الهنداوي بروايتين قصيرتين.. العيش في الأمل بحثاً عن رغبات منفلتة

الهنداوي بروايتين قصيرتين.. العيش في الأمل بحثاً عن رغبات منفلتة

محمد جبير

اعرف الصديق الدكتور فوزي الهنداوي منذ زمن بعيد حين كنا نعمل سوية في جريدة الجمهورية  ، ولم تنقطع علاقتنا وانما بقيت محتفظة بروحها ومتانتها كصداقة حقيقية وعلى الرغم من اني اعرف عنه محرر اخبار وتقارير وكاتب اعمدة ودراسات جيدة الا انه لم يصرح لي في يوم من الايام انه يكتب رواية او قصة وانما ابقى الامر في طي الكتمان وهو القادر على الكتمان كما كان يكتم علينا علاقاته الخاصة التي نكتشفها بعد رصد دقيق .

ولم اعرف بشأن اصدار روايته الاولى ” على امل ان نعيش ” الصادرة عن دار ميزوبوتاميا في العام 2014 ، حتى ان الزميل مازن لطيف وعلى كثر ترددي عليه لم يذكر هذه الرواية امامي  ، الا ان الهنداوي قبل ايام اعارني نسخة من اجل القراءة ، لا اكتم سرا اذا  قلت اني  ذهلت امام المفاجأة غير المتوقعة  ، وبقيت مترددا بين اخذ الرواية واكون ملزما بالقراءة وبين اعتذر من صديقي بذريعة اني مشغول وعندي من الكتب الكثير تنتظر القراءة  ، الا اني لم اكن في موضع حرية الاختيار وانما فرضت عليّ القراءة فرضا ، قلت مع نفسي لابأس سأقرأ الرواية في وقت لاحق فهي قصيرة لا تتجاوز الثمانين صفحة ، لان صديقي سوف يسألني في الاسبوع المقبل اذا ما ألتقينا في المقهى او الشارع السؤال التقليدي، هل قرأت الرواية؟ وما رأيك ؟ هل اعجبتك؟ واسئلة اخرى اكون مطالبا في الاجابة عليها بحكم الصداقة والزمالة القديمة وعلاقات الاحترام المتبادل .

ليست هناك مساحة بيننا في التردد او المجاملة في الاحكام الموضوعية او الصادقة ، اذ كل منا يعرف صاحبه بشكل جيد وهو يعرف ويدرك جيدا اني لن اجامله اذا ما اردت ان اتحدث عن مساوئ كتابة النص اذا ما وجدت تلك المساوئ ، وسيقى الحذر والترقب مستمرا لحين الانتهاء من فعل القراءة ، ونتائج هذا الفعل ان كانت ايجابية او سلبية ، فهي تجربته الاولى في الكتابة السردية الروائية وهو في عمر تجاوز الخمسين واقترب من الستين  ، لماذا اقحم نفسه في هذه القضية ؟ لا املك الجواب الان ، قد يكون الجواب في متن النص  بعد الانتهاء من فعل القراءة

الكتابة في اخر الشوط:

اقتبس الكاتب مقطعا من الروائية الجزائرية احلام مستغانمي ، هذا نصه ” لا اصعب من أن تبدأ الكتابة ، في العمر الذي يكون فيه الاخرون قد انتهوا من قول كل شيء، الكتابة ما بعد الخمسين لأول مرة ، شئ شهواني وجنوني شبيه بعودة المراهقة ،  شيء مثير واحمق شبيه بعلاقة حب بين رجل في سن اليأس ، وريشة حبر بكر، الاول مرتبك وعلى عجل، والثانية عذراء لا يرويها حبر العالم! سأعتبر أذن ما كتبته حتى الان مجرد استعداد للكتابة فقط ، وفائض شهوة، لهذه الاوراق التي حلمت منذ سنين بملئها ، ربما غدا ابدأ الكتابة حقا”.

نعم هي الصعوبة حقا في كيف تبدأ بكتابة الرواية وانت بهذا العمر الذي تريد ان تقوله للاخرين بعد ان قال الكتّاب في اعمار مختلفة وازمنة متفاوتة كل ما لديهم من اقوال ، هل تريد ان تضيف كما ورقيا الى ذلك الركام من الورق العاطل عن القراءة ، ام انك تريد ان تقول شيئا في هذا الظرف الصعب وهناك امكانية لقول الحقيقة بصدق وموضوعية بعيدا عن مغريات الكتابة والشهرة وفتح الابواب المغلقة وما الى ذلك من دوافع ورغبات قد تكون مكبوتة في داخل الكاتب ،  فقد كان هذا النص الذي استل من رواية ” ذاكرة الجسد” اشار بدقة الى معاناة الكتاب في الكتابة بهذا العمر لاول مرة ، واشار الى انه مراهقة جديدة وقد تكون مراهقة الستين من اصعب واشد المراحل في مراهقتها لانها مراهقة فكرية قد لا تكون محسوبة العواقب .

قبل الذهاب الى مدخل النص السردي الذي حمل عنوان ” محاضرة تعارف” ، نقرأ الشواهد التي ادرجها الكاتب في الصفحتين ما بعد الاهداء ، فقد كان الشاهد الاول والذي افرد له صفحة كاملة لفولتير ” دعينا ننسى ما مضى ، ونبدأ من جديد ، نحن لم نعش ابدا ، نحن على أمل ان نعيش”  فيما ادرج في الصفحة المقابلة خمسة شواهد ، تدور في اجواء الشاهد السابق والتي تعطي انطباعا ان المتلقي سيخوض تجربة قراءة رواية حب ، وهو ما اشار اليه الاهداء الذي نص على ” الى انصار الحب اوهم يواجهون الطائفية “.

تشير معظم المناهج النقدية  الى ان الكتاب السردي الاول هو نتاج تجربة شخصية او مؤثرات تلك التجربة مع بعض الرتوش التزويقية  التي تسعى الى ابعاد النص من ذاتيه ، وهو الامر الذي قد ينطبق على الكاتب وهو يتعرض الى موضوع الحرب الطائفية في الاعوام السابقة وما الت اليه من تخريب ودمار وتشويه صورة العلاقات الاجتماعية بين ابناء المجتمع الواحد ، فقد اراد ان يجسد هذه الثيمة من خلال علاقة حب بين استاذ مادة الاتصال في الجامعة مع طالبة انبارية ، وياخذ في نسج حكايته السردية التي ارادت ان تتجاوز الطائفية الى شاطئ الحياة الطبيعية ، كانت الاشارات والشواهد السابقة عوامل مساعدة لجذب القارئ الى الدخول الى عالم النص السردي ومتابعة تفاصيله الداخلية ، فهي قد تكون رواية كتبت من واقع تجربة الاستاذ الذي تجاوز الخمسين ووضع صورته في الاستاذ الشاب ، لتكون رواية تهتم بمشاغل الوسط الجامعي من علاقات انسانية ، وهذا لن يشكل عيبا بقدر ما سيكون عنصر تشويق للمتلقي للتواصل بفعل القراءة .

ولكن لماذا ادرج نص الشاهد الذي تضمن ” دعينا ننسى ما مضى” لمن كانت هذه الرسالة موجهة ؟ انها رسالة ضمنية يذهب بها الكاتب الى متلقي معين بحد ذاته  ، قد يكون متجسدا امامه او قريبا منه او يفكر في العودة الى من يحب ، كلها رسائل ضمنية خارج اطار النص وتقترب من اللحظة المعاشة . اذ انه لا يمكن ان يكون في اي مكان بعيدا عن المرأة التي يحب او المرأة التي يريد ان يسمع صوتها لذلك فان هذا النص لا يبتعد عن ان يكون رسالة خاصة الى امرأ ة اراد ان يقول لها شيئاً من اقوال الحب بغية تحريك المشاعر او ان تلتفت له ولو التفافة قصيرة بحكم المجاملة .

يتقدم فوزي الهنداوي في تجربته الثانية ” رغبات منفلتة ” اشواطا عن تجربته السردية الاولى وذلك بتجاوز الاطار الذاتي الى الاطار العام مستفيدا من الخيال والقدرة على الصنعة السردية في انتاج حكاية متنامية دراميا تصل بالمتلقي الى الذروة عبر الكثير من التفاصيل  التي زاوجت بين الاثارة الحسية والصراع السياسي في استغلال الجنس لتمرير الصفقات الكبيرة تجاريا في المجتمعات  العليا من الطبقة السياسية في النظام السابق .اقدام الهنداوي على خوض تجربة الكتابة السردية في هذه المرحلة من حياته يدفعه الى الشعور بلذة الحياة من خلال العطاء لأنه في هذه المرحلة بالذات توقف من العيش تحت ضغوطات العمل اليومي المتواصل بين التدريس والصحافة الذي اكل كل ايام الحياة ليتفرغ ولو جزئيا الى مشروع ابداعي في كتابة حكايات سردية وابتكار شخصيات متطورة من جذر التجربة الواقعية المعاشة.