المعجم الحافظ للألفاظ التي شرحها الجاحظ

المعجم الحافظ للألفاظ التي شرحها الجاحظ

تدرّج منطقي للرؤى

باقر الكرباسي

لقد اخذت لفظة التراث معنى واسعا فشملت ماخلفته الإنسانية من ثقافة وعادات وسلوك نقلها الخلف عن السلف، والتراث هو لغة مايرثه الناس، وهو ناتج العمليةالاجتماعية لأية أمة، فهو الموروث المادي الذي تتوارثه الاجيال جيلا بعد جيل، ويؤلف التراث العربي حافزا للمزيد من الدراسة والابتكار والتجديد والتقدم الاجتماعي، يقول المرحوم الدكتور أحمد مطلوب في كتابه (المدينة في التراث) :(انه قد بدأت العناية بالتراث تزداد بعد أن وجد الناس فيه خيرا، وحققت كتب كثيرة ماكان لها أن ترى النور لولا النهضة الحديثة، وكان لهذه الكتب ان تدرس وينتفع بها فصدرت آلاف الكتب التي تنهل من التراث)، والجاحظ هو عمرو بن بحر بن محبوب لقب بالجاحظ لبروز عينيه، عالم فذ من علماء النقد العربي الذي اهتم كغيره من النقاد بالنص (شعرا ونثرا) اهتمامها كبيرا وكان له حضوره الواضح في النظرية النقدية، إذ تعد معظم النظريات العربية في النقد امتدادا لارائه وتطورا لها، اهتم الجاحظ بالنص الأدبي بوصفه بنية متكاملة لها اجزاؤها المكونة التي تترابط فيما بينها بعلاقات معينة تؤدي وظائف معينة، يقول الأستاذ الدكتور حامد الظالمي _استاذ في جامعة البصرة _في قراءة معاصرة لطروحات الجاحظ :(ان قضية اللفظ والمعنى واسبقية أحدهما على الأخرى من القضايا النقدية القديمة الجديدة، تكلم فيها النقاد والبلاغيون واللغويون العرب القدامى وكذلك المحدثون ولم ينتهوا إلى نتيجة قطعية في ذلك، وقول الجاحظ المشهور _المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي والبدوي _وإنما الشأن في إقامة الوزن وتمييز اللفظ وسهولته، وسهولة المخرج وهي صحة الطبع وجودة السبك).

والأستاذ الدكتور محمد عبد الزهرة الشريفي الذي أقدم كتابه المهم هذا للقارئ العزيز، قرأ الجاحظ وتتبع اعماله المختلفة كالبيان والتبيين والبخلاء والحيوان والبرصان والعرجان ورسائله الكلامية والبلاغية وغيرها من الفنون الأدبية والفلسفية التي برع فيها الجاحظ، ومن خلال تتبع الدكتور الشريفي لتراث الجاحظ فقد وجد ان الجاحظ كتب بفنون كثيرة واشتغل على العلامة والرمز والكناية والتشبيه وغيرها من الصيغ البلاغية، يقول مؤلف الكتاب الدكتور الشريفي في المقدمة : (هذا العمل عبارة عن جمع المفردات التي شرحها الجاحظ، فقد وجدت مادة لغوية وفيرة تصلح ان تكون معجما، وقد حاولت أن اجمع هذه المفردات فكانت قرابة الف ومئتي جذر ينضوي تحت كل جذر عدة كلمات) ص5.

وينبه ألمؤلف الشريفي إلى أن القارئ لهذا العنوان يتسارع إلى ذهنه العمل الذي قام به الدكتور إبراهيم السامرائي وقد يكون تكرارها له، مؤكدا هنا انه ليس كذلك، إذ ان الدكتور السامرائي كان عمله هو معجم من تاليفه، انتقى مفرداته من لغة الجاحظ، اما عملنا هذا فهو معجم من تأليف الجاحظ نفسه شرح فيه مفردات انتقاها من لغة العرب ص5.

ويوضح الدكتور الشريفي في ماقدمته للكتاب :(ان عمله هذا ذا أهمية بالغة في الدراسة اللغوية فقد تضمن هذا المعجم مفردات لم تضمنها المعجمات العربية الأخرى، فضلا عن ذلك انه اشتمل على شرح كثير من الألفاظ الاعجمية والدخيلة والعالمية) ص5.

الكتاب يضم 28 بابا رتبه ألمــــــؤلف علــى الحروف الهجائية، فبابـــه الأول هو باب الهمزة، وسانقل مثالا في هذا الباب استخدمه ألمؤلف في منهجية تاليفه للكتاب حسب شرح الجاحظ لمفرداتـه:

(23 – أمر) وقال زهير :

والاثم من شر ماتصول به.

       والبر كالغيث نبته أمر

(أمر) اي كثير (الحيوان 3/476)

ويقال للجدي :أمر والأنثى إمرة   (الحيوان 5/498)

ولعل أكثر مالفت انتباهي في دراسة الدكتور الشريفي المعجمية هذه هو التدرج المنطقي والمتاني للرؤى التي يخرج بها الباحث في نهاية المطاف، في حين ان العمل برمته يعج بمعلومات لايتسنى الوصول إليها من دون تنقيب ووعي حقيقيين، الكتاب مهم ورفيع القيمة من ناحية البحث المعجمي والعلمية ويخضع إلى آليات نقدية معاصرة فيه تحليل ومقدرة، ابارك لاستاذي الدكتور محمد الشريفي اصداره المهم هذا والذي سيفيد منه الباحثون والقراء.