المغرب والإصلاح
عبدالله محمد القاق
تحل هذه الايام الذكرى الثالثة عشرة لجلوس الملك محمد السادس على العرش في أجواء التعبئة الوطنية لترسيخ بناء الدولة الديمقراطية الحديثة على قواعد دستورية جديدة، تتلاءم مع مستوى التطور الذي عرفته الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في بلادنا، وتستجيب لتطلعات شعبنا نحو الانتقال الأكثر استقراراً والأشد قوة ومناعة والأرحب أفقـاً،.
ويحتفل المغرب بعيد العرش هذه السنة، في ظل مكاسب دستورية، هي بكل المقاييس مصدر القوة والصمود والقدرة على مواجهة التحديات التي تعترض طريقنا نحو تنفيذ المشروع الوطني للبناء والنماء وتعزيز الانتماء الى هذا الوطن الذي هو الحاضنة الجامعة لجميع المواطنين، والذي يستحق منا جميعـاً بدون استثناء، أن نضحي من أجله، وأن تتضافر جهودنا للنهوض به، ولتحقيق التقدم والازدهار وعلوّ الشأن له في الحال والمآل.
لقد كان عيد العرش كما قال لي الدبلوماسي المغربي العريق السفير المغربي في الاردن الحسن عبد الخالق الذي سعى خلال تبوء عمله في الاردن لتعزيز وتطوير العلاقات الاخوية بين البلدين، انه منذ أن تأسس الاحتفال به في سنة 1933 بمبادرة من الحركة الوطنية، فإن هذا العيد يمثل عيداً للتعبئة الجماعية، ولشحذ الهمم المتوثبة، وللأمل والتفاؤل والاستبشار، ولتجديد الثقة ولتعميق اليقين، ولتقوية التصميم على مواصلة العمل من أجل خدمة الأهداف الوطنية السامية، وفي سبيل تعزيز مكانة الدولة المغربية القوية القادرة على الصمود في وجه التحديات كافة. ففي هذا اليوم الوطني المجيد، تترسخ أواصر التلاحم بين العرش والشعب، وتتدعم الجبهة الداخلية وتتعبأ قدرات الشعب وطاقاته الحيّة في عمل وطني جماعي، بقيادة الملك صانع المغرب الجديد الذي يمضي قدماً على طريق التطوير والتحديث والانفتاح على العالم المتقدم.
لقد تميزت العلاقات المغربية الأردنية، على مر التاريخ بالتواصل والتشاور المستمر على أعلى المستويات، وبالاحترام المتبادل والتفهم للقضايا الوطنية الخاصة بكل بلد على حدة، والتطابق الكبير في وجهات النظر حول عدد من القضايا ذات الاهتمام المشترك، كما يتشاور البلدان باستمرار حول الأوضاع التي تشهدها المنطقة العربية وينسقان مواقفهما ازاء القضية الفلسطينية ويدعمان بقوة نضال الشعب الفلسطيني في المحافل الدولية لقيام دولته الفلسطينية على التراب الفلسطيني وعاصمتها القدس الشريف.. وفي حديث لي مع سفير المملكة المغربية لدى الاردن الحسن عبد الخالق قال انه تأكيد لوحدة الرؤية بين البلدين في القضايا ذات الاهتمام المشترك، أعلن الملك عبدالله الثاني عن دعم الأردن لوحدة المغرب الترابية وتأييده لمبادرة الملك محمد السادس القاضية باعطاء حكم ذاتي للأقاليم الصحراوية في اطار السيادة المغربية وتم تأكيد هذا الموقف خلال انعقاد الدورة الرابعة للجنة العليا المغربية الأردنية المشتركة، المنعقدة في عمان في تموز2008 .
وقد اعتبر العاهل المغربي الملك محمد السادس في خطاب له بالمناسبة ان العدالة والجهوية والحكامة الترابية الحكم الرشيد تعد اوليات للاصلاح في المغرب، وذلك في خطاب ألقاه بمناسبة الذكرى 13 لجلوسه على العرش. واكد العاهل المغربي ان المملكة المغربية نموذج في الالتزام بالاسلام السني الوسطي السمح الذي لا مكان فيه للتطرف والتعصب والغلو والانغلاق . وقال العاهل المغربي انه اذا كان القضاء والجهوية والحكامة الترابية في صدارة اسبقياتنا، فانه ينبغي تفعيل المؤسسات المنصوص عليها في الدستور الجديد، ذات الصلة بالحكامة الجيدة ومحاربة الرشوة، وبالتنمية الاقتصادية والاجتماعية بصفة عامة.
واطلق العاهل المغربي الربيع الماضي حوارا وطنيا لاصلاح منظومة العدالة بسبب ما يعرفه جهاز القضاء في المغرب من تفش واسع لظاهرة الرشوة في مختلف خدماته. وبما ان الدستور الجديد يضع استقلال القضاء في صلب منظومته كما يضيف الملك، فان الشروط باتت متوافرة لانجاح هذه الورشة الكبيرة ô وفق مقاربة تشاركية منفتحة، لاعداد توصيات عملية ملموسة، في اقرب الآجال .. وأطلق العاهل المغربي في تموز اصلاحا دستوريا صوت عليه 98 من المغاربة، ويخول للحكومة والبرلمان سلطات أوسع.
ويقترن عيد العرش هذه السنة بالتطور الدستوري الذي دخل به المغرب مرحلة جديدة غير مسبوقة، وبالنقلة النوعية في العمل الديمقراطي التي فتحت أمام المغرب الآفاق الواسعة للتحديث وللتجديد في جميع المجالات، ومهدت له السبيل للولوج الى نادي الدول الديمقراطية السائرة بخطى حثيثة على طريق النموّ المتوازن المتكامل. فهو اذن، عيد للوطنية وللمواطنة، وعيد الوطن والمواطنين جميعـاً، يكتسي الاحتفال به طابعـاً وطنيـاً تعبويـاً يتجاوز مجرد الاحتفالات العابرة التي لا تنطوي على دلالة عميقة، ويؤكد حقيقة على قدر كبير من الأهمية، هي هذا الاجماع الوطني على التعلق بالعرش، وعلى الالتفاف حوله، وعلى الاقتناع العقلي والقلبي الذي يعم جميع طبقات الشعب، بأهمية الدور الوطني الذي يقوم به العرش المغربي في دعم مسيرة التقدم في بلادنا على جميع الأصعدة، وفي تعزيز الوحدة الوطنية، وفي حماية المكتسبات، وفي الذود عن السيادة والاستقلال الوطني.
والواقع ان هذالعيد الذي احتفلت به السفارة المغربية في الاردن بحضور الوزراء والسفراء والشخصيات السياسية والاقتصادية والاعيان والنواب وقادة الجيش والشرطة والذي استقبلهم السفير المغربي والسيد عقيلته بكل حفاوة وتكريم يشكل البعد الوطني ذا الدلالات العميقة في عيد العرش، مما يجعله مناسبة وطنية لتجديد التعاقد الوطني بين الملك والشعب، لمواصلة مسيرة البناء الديمقراطي والنماء الاقتصادي، ولترسيخ القواعد المتينة للدولة المغربية الحديثة، وللتأسيس للمجتمع المتضامن المتـآزر المتكافل الذي تتضافر فيه الجهود لكسب رهان التقدم والازدهار والأمن والاستقرار.
رئيس تحرير جريدة الكاتب العربي الاردنية
/8/2012 Issue 4268 – Date 4 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4268 التاريخ 4»8»2012
AZP07
























