النوم في الحرب- نصوص – ابراهيم سبتي

النوم في الحرب- نصوص – ابراهيم سبتي

الموت لعبة مسلية في الحرب ، الذي لا يموت في الحرب يعاقب بتهمة الخيانة ، ويُسْأل بحقد القادة على الباقين أحياء :

ـ لماذا لم تمت كزملائك الآخرين ؟

لعبة الموت تأتي كل لحظة ، وفي وقت الاستراحة النادر ، يكون الموت قد استراح هو الآخر .. فلا احد يتعبه .في نهارات الدخان والرمي المؤطر بفجائع القتل ، نكون قد امسكنا ببنادقنا الخفيفة وارتدينا أرواحنا الرافضة وركبنا خوفنا وذهبنا للحرب أو الموت لا فرق !في يوم آخر ، عندما نسكب على قمصاننا ماء الغسل ، يسقط لون احمر متراكم من عدد مرات إخلاء زملائنا القتلى .. اما نحن ، فنداوي جروحنا غير المرئية وغير المحسوسة خلسة داخل مواضعنا الميتة هي الأخرى ، لان شدة الموت تمنع الإحساس بالجروح الصغيرة .

يعلو الدخان ولا يخبو .. ننظر نحو الأفق المُمَتْرس فلا نرى سوى بقايا أشجار فقدت نكهة الحياة وارتضت ان تقف يابسة .. النهار يزحف برويّة الخائفين عندما تحل عليهم لعنة الموت المتربص .

أقف مذهولا خلف مِتراس ضيق ، نعساناً وخائفاً . زميلي لا يستطيع ان يعترف بأننا متخاذلون .. لم نفكر يوما بالخذلان ولكننا ادركنا ان الموت في الحرب لا أهمية له أحيانا .. سيضحكون علينا يوما عندما نقول بأننا بقينا على قيد الحياة دون ان نقتل في تسع هجمات متتالية .

آمرنا الشاب برتبة مقدم حصل عليها كمكافأة على اندفاعه غير المسبوق نحو الأمام ! فرقيّ رتبتين بمرسوم  استبسال كما يسميه الجنود . وهذا الاستبسال لا يشمل الجميع في وحدتنا لأننا متنا جميعا إلا أنا وزميلي .. لم نمت .

تسع هجمات دون ان يرتد المقدم طرفة عين او يفكر بالانسحاب بمقدار ذراع واحد . كان مندفعا حتى انه قضى على سريته كلها باندفاعه المجنون غير المدروس .. لم يسأله احد ولم يتحدث معه .. في الحرب ثمة أوامر للإعدام ينفذها آمر الوحدة ضد المتخاذلين أو الباقين في سجل الأحياء ، انها أوامر الحرب .

بعد يومين من موتنا جميعا ..سألني الضابط  :

ـ ستدفع الثمن غاليا ! سأعدمك بيدي! لن أقدمك الى محاكمة عسكرية لان أحكامها تحتاج الى نَفَس طويل ، فيمنحونك حياة لا تستحقها لبعض الوقت !

سأختصر الوقت وارمي بجثتك للكلاب التي مازالت تشعر بالجوع رغم أنها لم تفارق المكان منذ شهر !

أيها المتخاذل الثعلب ، انك محشور مع الأموات لا محال .. لم تمت ؟ سيضحكون مني ان أخبرتهم بان سريتي ماتت عدا أولئك المعتوهين !

شتمني بكلام لم اسمعه من قبل وغادر مستاء ..

حدثني زميلي الذي لم يمت في الحرب أيضا :

ـ لماذا لا نهرب ؟ اعتقد ان المقدم سيُسجلنا في قوائم الأموات !

ـ غريب طرحك هذا .. ربما يقتلنا قبل ان نخطو خطوة واحدة .. بل سيمعن فينا تقتيلا !

فكرة الهروب كانت تلاحقني رغم ان الضابط تركنا في موضعنا المهلهل لم يسال علينا لثلاثة أيام ، يأتي صباحا لرؤيتنا ويغادرنا بسيل من الشتائم ثم يعود في الصباح التالي ليزيد من حدة الشتائم والوعيد والتهديد ..

في اليوم الرابع حضر ضابطنا بجبيرة في ذراعه اليمنى ، استغربنا ما رأينا لكنه سارع الى إخبارنا بغضب :

ـ جرح لم اشعر به ، انها ثلاث شظايا دخلت الى ذراعي دون شعوري ، على الأقل جُرحت ، لست مثلكما !

قلت في نفسي ، وما الذي يجعلك تشعر بجرحك وتحس بآلامه وأنت مندفع كثور هائج نحو الموت ؟ .

 انها الحياة التي نبحث عن سبيل للاحتفاظ بها أطول فترة ممكنة ..

حدثني صاحبي قائلا :

ـ في يوم عاصف ونهار مغبر بلون الدم ، مت بين يَدَي أمي في ردهة الطبيب الممتعض من تزاحم الناس على المشفى الحكومي .. كان ينظر الينا بغضب وأمنيات بالموت .. هكذا ترجمت تقاطيع وجهه المتجهم وكلامه المسموم. مُت ولم يفعل هو شيئا ولكني تحركت بعد دقائق فغضب  الطبيب وطردنا .. هي حالة قديمة وكأني ارى طبيبي أمامي عندما اسمع صوت الضابط .. انه يشبهه في كل شيء .. لا يريدنا ان نحيا كما هو ، لأنه يرى بان الحياة له وحده ونحن لنا الموت .. وقود نحن لا ينضب في الحروب .

في الدقائق التي ابحث فيها عن نفسي ، أجدها في خراب موضعنا وأصوات الدوي المخيفة تطاردنا ، لا فائدة ، فلا وجود للاسترخاء في الحرب . لكني ابحث عن لحظات اتمنى ان اطير بجناحين قويين يحملانني إلى بيتي وأتوارى هناك بعيدا عن ضابط السريّة الذي لا يحب رؤيتي حيا .. انه يريدنا ان نخدع أنفسنا وان نمنيها بأكاذيب معششة في رأسه مع اني كنت ومازلت أحب الحياة التي لم ار منها ما يسرني فيها . هكذا انا ، أرى الجزء الأسود منها دائما ولم أر يوما جزءها الأبيض !

جاءني الضابط مسرعا وكأنه عثر على خارطة الكنز في الجزيرة المهجورة :

ـ غدا محاكمتك بتهمة الخيانة ! انا الذي سأحاكمك !

ارتجفت هذه المرة بصدق ، خمنت انه سيقضي عليّ بكل وقاحة لأني نجوت من تسع هجمات . اما صاحبي فنظر إليه وقال له :

ـ بعد غد !

لم يسمح لي بمكالمته ، انصرف مستاء لكوني لم أتفوه بكلمة . في الليل كان تفكيري بالموت احتلّ حيزا من ساعات بقية حياتي المؤقتة والتي ستنتهي يوم غد بأمر عسكري من الآمر الغضبان مني !

هذه هي الحرب يا صديقي ! ضحكت ضحكة الوداع وضحك معي كفريسة تنظر الى الأفق يائسة .سأمنح نفسي بضع دقائق أدافع بها عن سبب بقائي على قيد الحياة ، سأقول له باني كنت نائما في الهجوم الأخير !

سأقول له اني ابتلعت أربعة أقراص فاليوم 10 غرامات فحلقت في فضاء الحرب وحيدا مسرورا وغادرني خوفي وقلقي واضطراباتي النفسية ثم نمت واستغرقت به حتى انقشاع الدخان . سأقول له تناولت أقراص الفاليوم لأنام واخلّص نفسي من الموت قتلا في الحرب .. أنام كالميت  فاخدع الحرب !

في الصباح : كانت منضدة خشبية متهرئة تقف على ثلاث أرجل والرابعة مسندة على غلاف طلقة مدفع 105 ملم وأمامها يجلس الضابط / القاضي / لوحده على صندوق عتاد فارغ .. لا مستشارين ولا حاجب ! ولا دفاع !

القاضي ، بملابس رثة لم تر الماء منذ شهور .. وجهه ملبد بالغضب والوجوم . وقفت في العراء أمامه ، فلا قفص للمتهمين .

 سألني بصوت أجش :

ـ أين كنت في الحرب ؟

أجبته بوعيي الكامل :

ـ كنت نائما !

ـ أنت تُهين المحكمة يا هذا .. قل الحقيقة وإلا.

ـ وإلا أقتلك .. اعرف ما تريد قوله لأنك حانق عليّ . كنت نائما ، ابتلعت أربعة أقراص من عقار الفاليوم 10  غرامات . شعرت اني بحاجة للتخلص من موت عبثي استطيع ان أبعده عني مؤقتا . هل عندك حكم للنائم في الحرب ؟

ـ من اين حصلت على الاقراص ؟

ـ من جندي ميت !

ظل القاضي / الضابط /  يطلق دفقات عدوانية غير مسبوقة تجاهي ، حتى شعرت بأنه يريد افتراسي بأنيابه التي يظهرها عند كل سؤال . كانت السماء تزحف نحو الغروب . والضابط الجالس على صندوق العتاد يتمايل غضبا لأنه لم يجد فقرة في قانونه تقتل النائم في الحرب سوى عقوبة بسيطة تحت عنوان إهمال لا أكثر .. كان ينظر الى الشمس الغاربة وهو يخرج مسدسه ويقوم بإطلاق أربع أطلاقات في الهواء  ليشتد القصف علينا بعنف واهرب تاركا المحاكمة الى موضعي لأجد صاحبي وقد استغرق في نومه .