأصدقاء ينتظر أخبار المولود الجديد في قلق شديد، فقد كان أطفال ماريا المسكينة يموتون بعد ولادتهم..

فنّان عظيم

لقد أنجبت لزوجها جوهان Johann? سبعة أبناء، مات منهم أربعة وعاش ثلاثة، وكان لودفيج هو ثاني أكبر أبناء ماريا الذين كتبت لهم الحياة.. وفي هذا البيت الصغير، عاشت أسرة بيتهوفن الريفية البسيطة التي تتألف من الأب والأم والأبناء الثلاثة، كارل ولودفيج وجوهان الصغير.. وفي وسط السهول الشاسعة والمراعي الخضراء التي تمتد على مرمى البصر، نشأ لودفيج، الذي أصبح فيما بعد أعظم فنان أنجبته ارض الراين، وكل أرض من الفولغا إلى الدانوب.

قال عنه الموسيقار العالمي هايدن Hyd aوكان لودفيج أحد تلاميذ الصغار في فيينا، مدينة الفن والموسيقى، قال: “بين مئات السيمفونيات التي كتبت، بما فيها تلك التي وضعتها أنا، لم أجد سيمفونية واحدة تستطيع أن تقف منافساً لأعمال لودفيج فان بيتهوفن وسيمفونياته التسع”.

هل كان السبب هو جمال اللحن؟ أم هو ذلك الغموض اللانهائي الذي يُحس به المرء عندما يستمع إلى موسيقى هذا العبقري الموهوب.. الغموض الذي يدفعنا باستمرار إلى محاولة سبر أغواره.

يقول هايدن: “إنّه هذا وذاك.. ثم هو أكثر من ذلك. فقد رفع بيتهوفن الموسيقى عن منصة الجمال التقليدي، تلك التي كانت ترقد عليها دهوراً طويلة، وحمل هذا العبقري ألحانه في قلبه وفي عقله وفي دمه، ثم راح يهزّها هزّاً، إلى أن نجح في أن يراها تصنع ما أراده لها أن تصنع.. فقد عبرت موسيقى بيتهوفن عن مشاكل الإنسان وآلامه، ورسمت صوراً جميلة للطبيعة التي عشقها هذا الفنان في صغره وعبرت أخيراً عن الأحاسيس والمشاعر التي اعتملت في صدره، كواحد من المئات من البشر الذين كانوا يحسون بمثل ما يحس به ولكنهم يعجزون عن التعبير عما يجيش في نفوسهم من انفعالات!.

وقالوا عنه: “لقد كان بيتهوفن، شكسبير الموسيقى، فكما قدم هذا الأديب العملاق للمسرح أعمالاً خلّدت عبر العصور، كذلك سمت ألحان بيتهوفن فوق كل الألحان التي وضعها الذين سبقوه، والذين جاءوا من بعده، هؤلاء الذين اتخذوا من موسيقاه علماً يزهون به ويفاخرون بانتمائهم إليه..”.

ذهب الموسيقار العالمي روبرت شومان Robert Schumann? “1810 ـــ 1856″ في أواخر أيام حياته، إلى طبيبه الخاص، يشكو العلّة التي ألمّت به، وكان شومان يبكي!! وسأله الطبيب” “ولكن لمَ البكاء.. إنّها وعكة بسيطة، ولن تلبث أن تزول!”.

فقال شومان: “ليس من أجل هذا كان بكائي، وإنما أبكي لأنني أشعر أنني لم أعد قادراً على الخروج في نزهتي المسائية مشياً على الأقدام!”.

وعاد الطبيب يسأل: “وأين كنت تذهب في نزهاتك هذه؟”.

وقال شومان في ألم: “إلى حيث يرقد بيتهوفن لأعيش مع روحه بضع لحظات!”.

ولم تكن أوجه الشبه بين شكسبير وبيتهوفن مقصورة على أعمالهما فحسب، بل كانت هناك صفات كثيرة أشترك فيها هذان العملاقان.. كان الرجلان يجمعان بين العديد من المتناقضات.. الشعور بالألم والسرور لأي سبب ولأقل سبب، الانطلاق في الحديث بلا توقف، والالتزام بالصمت والهدوء والرغبة في الابتعاد عن الناس لأيام طويلة.. وأخيراً تلك البساطة التي كانت تبدو في مظهرهما وحديثهما أحياناً، ثم ذلك العمق في التفكير والتعبير في أحيان أخرى، وبالرغم من أن الاثنين كانا يؤمنان بانتصار الحياة، إلّا أن بيتهوفن كان يرى دائماً أنَّ إرادة الإنسان هي التي تصنع الحياة. وقد صنع بيتهوفن حياته بتصميمه وعزمه وقوة إرادته.

ولنعد قليلاً إلى كتب التاريخ، نبحث فيها عن حياة هذا العبقري، إنها ليست قصة عادية، أنها قصة طفل موهوب، وشاب تعس، شاء القدر أن يحرمه نعمة السمع عندما بلغ قمة المجد، وقصة رجل عاش لفنه وأفنى نفسه!

عاش لودفيج الصغير حياة الريف، وعرف طريقة إلى المدرسة التي أرسله إليها والده ليتعلم، ولكنه عرف طريقاً آخر أحب إلى نفسه من طريق الدرس والتحصيل.. طريق الكنيسة الصغيرة التي يعمل فيها مرتلاً.. وكان جوهان والد الصبي، يحب الغناء ويتذوق الموسيقى، ولكنه كان رجلاً سكيراً أدمن الخمر، فلم يكن يهتم كثيراً بأبنائه!

حيرة  وضياع

وظن الأب في بادئ الأمر أن الابن يأتي إلى الكنيسة من أجل الصلاة، كما يفعل بقية الأطفال، إلى أن فوجئ بأبنه يوماً يقف بجوار عازف الارغن يتأمل أصابعه وهي تنتقل بين مفاتيحه، وقد شرد ذهنه، فلم يعد يشعر بشيء مما يدور حوله، حتى أنه لم يسمع صوت والده وهو ينهره ويطلب إليه أن يعود إلى البيت!

وتكررت زيارات لودفيج لعازف الارغن، إلى أن كانت إحدى الأمسيات عندما انتهت الصلاة، وخرج الناس عائدين إلى منازلهم، وفجأة صدحت موسيقى الارغن من جديد، ولكن بأنغام أخرى غريبة، غير تلك التي ألفها المصلون.

وعاد الأب مهرولاً، فإذا به يرى منظراً، جعل الدم يجمد في عروقه، وكان لودفيج الصغير يجلس إلى الارغن تحت ضوء الشموع، ويعزف مقطوعة من عنده.. من ابتكاره!

ووقف الأب يرقب أنامل ابنه الذي لم يكن قد تجاوز عامه الحادي عشر، وهي تتحرك في رقة ورشاقة، حتى إذا ما انتهى من عزفه، اقترب منه وضمّه إلى صدره، ثم تطلع إلى وجهه فوجده غارقاً في الدموع.

في هذا اليوم ولد بيتهوفن الموسيقار العظيم، فقد صمم لودفيج على أن يمضي في الطريق الطويل مهما كان الثمن، ومهما كانت التضحيات.. وقد كان من الممكن أن يتعهد الوالد ابنه، فيرعاه ويوجهه ويعطيه من علمه ما وسعه العطاء، إلا أن الأب كان مشغولاً عنه بخمره، يعب منها حتى يسكر وينام!.

وهكذا قضى الصبي الصغير ست سنوات أخرى من عمره، عاشها تائهاً حائراً وسط أسرته وفي بلدته الصغير بون.. وكان وقته فيها موزعاً بين مدرسته، وبين حبه لأمه التي تسهر على تربيته وراحته، وبين حبه للموسيقا وكل ما يمت لها بصلة.

كان لودفيج يخرج أحياناً من البيت يجوب سفوح التلال القريبة، ثم يقف وسطها ويعقد يديه وراء ظهره متأملاً الطبيعة من حوله، ولكن أحداً لم يكن يعرف ما يدور في رأس الصبي خلال تلك اللحظات التي يقضيها وحده مع الجبل والسماء والمراعي الخضراء الممتدة على مرمى البصر.

وكان لودفيج يعود بعد كل نزهة إلى داره، وفي رأسه صورة لهذا الجمال الذي ملأ به عينيه، واستحوذ على عقله وفكره، وهزَّ كيانه هزّاً، فيجلس أمام البيانو الصغير الذي اشترته له أمه عندما بلغ الرابعة من عمره، محاولاً أن يترجم عليه أحاسيسه فينجح أحياناً، ويفشل في أحيان كثيرة.. ولا يلبث أن تشتد به الثورة، وهو يشعر بعجزه، فيضرب مفاتيحه بقبضة يده، ثم يقفز من جلسته هائجاً ثائراً!

وتمضي الأيام، ويكبر الصبي، ويجئ عام 1787 لقد أصبح لودفيج شاباً في السابعة عشرة من عمره، وهو ما زال يعاني من حيرته. إنه لا يدري ماذا يفعل والى أي اتجاه يسير..وفجأة يحزم حقيبته الصغيرة، ويذهب الى أمه مودعاً.. لقد قرر أن يسافر إلى فيينا، ليقابل الموسيقار العالمي موزارت Mozart.

وتبكي الأم لفراق ابنها، وتتمنى له رحلة موفقة، ولكنه ما يكاد يبدأ رحلته الطويلة، حتى يبلغه نبأ مرض أمه، وهو بعد في منتصف الطريق لم يبلغ غايته، فيعود لودفيج مسرعاً، ويسهر الشاب بجوار فراشها، يرعاها ويقدم لها الدواء، ولكن القدر يغلبه، فتموت الأم، وتترك وفاتها في نفسه أثراً عميقاً.

وتمر خمس سنوات أخرى، قبل أن يعاود لودفيج الكرة، ويبدأ رحلته من جديد إلى عاصمة الموسيقى، ويصل إلى فيينا، ثم يلحق به شقيقاه بعد وفاة والدهم..

ويتخذ الشاب من مدينة الموسيقى مقاماً له ومقراً، فهو لم يبرحها أبداً إلا ليقوم برحلات قصيرة، كان لا يلبث أن يعود بعدها إلى ضفاف الدانوب، حيث عمل عازفاً على البيانو والكمان، واختير عضواً في فرقة العازفين في بلاد امبراطور النمسا.

ثم كان أن تحققت أعظم أمنياته عندما أصبح تلميذاً للموسيقار العالمي هايدن، قبل أن يفتتح بيتــــــهوفن مدرسته هو التي أصبح فيها معــــــلم الموسيقى الأول.

فقدان حاسة السمع

وتمضي الأيام، ويحتل بيتهوفن قلعة الموسيقى في فيينا، عقب ظهور سيمفونيته الأولى في عام 1800? ولم يكن قد بلغ عامه الثلاثين بعد. كان يشعر وقتها بقوة جارفة  عارمة تدفعه دفعاً إلى العمل والكتابة والتأليف… ولكن القدر لم يمهله لينعم بهذا المجد الذي بلغه.. فقد بدأت حاسة السمع عنده تضعف تدريجياً، وأزعجته هذه الظاهرة المخيفة، فبدأ يهرب من الناس، وينطوي على نفسه ويتجنب الاجتماعات العامة.. حتى إذا ما أحس أنه لم يعد قادراً على إخفاء حقيقة ما حل به، حمل آلامه وألحانه، وذهب ليعيش في تلك العزلة التي اختارها لنفسه في هليجنستاد Heiligenstadt? إحدى ضواحي فينا القريبة وكان يومها في الثانية والثلاثين من عمره.

كتب يصور بؤسه وشقاءه في وثيقة طويلة أسموها”العهد” Testament ..

“كان المستحيل علي أن اطلب إلى الناس أن يرفعوا صوتهم ويصرخوا لأسمع ما يقولون، لأنني رجل أصم ..كيف يمكن أن أعترف بفقدان هذه الحاسة، وهي التي كان يجب أن تتوفر بصورة لا تتوفر في أي إنسان عادي.. ما أعظم ألمي عندما كنت أرى الناس يطربون لسماع أنغام الموسيقى التي تصل إلى آذانهم، وأنا واقف بجوارهم لا أسمع سيئاً!

“أنني اقترب من هاوية  اليأس!”.

ولكن بيتهوفن لم يسقط في الهاوية التي رآها توشك أن تبتلع مواهبه.. فقد استطاع هذا العملاق أن تبتلع مواهبه.. فقد استطاع هذا العملاق أن يحول الهزيمة إلى نصر.. ففي الوقت الذي ظن فيه أنه قد انتهى، وضع سيمفونية الثانية الرائعة، وأثبت بيتهوفن أن صممه كان نعمة لا نقمة، لقد اكتشف الموسيقار العبقري أنه يؤلف موسيقاه بقلبه وعقله لا بإذنه.

وأصبح  بيتهوفن موضع احترام وحب كل الذين عرفوه والذين سمعوا موسيقاه دون أن يلقوه!

وأحاطت به المعجبات، إلّا أنّه لم يكن يهتم بالمرأة، فهي لم تستطع أن تغزو حياته إلّا في السنوات العشر الأخيرة من عمره، وربّما قبل ذلك، ولكنها كانت مجرد طيف جميل يلوح بخياله، ثم لا يلبث أن يختفي في ظلال اللحن الجديد الذي يملأ رأسه.

كان رأيه دائماً أنَّ الزواج وظيفة لا يصلح لها سوى الرجل الذي يعرفُ كيف ينظّم حياته بين عمله وبيته.. وقد كانت حياة بيتهوفن كلّها عمل ونغم.. وكان النشاز فيها هو أسلوبه في الحياة، وتصرفاته ومسلكه إزاء نفسه وإزاء الآخرين..

فقد كان غريباً أن تجتمع في هذا الفنان العظيم الذي أطرب العالم كله بفنّه، الكثير من الصفات التي ينفر منها الناس..

لم يكن يسمح لأحد بأن يقترب من غرفته التي اتخذ منها محراباً لفنّه، كان كل شيء في هذه الغرفة الصغيرة يصرخ ألماً من الفوضى الضاربة بين أرجائها، فألحانه المسجلة مبعثرة فوق فراشه وعلى المقاعد وفي كل مكان.. وبقع الحبر تملأ أرض الغرفة وتلطّخ أصابع يديه وملابسه.. وأطباق الطعام النصف فارغة ملقاة هنا وهناك.

الفنان الشارد

وكان الفنان يُغلق باب غرفته على نفسه، فلا يَبرحها أياماً، وكثيراً ما كان ينسى طعامه، فإذا عضّه الجوع، خرج يبحث لنفسه عن كسرة خبز يسدّ بها رمقه.

كان يدخل المطعم ليأكل، ثم يتذكّر فجاةً اللحن الجديد الذي بدأه في البيت، فيخرج قلمه ويكتب، ثم ينسى الطعام الذي جاء من أجله، فإذا فرغ من تسجيل نغمة، صاح على النادل يطلب منه إعداد قائمة حساب الوجبة التي ظن أنّه تناولها.. وكان كلما ازداد صمماً، ازداد شروداً، وشكا في الناس. كان يشك في نوايا الناشر الذي يتولى طبع موسيقاه، ويشك في أصدقائه الذين أحبّوه والذين كثيراً ما كانوا يدخلون خلسة في بيته، ليضعوا له ملابس نظيفة بدلاً من تلك التي لم تفارق جسده منذ أسابيع وأسابيع.

أحبّته فتاة من تلميذاته في مدرسته، وكانت الفتاة تأتي في مساء كل يوم في بيته، وتقف تحت نافذة غرفته تستمع إليه وهو يعزف ألحانه الجديدة، ورآها يوماً وهي تحوم حول البيت، فناداها، وطلب إليها أن تبحث لنفسها عن مكان آخر تقضي فيه وقتها الضائع.

قال بيتهوفن يصف لقاءه بهذه الفتاة: “أعجبني حديثها وأعجبني ذكاؤها، ولكنها ليست لي، إنّها فتاة جميلة، وأنا أعشق الجمال، ولكنني أخافه، لأنني أخاف عليه من عشاق الجمال غيري!”.

لقد كان الرجل يحب المرأة ويخشاها.. كان يشعر بحاجته إليها، ولكنه كان ينفر منها، كما ينفر من كل غريب يحاول أن يغزو دنياه. لقد أحبّ بيتهوفن أمّه، أوّل امرأة في حياته.. أحبَّ فيها جلدها وصبرها على الصعاب. كانت حياتها مع والده نموذجاً لما يجب أن تكون عليه الزوجة المثالية، فقد تحمّلت كل شيء في سبيل المحافظة على كيان تلك الأسرة الصغيرة التي ينتمي إليها.. ثم كانت عقدته من المرأة بعد ذلك، عندما مات شقيقه كارل، فقد كره بيتهوفن أرملة شقيقه بنفس القوة التي أحبّ بها أمّه.. لأنها كانت مستهترة، أساءت إلى سمعتها، وإلى سمعة زوجها الراحل.. واتسع نطاق كراهيته لامرأة أخيه، ليشمل كل امرأة عرفها!. لقد كان لشقيقه الراحل طفل من هذه المرأة، فلم يجد بيتهوفن إلّا أن ينتزع حضانة الطفل من أمّه، وجاء الصبي ليعيش في بيت عمّه، الذي أحسن تربيته، ولكن نسيه وأهمله، كما كان ينسى نفسه.. فكثيراً ما كان الصبي يجوع فلا يجد شيئاً يأكله، وكثيراً أيضاً ما كان يشعر بالبرد، فلا يجد غطاءً ثقيلاً يلتحفُ به. كان مصيره مرهوناً بما يتذكّره العم، فهو لا يجد ما يملأ به معدته، إلّا عندما يجوع عمّه، ولا يحسّ بالدفء إلّا عندما تخبو النار في المدفأة ويشعر عمّه بالبرد، فيسرع لإشعال النار من جديد. حتى كبر الابن، وحانت فرصته للهرب من هذه الحياة، عندما قرأ إعلاناً عن حاجة الجيش النمسوي إلى الرجال، فأسرع يقدم نفسه، ثم ما لبث أن اختفى بين صفوف المقاتلين.

البحث عن زوجة

وحزن بيتهوفن على فراق ابن أخيه حتى أنه عندما علم بوفاة ابن صديقته البارونة ايرتمان Eartmann أسرع إلى بيتها يعزّيها، ويعزّي نفسه!

ولكنه ما كاد يصل إلى البيت ويصافح صاحبته معزياً حتى وقف حائراً وسط بقية المعزين لا يدري ماذا يقول أو ماذا يفعل! وفجأة رأى بيانو في ركن منها، فاتجه إليه وجلس أمامه، ثم راح يعزف ويعزف، وجاء لحنه ترجمة صادقة لما كان يعتمل في صدره من حزن وألم!.

وعندما توقف عن العزف، نظر إلى من حوله فوجد عيونهم غارقة في الدموع!

وتمر الأيام، ويشتدّ إحساس بيتهوفن بالوحدة، ويزداد شعوره بالحاجة إلى رفيق. حقيقة كانت موسيقاه تملأ حياته، ولكنه كان يعيش في فراغ روحي، وكان إحساس بهذا الفراغ يزداد كلّما تمادى في عزلته وازداد بعده عن الناس!.

وفي عام 1810 وكان وقتها قد جاوز عامه الأربعين، فكر الموسيقار العبقري أخيراً في البحث عن امراة تشاركه حياته، وفي ذهنه صورة أول امرأة أحبّها.. صورة أمّه.

كانت أمنيته أن يعثر على امرأة ترعاه وتعنى به وتسهر على راحته، كما كانت تفعل أمه معه في طفولته وصباه، فقد بدأ يشعر أن التعب قد استبدّ به، وأن الفوضى قد شاعت في حياته.. وإنه قد فقد قدرته على مزيد من الاحتمال. كان يريد امرأة تستطيع أن تفهمه، وتستطيع أن تنقل الى رأسه ما عجزت أذناه عن سماعه.

وساق القدر في طريقه، فتاة حلوة، ذكية هادئة كالنسيم على حد وصفه لها، وكان أسمها تيريز مالفاتي Therese Malfatti وكانت ابنه لواحد من صغار أصحاب الأراضي الزراعية وأحبّها بيتهوفن، وتكرّر لقاؤه بها، وزياراتها لبيته مع أبيها، وكان يجد الراحة الكبرى في تلك اللحظات القصيرة التي كان يقضيها الى جوارها يعزف لها موسيقاه، ولكنه لم يعدها بأكثر من أن يكونا صديقين!.

لقد أشفق بيتهوفن على فتاته الرقيقة من نفسه، ولم يتصور أنَّ هناك امرأة تستطيع أن تحتمل ثوراته وغضباته، تلك التي كانت تجتاحه بين الحين والآخر، ثم لا يلبث بعدها أن يهدأ ويشعر بالندم على فعلته!

لم يكن واثقاً من أنه سيصبح قادراً في يوم من الأيام على تغيير أسلوب حياته الذي تلفّه الفوضى ويشيع فيه الاضطراب..

ولم تكن تيريز وحدها التي فكر في أن يتخذ منها زوجة له. فقد أحبّ بيتهوفن فتاة أخرى هي الكونتيسة ماري اردودي Marie Erdody رغم انتمائها إلى الطبقة الارستقراطية، فقد كان يكره هؤلاء النبلاء، ويؤمن بالديمقراطية والحرية، حتى أنّه عندما علم أن نابليون الأول أو نابليون الفاتح قد نصّب من نفسه إمبراطوراً مزّق الصفحة التي كانت تحمل كلمة الإهداء التي قدم بها إليه إحدى سيمفونياته!.

رحيل الموسيقار

ولكن صورة تيريز لم تفارق مخيلته لحظة واحدة، حتى بعد أن استبعد فكرة زواجه منها، وحتى بعد أن اشتدّ به المرض وأوشك على الموت.

لقد ظلّ شبحها يُطارده في صحوه ونومه في كل لحظة من لحظات حياته، وعندما مات وجدوا على مكتبه خطابا إلى تيريز يقول لها فيه: “إلى معبودتي.. إلى حبّي الذي لن يموت أبداً، اصفحي عني، واذكريني.

 اذكري إنّني أحببتك وإنّني تمنيت لو أنك شاركتني ما تبقى لي من أيام عشتها على هذه الأرض!”.

ولكن تيريز لم تقرأ رسالته، إذ كانت قد رحلت بعيداً عن مدينة فيينا وعن الناس الذين عرفوا قصة حبّها الضائع!.

ومات عملاق الموسيقى في ليلة عاصفة ممطرة اشتدّ فيها البرق والرعد وقبل أن يلفظ آخر أنفاسه، رأى البرق يضئ السماء، فرفع رأســــه عن الوسادة، ثم لوّح بقبضة يده مهدّداً متوعداً، وقال وقد اشتدت ثورته: “حتى هذا الصوت النشاز لن يستطيع أن يفسد موسيقاه!”.

 ثم مال برأسه وأغمـض عينيه إلى الأبد.