


مروان ياسين
يبدو المشهد المسرحي في العراق، حين ننظر إليه من زاوية المدن، وكأنه خريطة تتغير فيها مستويات الضوء تبعاً لحضور المؤسسات أو غيابها. وفي هذا السياق، تُقدّم بابل ونينوى مثالين متناقضين يبدوان كأنهما خرجا من مختبر واحد، لكنهما حصدا نتائج متعاكسة تماما. كلا المدينتين تمتلكان كلية للفنون الجميلة، وكلاهما أنجبتا خريجين يحملون شهادات عليا، غير أن المشهد المسرحي فيهما لا ينهض على القاعدة نفسها ولا ينمو بالطريقة نفسها. هذه الفجوة ليست مجرد اختلاف، بل هي شهادة قاسية على الدور الذي تلعبه المؤسسة حين تنجح، والدور الذي تلعبه حين تفشل.
بابل: حين تتحول المؤسسة إلى مُحرّك للمشهد
في بابل، لم يكن تأسيس قسم المسرح عام 2004 في كلية الفنون الجميلة مجرد مبنى أضيف إلى الخارطة الجامعية، بل كانت نقطة انعطاف. أهم ما يمكن تسجيله هنا هو أن الكلية لم تكتف بإنتاج شهادات، بل أنتجت فاعلين: مخرجين، باحثين، وطلبة امتلكوا وعياً بما يفعلونه على الخشبة. يمكن رؤية ذلك في نوعية العروض التي خرجت من مسارح بابل خلال العقدين الأخيرين. ثمة تطور تقني واضح، مصحوب بمخيلة مُدرَّبة، وأداءات تحمل أثراً لصوت أكاديمي يعرف كيف يربط النظرية بالتطبيق.
إن نيل عدد من عروض بابل تقديراً في مهرجانات عربية ــ من الخليج إلى المغرب العربي ــ ليس حدثاً عابراً. إنه مؤشر إلى أن المسرح هناك لم يُنتج ليستعرض نفسه محلياً، بل ليختبر قدرته على العبور خارج حدود المحافظة. ثمّة ثقة ظهرت في نضج تلك التجارب، وثقة موازية في حضور أكاديميي بابل في لجان تحكيم المهرجانات العربية، وفي الندوات والملتقيات. حين تصبح الكلية قادرة على إنتاج خطاب نقدي، وممارسة فنية، وتأثير خارج حدودها الجغرافية، فهذا يعني أن الوظيفة الأكاديمية تحوّلت إلى فعل ثقافي وليس شكلاً إدارياً.
الأمر الأهم أن هذا النجاح لم يأتِ نتيجة وجود أسماء فردية فقط، بل نتيجة وعي مؤسسي بأن المسرح ليس مادة دراسية، بل منظومة تحتاج إلى تدريب، ونقاش، ومختبر، ومسارح صغيرة تتيح للطلبة التجريب والسقوط والوقوف. هذه الخلطة هي ما جعل بابل تبدو وكأنها تقدّم درساً في جدوى المؤسسات حين تُدار بالمعرفة لا بالإجراءات.

نينوى: تاريخ مسرحي طويل… يتحوّل إلى صمت
لكن ما إن ننتقل إلى نينوى حتى يتبدل المشهد تماماً. تأسست كلية الفنون الجميلة هناك عام 1997، وكان المتوقع أن تبدأ المدينة مساراً صاعداً: فنينوى تمتلك إرثا مسرحيا يمتد لخمسين عاماً، قدّمت خلاله أسماء مهمة أثرت المسرح العراقي، وشاركت في مهرجاناته الكبرى، وخلقت صلة حيّة بين المسرح والجمهور.

غير أن ما حدث كان عكس ذلك تماماً. فمنذ تأسيس الكلية، لم يشهد المسرح في نينوى تطوراً، بل شهد انحداراً وصل حدّ الغياب. النشاط المسرحي خارج أسوار الكلية توقّف كلياً. العروض اختفت. الجماعات المسرحية التي كانت تملأ فضاءات المدينة طيلة اكثر من خمسة عقود تلاشت.مثل فرقة مسرح الرواد ، مسرح الجماعة ، فرقة الجامعة ، فرقة النشاط المدرسي ، فرقة المسرح العمالي . إضافة إلى الفرق المسرحية التي كانت تتبع مراكز الشباب . الأدهى من ذلك أن الأكاديميين الذين تخرّجوا من الكلية وحصلوا على شهادات عليا لم يقدّموا أي مساهمة تُذكر في الحياة المسرحية.
لقد تحولت الشهادات العليا في نينوى إلى ظاهرة منفصلة عن الخشبة: شهادات الماجستير والدكتوراه تتزايد، مقابل عدم وجود ممارسة مسرحية حقيقية خارج اسوار الكلية. والعلاقة بين الأكاديميين والمسرح أصبحت كعلاقة موظف بملف إداري: محدودة، باردة، ومنزوعة الشغف. هذه المفارقة تجعل من نينوى حالة فريدة: مدينة كانت تمتلك مسرحاً قبل وجود كلية للمسرح، لكنها فقدته بعد تأسيس الكلية.

أسباب الانحدار
أولا ، القبول الجامعي بوصفه باباً اضطرارياً لا خياراً فنياً : حيث أن معظم الطلبة الذين دخلوا قسم المسرح في كلية الفنون في نينوى لم يفعلوا ذلك بدافع الرغبة أو الموهبة. كان دخولهم نتيجة غياب فرص أخرى: معدلاتهم لم تسمح لهم بدخول كليات ذات تنافس أعلى، فوجدوا في كلية الفنون باباً مفتوحاً بلا شروط. هنا تكمن المشكلة. فالفن، خاصة المسرح، لا يُدرّس للطلاب الذين يدخلونه بلا رغبة. غياب اختبارات القبول الجدية (اختبار أداء، قراءة نص، تقييم موهبة) جعل القسم يمتلئ بطلبة لا علاقة لهم بالمسرح، باستثناء أنه الخيار المتاح.

ثانيا ،الأكاديمي الذي لم يمارس المسرح : حين يتخرج الطالب بلا ممارسة، ثم يحصل على شهادة عليا بلا تدريب جاد، ثم يتحول إلى أستاذ يدرّس فناً لم يختبره، فالأمر يتحول إلى كرة ثلج تكبر كل عام. هكذا أصبح قسم المسرح في نينوى ينتج أجيالاً تدرس على يد عدد من الأساتذة لم يصعدوا الخشبة عملياً، ولم يشاركوا في مهرجانات، ولم يتركوا أثراً فنياً. المسرح هنا أصبح مادة محفوظة، لا تجربة معاشة.
تراجع المسرح بوصفه نشاطاً جماعياً: المسرح بطبيعته فن جماعي. حين يضعف الأكاديميون ويتراجع الطلبة، يختفي الفريق بأكمله. الجماعات المسرحية التي كانت تشكل نواة النشاط في نينوى اختفت لغياب من يقودها. المسرح يحتاج قائدًا، ومخرجًا، ومحركًا، وشخصًا يؤمن بأن العرض ليس واجباً أكاديمياً، بل فعل حياة. في نينوى، لم يظهر هذا الشخص.
نينوى ما قبل الكلية… ونينوى ما بعدها
المفارقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن نينوى قبل تأسيس قسم المسرح في كلية الفنون كانت تمتلك مشهداً مسرحياً نابضاً. كانت المدينة تُصدر أسماء مهمة، وتجارب لافتة،ومخرجين حاضرين بقوة في بغداد ومدن العراق الأخرى. مثل، شفاء العمري،علي احسان الجراح،محمد نوري طبو، خليل ابراهيم، موفق الطائي، يسن طه، فريد عبد اللطيف، عصام سميح، عبد الرزاق ابراهيم،راكان العلاف،بيات مرعي،حيث كانت خشبة المسرح في نينوى جزءاً من نسيجها الثقافي، لا مجرد فعالية موسمية.وبعد تأسيس الكلية، اختفى هذا كله.

السؤال ليس أكاديمياً فقط، بل ثقافياً: كيف يمكن لمؤسسة يفترض بها دعم الفن أن تقود إلى اختفائه ؟
هذا السؤال وحده يكشف حجم الفجوة بين ما يفترض بالمؤسسة أن تفعله وما انتهت إليه فعليا.

المقارنة بين بابل ونينوى ليست مقارنة بين مدينتين، بل بين نموذجين من التعامل مع الفن. الأول يرى في المسرح مشروعاً ثقافياً يحتاج إلى بناء وتراكم وتدريب، والثاني يرى في شهادة المسرح وسيلة لتحسين الدخل لا وسيلة لإحياء الخشبة. النتيجة واضحة: بابل تتقدم لأن مؤسستها تحمل رؤية، ونينوى تتراجع لأن مؤسستها تعمل بلا رؤية. وفي النهاية، يظل السؤال مفتوحا: هل تحتاج نينوى إلى كلية فنون جديدة، أم إلى روح جديدة تُعيد للمسرح مكانته الأولى؟
هذا السؤال يجب أن يُطرح قبل أي نقاش حول مستقبل المسرح في المدينة.























