المستفيد من قانون تجريم البعث
الاشتباكات الطائفية المؤسفة التي اندلعت في مدن بلاد الرافدين هي أول تجسيد حقيقي لحالة الاحتقان التي تعيشها دولة العراق الجديد بسبب انهيار هيبة الدولة، واتساع الهوة بين الحاكم والمحكوم ، ووجود فراغ قيادي في قمة السلطة.
دولة العراق تنتظر عود الثقاب الذي يفجر بركان الإحباط والغضب الكامن في النفوس، فالنظام يعيش حالة من التكلس ، ولم يعد يأبه بالانتقادات الجريئة في الصحافة والأعلام لأدائه، بل بات يشجع على تصريحات ومقالات السب والشتم ونهش فساد العائلة، لأنها تؤجل الانفجار، بما تحققه من تنفيس ولو كان جزئياً لحالة الاحتقان هذه .
النظام ربما يكون المستفيد الأكبر من هذه الصدامات الطائفية، لأنها تحرف الأنظار عنه، وتجعل المشكلة بين أبناء الشعب الواحد، إي بين المسلمين العرب من الشيعة والسنة وما بين الأكراد والعرب، وليس بين هؤلاء مجتمعين وبين النظام الذي فشل في كل شيء تقريبا، فشل في التنمية في التعليم، في الصحة، في السياسة الخارجية، في الأمن، وحتى في الفن والرياضة والثقافة والتربية والزراعة والصناعة.
لا احد يعرف من هو صاحب القرار الأول في البلد، حالة من الغموض في قمة السلطة لا يعرف احد كيفية فك رموزها وطلاسمها.
الشعب العراقي لم يعد يثق بنظامه، ولا يصدق إي بيان للمسؤولين فيه ، والأقليات في العراق تعاني، فكل يوم نقرأ في الصحف عن اعتقال العشرات من العراقيين دون تهم محددة ، إذ ان مواطنتهم منقوصة وتمثيلهم في مؤسسات الدولة هامشي، وهناك وظائف ممنوعة عليهم ، وتتعرض كنائسهم ومعابدهم للحرق والاعتداءات من بعض المتطرفين .
ولكن هذا لا يعني أن بعض إفرادهم ، لاسيما أولئك الذين يعيشون في الولايات المتحدة، يقومون بأعمال الشحن الطائفي وصب الزيت على نار الفتنة بدعم من أعداء العراق في رد فعل على الاعتداءات على المصلين في جوامع ومساجد بغداد ، بقولهم أن هذه الأعمال غير مقبولة ، ولكنه لم يحرك ساكنا عندما تعرضت بغداد العاصمة إلى هجمات مسلحة من الجماعات المتطرفة على المصلين المسلمين.
كانوا دائماً في قلب الحركة الوطنية العراقية، والأكثر حرصاً على استقلال البلاد والتلاحم مع أشقائهم المسلمين في مواجهة الاستعمار لدول الجوار في العراق الجديد . ولكن في هذا الزمن الكئيب الذي تتخلي فيه القيادة العراقية عن دورها، وتقزم مكانة بلادها، علينا أن نتوقع حالة من التحلل الوطني والسياسي والاجتماعي تمزق الوحدة الوطنية وتشعل فتيل الصراع الطائفي بعد وضع قانون تجريم حزب البعث على طاولة البرلمان في محاولة لتجريم بعضهم في العراق بعد التظاهرات والاعتصامات التي خرجت إلى الشارع العراقي. مشاكل العراق الجديد عديدة متشعبة ، ولكن علتها الأكبر تكمن في رأسها.
فالسياسة أصبحت إقطاعية من مسؤولية الأحزاب الحاكمة والأجهزة الأمنية المعنية مغيبة بالكامل أو لم يعد لها أي دور حقيقي في النصح والاستشارة ، وفي الحالين هناك كارثة. فالعراق في العهد الجديد بات يصدر إلى المنطقة هذه الآفة، ولن يكون غريبا إذا ما شاهدنا حروبا قبلية وعنصرية وقومية في أكثر من بلد عربي في المستقبل القريب. فمن غير المنطقي أن نشاهد الحرب الطائفية تشتعل في العراق ويتساقط فيها عشرات القتلى والجرحى، ونتوقع أن تنحصر آثارها في داخل الحدود العراقية، وتظل دول الجوار في مأمن. خروج العراق من هذه الفتنة الطائفية لا يتم إلا عن طريق تكريس دولة القانون، والقضاء على كل أنواع الفساد. دولة الرئيس المالكي في وضع يشبه وضع سيدنا سليمان، مع الفارق الكبير طبعاً لن تعرف رعيته انهيار حكمه إلا بعد أن ينخر السوس عصاه التي يتكئ عليها. العراق الجديد يدفع ثمن سياسات خاطئة داخلية وخارجية من أمنه واستقراره ومكانته ومن المؤسف أن هذا الوضع سيستمر، ربما لسنوات مقبلة لأن عوامل التغيير الداخلي غير متوفرة أو غير ناضجة، والثورات الشعبية، أيا كان لونها، باتت حلماً بعيد المنال ليس فيها فقط.
خالد القرة غولي
AZPPPL























